تحولت قضية آلاف العمال بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي مأساة إنسانية واجتماعية بالغة القسوة، وبمرور الوقت من ملف إداري ومالي إلى ملف أمني أثار حفيظة المنظمات الحقوقية والعمالية؛ لا سيما بعد استخدام القوة الأمنية والاحتجاز خارج إطار القانون لمواجهة احتجاجات عمالية سلمية نادت بأبسط مقومات الحياة: "الأجر مقابل العمل".
وبينما تطالبهم حكومة السيسي كما تطالب غيرهم، بانتظام سير المرفق العام وتطالب عمالها بالانضباط والالتزام اليومي، يواجه هؤلاء العمال معادلة مجحفة تمثلت في حرمانهم من أجورهم لسنوات متواصلة، على الرغم من صدور أحكام قضائية واجبة النفاذ وقرارات تعيين رسمية لصالحهم منذ عام 2021.
جذور الانتقام
أنصف القضاء العمال وأصدر أحكاماً نهائية باتة بأحقيتهم في التعيين على درجات وظيفية دائمة وفق الباب الأول للأجور بالموازنة العامة للدولة، وبالفعل، صدرت قرارات التعيين رسمياً في الرابع من نوفمبر 2021، وتم تسليم العمال مهام عملهم. إلا أن هذه الفرحة تحولت سريعاً إلى كابوس مستمر؛ حيث توقف صرف رواتبهم بالكامل منذ ذلك التاريخ وحتى منتصف عام 2026.
وبدأ كثير من العمال بوزارة الزراعة العمل في قطاعات حيوية مثل مشروع التغذية المدرسية، قطاع التشجير، والإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي منذ عام 2006، وبدأت رحلتهم بأجور رمزية زهيدة للغاية تراوحت بين 150 و950 جنيهًا شهريًا تحت مظلة العقود المؤقتة، ومع وعود حكومية متكررة بالتثبيت والتعيين الرسمي بعد مرور ثلاث سنوات، لم يجد العمال بداً من اللجوء إلى القضاء الإداري بعدما تبخرت تلك الوعود.
وجدت العائلات نفسها في مواجهة "متاهة بيروقراطية" تتقاذفها الجهات الحكومية؛ فوزارة الزراعة تلقي بالمسؤولية على الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، والأخير يحيل الملف إلى وزارة المالية التي تتذرع بعدم وجود مخصصات مالية أو بانتظار توقيع رئيس مجلس الوزراء، ليظل ما يقارب 3800 عامل وعاملة معلقين بين التزامهم بالحضور والمساءلة الإدارية يومياً، وبين عجزهم عن توفير لقمة العيش لأبنائهم.
أراء العمال المكتوين بنار الأزمة
وتتعدد الشهادات والآراء الواردة على لسان المتضررين لتعبر عن عمق المأساة المعيشية والنفسية التي يمرون بها، حيث تبرز ملامح العوز والظلم الإداري في تعليقاتهم المنشورة علناً:
ويعبر أحد العاملين بمرارة عن صعوبة الاستمرار في العمل والوفاء بالالتزامات الوظيفية والأسرية في ظل انقطاع الدخل المالي تماماً، مناشداً السلطات بعين الرأفة بالنظر إلى حال أسرهم وكتب حساب "طريق الأمل طريق الأمل":
"احنا ناس بتحب بلدنا ناس بنحب وطنا وبنحب رايسنا الأب عبد الفتاح السيسي هو أب لينا كلنا، موظفين وزارة الزراعة عايزين مرتبتنا الإفراج المالي شغالين بدون راتب شهري يا ريس حد يقدر يعيش بدون راتب شهري في ظل ظروف معيشه صعبه ومعانا أولاد في مدارس وجامعات ونركب مواصلات كل يوم ولينا إمضاء ولينا حضور وانصراف أرجو من سيادتكم بعين الرأفة تصرفوا راتبنا الإفراج المالي لموظفين وزاره الزراعة"
ويشير عامل آخر "نصر فرح" إلى حقيقة حيازتهم لأحكام قضائية نهائية لم تشفع لهم لدى الجهات التنفيذية التي ترفض تفعيل الأثر المالي لقرارات تعيينهم:
"نحن متعينين بحكم قضائي واجب النفاذ من خمسة سنوات بدون قبض لم ولن نتناول عن حقوقنا مهما طال الزمن"
يتساءل المتضررون عن كيفية تجاهل عشرين عاماً من العطاء المهني الفعلي داخل قطاعات الوزارة، منددين بعدم تفعيل أحكام التعيين الصادرة لصالحهم:
"حسبنا الله ونعم الوكيل لما نبقى شغالين ومر علينا أكتر من 20سنة شغل بوزارة الزراعة وحصلنا على أحكام قضائية بالتعيين ولم يتم التنفيذ حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل" كما كتب "حماده الشربيني".
