ربما أكثر من الدورات السابقة يقدح المونديال الحالي أدمغتنا بالبعد السياسي لكرة القدم. فالمنافسات الدولية داخل المستطيل الأخضر ليست فقط استعراضاً لمهارات اللاعبين، بل إنها ربما تعكس قبل هذا مدى اهتمام الدول بالاستثمار في الشباب واستثمارها في الدعاية السياسية. كما هي ماكينة لضخ الشعور القومي. ففي هذه الدورة، تفاجئ منتخباتُ دولٍ ضامرة المساحة والكثافة السكانية والموارد الاقتصادية العالم بأداءٍ مبهر. المعلقون في كل اللغات يشيدون بمنتخبي كوراساو والرأس الأخضر، بينما مجموع سكانهما بالكاد يتجاوز نصف المليون، ومصادرهما الاقتصادية أكثر تواضعاً. في المقابل، حسرةٌ متوحشة تفترس شعوبا تفوقهما بكثير موارد بشرية واقتصادية ورصيداً تاريخياً، على الأقل، في اللعبة. لعل السودان إحدى هذه الدول المفتَرَسَة. فكرة القدم أحد معايير التنمية البشرية. على إيقاعها تقاس حركة التقدّم والرفاهية. إنها مشروع دولةٍ سياسيٌ إنمائي متكامل. هي أحد أسلحة القوة الناعمة بالغة النفاذ في السياسة الخارجية. من سماتها الإيجابية تكتسب الهيئات الرياضية حتى في الأنظمة الشمولية روحا ديمقراطية على نحو جوهري أو مشابه.
***
لذلك التفوق داخل المستطيل الأخضر لا يعتمد على حجم الموارد الاقتصادية أو عدد السكان في غياب المشروع الوطني. لعل هذا يعكس بعداً في أسباب غياب دولة بحجم الصين والهند عن المونديال. كلتاهما لا تندرج كرة القدم على أولويات مشاريعهما السياسية في ضوء ثقافة شعبية ورؤى استراتيجية متباينة الجذور. لكن الحسرة والخيبة تنهشان دولاً يتمكّن شغف الكرة من شعوبها ولها فيها نصيب من الإنجاز. فالسودان دولة رائدة في ملاعب كرة القدم على الصعيد الأفريقي.الخرطوم مهد ميلاد الاتحاد الأفريقي وملعب أول بطولة وبطلتها. اهتمام الدولة بالرياضة عامةً وكرة القدم خاصة كان مشروعًا سودانيًا سياسيًا في مراحل. لكنه انحسر إبان عهد الإنقاذ، إذ تعرضت الرياضة بصفة عامة للإهمال، فتراجعت على أجندة الدولة أو ربما غابت فلم تبن الدولة طوال سنينها الـ30 العجاف استاداً واحداً. لكن ذلك لم يؤثر على شغف السودانيين بالكرة.
قطاعات واسعة من الجماهير تصنّف خروج منتخباتها المبكر من التصفيات فضيحة
***
هناك مشروع لبناء ما سُميت "المدينة الرياضية"، وهو شاهد على استشراء الفساد داخل الدولة. لا تزال الاتهامات متبادلة في شأن سوء إدارة تنفيذه وعدم اكتماله. كما أصبح محوراً ساخناً في جدل الحرب الأهلية الراهنة. إذ تحوّلت (الخرابة) إلى معسكر للجنجويد ثم جبهة لتبادل الاتهامات في شأن إطلاق رصاص الحرب القذرة المبكر. اهتمام الإنقاذ بالشباب تركز على عسكرتهم وتحشيدهم وقودا لحروبها في جنبات الوطن تحت شعارات أيديولوجية وحملات قسرية وإغراءات مادية سخية. العديد من الشباب شكّلوا تياراً نشطاً في تخليق ما بات يُعرف بالطبقة الطفيلية داخل مجتمع الإنقاذ. سيحاججك بعضهم بالتوسّع في فتح جامعات من منطلق الاستثمار في الشباب. حقل التربية مغاير للرياضة. ومع هذا، بعضٌ آخر يرى في ذلك استهدافاً لتفتيت الحراك الطلابي بتفكيك جامعة الخرطوم، باعتبارها معقل ذلك الحراك، وهو رافد حيوي في الحركة السياسية السودانية.