ولا تقتصر المأساة على الحاصلين على أحكام تعيين معطلة الصرف فحسب، بل تمتد لتشمل فئات عمالية أخرى ما زالت تتقاضى فتاتاً لا يسمن ولا يغني من جوع:
"المشكلة مش في العاملين اللي معاهم احكام بالتعيين بس، المشكلة ان في عاملين كتير رفعوا قضايا وخسروها بقى لهم ١٦ سنة متعينوش وبيقبضوا ٤٠ و ٦٠ جنيها في الشهر في وزارة الزراعة"، كما قال مدت مشرقي "Medhat Meshriky".
ويتعجب البعض مثل عدولة " Aadola Yuossf" من قدرة هؤلاء العمال على الصمود والعيش طوال هذه السنوات العجاف دون مورد مالي يحفظ كرامتهم:
"لييييه ساكتين سنوات إزااااي عايشين؟"
ويرى قطاع من العمال أن الأزمة تكمن في غياب العدالة التوزيعية للموارد، مقارنين بين معاناتهم اليومية للحصول على الحد الأدنى من الأجور والإنفاق الضخم على المشاريع القومية الجديدة وكتبت "مروه شكري":
"تتسرق والمفروض تسكت وتأكل وتشرب هوا، وكمان تتدفع كهربا وميه ومواصلات بالحب، المهم العاصمة الجديدة والقصر والهوانم تلبس"
وعبّر ناشطون ومتابعون عن صدمتهم واستهجانهم الشديد لسياسة إلقاء القبض والاحتجاز كبديل عن تسوية الأوضاع المالية وصرف الأجور المستحقة قانوناً:
وكتب " صياد صقور"، "إزاي ناس بتطالب بحقوقهم بمنتهي السليمة ويتقبض عليهم دي حاجة غريبة"
وعلقت Eman RA : "هذا جزاء من يطالب بحقه حاجة تحزن وإنا لله وإنا اليه راجعون"
"الحل صعب لكن القبض على الناس حلال وعجبي"
الكاتب والناشط أحمد عبدالناصر عبر منشور له على فيسبوك أوضه الأبعاد الإنسانية للأزمة، مشيراً إلى أن العمال لم يطالبوا بامتيازات رفاهية بل بحق الحياة، ومندداً بالقبض على المحتجين بدلاً من الاستجابة لتوصيات البرلمان ونصوص القضاء:
"ناس طالعة تطالب بمستحقاتها تسجنوها؟! دا بالظبط اللي بيحصل مع آلاف الموظفين والعاملين الغلابة في وزارة الزراعة، وتحديداً عمال وعاملات مشروع التغذية المدرسية، والإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي، وقطاع التشجير، الناس دي ما خرجتش تطلب ميزات زيادة ولا رفاهية، دول خرجوا يطالبوا بأبسط حقوقهم الإنسانية بعد ما أفنوا سنين عمرهم في الخدمة، خمس سنين عمل بدون أجر… والناس دي ما قصرتش، بالعكس، دول معاهم أحكام قضائية نهائية ومحسومة من مجلس الدولة بتعيينهم وتثبيتهم على درجات وظيفية دائمة، بس التثبيت المالي والقبض فضل مجرد حبر على ورق، المأزق دا خلى الناس تتداين لطوب الأرض عشان بس تعرف تشتري لقمة العيش وتكفي مصاريف عيالها، وبدل ما الحكومة تنفذ أحكام القضاء العادلة، كان الرد الأمني هو القبض واحتجاز عدد من العمال والعاملات الشقيانين لمجرد إنهم وقفوا وقفة سلمية قدام الوزارة في الدقي، المطالبة بالأجر والتثبيت مش جريمة تستاهل الحبس، دا حق شرعي وقانوني وإنساني."
https://www.facebook.com/photo/?fbid=122143751865131169&set=a.122104781139131169
حساب "مصر هتفضل غالية عليا" نقلت تفاصيل المسيرات الحاشدة التي نظمتها المئات من موظفات وعاملات الوزارة اللواتي قطعن المسافات من مختلف المحافظات (مثل المنيا والفيوم) لرفع أصواتهن ومطالبة الجهات المعنية بالوفاء بالتزاماتها.