***
كوراساو جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي منفوضة خارج خاطر الجغرافيا السياسية. مساحتها 444 كلم مربعا، عدد سكانها 156 ألفاً إلا قليلاً. نظراً إلى فقرها، جعلها الهولنديون حظيرة لتربية الماشية ثم محطة على مسار تجارة الرقيق. كما اتخذها اليهود الهاربون من الاضطهاد في أوروبا ملاذاً. ثم تحوّلت محطةً للمناولة على خط سفن النفط بين فنزويلا وأميركا. ها هو منتخبها المشارك في المونديال ينفض عن وطنه غبار الإهمال عن عيون العالم. بالفعل، استطاع أحد عشر كوكبا إبهار العالم بما قدّموا من أداء في مواجهة دول يفصلهم عن جزيرتهم بون شاسع على خريطة الإمكانات الاقتصادية. كذلك فعل شباب جمهورية الرأس الأخضر. هي أيضًا دولة خارج عالم الجغرافيا السياسية. قوامها جزر بركانية وسط المحيط الأطلسي مساحتها نحو 4 آلاف كلم مربع يسكنها 440 ألفاً. أحالها البرتغاليون محطة على مسار تجارة العبيد، بها ازدهرت فاجتذبت تجّار الرقيق والقراصنة.
الثابت المثير قدرة هذه اللعبة على تفجير حماسة وفرح جماعيين كأنما تفتقد الشعوب مصادرهما
***
بين الرياضة والسياسة تداخل إيجابي وتشابك سلبي بين الأمم عبر التاريخ، فهي وسيلة لتعزيز العلاقات والسلم الدولي وأداة لتثبيت وترويج الهوية الوطنية أو ماكينة ضغط لتفجير الخلافات. فإبّان تصفيات مونديال 1970 تفجّرت بؤر التوتر بين السلفادور وهندوراس على نحو متوحّش دفع البلدين إلى حافّة حرب. في مونديال 1986 أحرز نجم الأرجنتين مارادونا هدفاً بيده في شباك إنكلترا أُطلق عليه "يد الله" على نطاق عالمي واسع باعتباره انتقاماً للأرجنتين من إنكلترا على حرب الفوكلاند. في مونديال 1982، تواطأت النمسا مع ألمانيا لاستبعاد الجزائر من الدورة. ذلك لم يكن تواطؤا كرويا بل تآمرا سياسيا عنصريا بغيضا. لمّا فاز العراق ببطولة كأس آسيا 2007 جرى الاحتفال بالفوز انتصارا للوحدة الوطنية على التشظي العراقي تحت تداعيات الغزو الأميركي. بالتنظيم الفريد لمونديال 2022 أثبتت قطر صدارة الرياضة بين أسلحة القوى الناعمة بديلا موازياً لترسانة القوى الصلبة. كرة الطاولة كتبت فتحاً زاهياً في الدبلوماسية، إذ شكّلت جسراً نشطت عليه العلاقات بين أميركا والصين على عتبة ستينيات القرن الفائت بعد عقدين من الانقطاع٠
***
ربما يستدعي الشغف الجماهيري العارم بكرة القدم دراسات عميقة من علماء الاجتماع. فكأنما هناك تنافس بين الجماهير يبلغ حد الهستيريا عند إحراز هدف. لا فارق بين ذلك في المدرّجات أو في الميادين العامة المخصّصة للمشاهدة الجماعية أو داخل المقاهي والحانات أو حتى داخل البيوت. الثابت المثير قدرة هذه اللعبة على تفجير حماسة وفرح جماعيين كأنما تفتقد الشعوب مصادرهما. ربما هي مساحة للتعبير عن أمنيات شعبية غائبة والتنفيس عن احتقانات ماثلة، فهناك في المقابل تحدث الخسارة داخل المستطيل حزناً عاماً يبلغ حد الغضب الجماهيري. قطاعات واسعة من الجماهير تصنّف خروج منتخباتها المبكر من التصفيات فضيحة. وتوصيفها يتراوح من كروية إلى وطنية. هذه الحالات الاستثنائية بين الفرح والغضب الجماعي ردّة فعل ليست عادية وتكاد تكون بلا شبيه. حتى في الأنظمة الشمولية تكتسب الهيئات الرياضية صبغة ديمقراطية جوهرية أو على نحو مشابه.