وقال: "نظمت المئات من موظفات وزارة الزراعة من محافظات مختلفة مسيرة، اليوم، انطلقت من أمام مقر الوزارة بحي الدقي في محافظة الجيزة، إلى الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي بجوار جامعة القاهرة، للمطالبة بصرف رواتبهن الموقوفة منذ خمس سنوات، تعمل الموظفات بعقود مؤقتة منذ سنوات طويلة، بأجور رمزية، وحصلن على أحكام قضائية بتعيينهن عام 2021، لكن منذ ذلك الحين امتنعت الوزارة عن دفع رواتبهن بحجج مختلفة، سبق أن نظمت الموظفات وقفة احتجاجية في 23 يونيو الماضي، بالمطالب نفسها، قبل إنهائها بوعد من قوات الأمن بعرض مطالبهن على رئيس مجلس الوزراء."
https://www.facebook.com/reel/1643982276662822
تبعات كارثية للتجاهل الحكومي
لم تعد الأزمة مجرد خلاف حول بنود الموازنة العامة للدولة، بل تطورت لتصبح مأساة إنسانية حية، رصدتها المنظمات العمالية والحقوقية ببالغ الأسى، فقد أدى السحق المعيشي واليأس المتراكم جراء تراكم الديون وعدم القدرة على توفير لقمة العيش للأبناء إلى حوادث فاجعة هزت الرأي العام العمالي.
أشارت التقارير الموثقة لـ دار الخدمات النقابية والعمالية إلى حالات انتحار وإيذاء بدني بليغ؛ حيث أقدم أحد العاملين من مركز أبشواي بمحافظة الفيوم على إلقاء نفسه من الطابق الخامس عشر تحت وطأة اليأس والفقر، كما حاولت عاملة أخرى في مدينة سنورس بالفيوم إشعال النيران في جسدها لنفس الأسباب.
وبدلاً من التعامل مع هذه الفواجع كإنذار أحمر يستوجب التدخل الفوري والإنقاذ الاجتماعي، واجهت الأجهزة التنفيذية هذه الحالات بمحاولات التشكيك في سلامتهم العقلية والنفسية للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والقانونية، بل امتد الأمر لشن حملات تشويه سياسي واتهامات معلبة بالانتماء لجماعات محظورة ضد كل عامل يرفع صوته مطالباً بحقه في الحياة والأجر.
ومن جانب آخر، تؤكد المؤسسات الحقوقية والعمالية، وعلى رأسها المفوضية المصرية للحقوق والحريات ودار الخدمات النقابية والعمالية، أن سياسة ترحيل الأزمات العمالية والاجتماعية إلى المربع الأمني لا تنتج حلاً، بل تعمق من اتساع الفجوة وتزعزع الاستقرار المجتمعي. إن القبض على العمال وتخويفهم قد يسهم في فض وقفة احتجاجية مؤقتاً، ولكنه لن يملأ بطون الأطفال الجائعين ولن يسدد ديون طوب الأرض التي تلاحق العمال.
لذا، تتلخص الرؤية المشتركة للخروج من هذا النفق المظلم في النقاط التالية:
إقرار الإفراج المالي الفوري والكامل والمباشرة الفورية بصرف المرتبات المتأخرة لكافة العاملين البالغ عددهم نحو 3800 عامل بوزارة الزراعة، وصرف الفروق المالية المستحقة لهم بأثر رجعي منذ قرارات تعيينهم عام 2021.
واحترام قدسية الأحكام القضائية: تفعيل نصوص الدستور المصري التي تؤكد على سيادة القانون، واعتبار الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة من مجلس الدولة جريمة تستوجب محاسبة المسؤولين عنها إدارياً وجنائياً.
والوقف النهائي لسياسة الاعتقال والاحتجاز التعسفي خارج القانون، وضمان عدم تعرض العاملين المفرج عنهم لأي إجراءات انتقامية مثل النقل التعسفي أو الفصل الإداري أو الضغط الأمني.
إلزام وزارتي المالية والزراعة، إلى جانب جهاز التنظيم والإدارة، بالجلوس على مائدة مفاوضات عاجلة مع ممثلين مستقلين يختارهم العمال أنفسهم لتسوية أوضاعهم الوظيفية والمالية تسوية تامة ونهائية تحفظ كرامتهم الإنسانية وحقهم الدستوري في أجر عادل لقاء عملهم الفعلي.