يمثل انتقال الحرب الإيرانية الأمريكية إلى الممرات البحرية الاستراتيجية، كمضيق هرمز ومضيق باب المندب، تهديدا كبيرا لمصر سواء عبر توقف الملاحة فى قناة السويس أو تراجع تحويلات العاملين المصريين فى دول الخليج خاصة السعودية وهو ما يعتبره الخبراء بمثابة «سيناريو الخراب المطلق» لدولة العسكر .
كانت جماعة الحوثي قد أعلنت فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية في مضيق باب المندب، وسبق ذلك بأيام طلب إيراني للحوثيين بالاستعداد لغلق المضيق حال تعرض طهران لهجمات.
يُشار إلى أن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة قد ينعكس على إيرادات القناة، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والواردات، بما يزيد الضغوط على الاقتصاد المصري.
تطورات التصعيد الأمريكى الإيرانى أثارت تساؤلات حول إمكانية تحول باب المندب إلى ساحة مواجهة مباشرة وانعكاس ذلك على مصر من الناحية الاقتصادية في حال تطورت الأحداث لتعطيل للملاحة بالمضيق.
خراب مُطلق
من جانبه وصف الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس غلق مضيق باب المندب بأنه يمثل سيناريو «الخراب المطلق» لدولة العسكر، موضحا أنه رغم صعوبة تحققه إلا أنه يجب وضعه في الاعتبار عند تقييم المخاطر المحتملة، سواء في حال توقف الملاحة بالكامل، نتيجة سيطرة الحوثيين عليه أو بسبب تعرض السفن لهجمات تجبر شركات الملاحة على وقف العبور .
وأكد أنيس فى تصريحات صحفية، أن هذا السيناريو ستكون تداعياته ضخمة لا تقتصر على مصر، وإنما تمتد إلى المنطقة بأكملها، والسعودية ستكون أولى الدول المتضررة، إذ تعتمد على تصدير ما لا يقل عن 7 ملايين برميل من النفط يوميًا عبر خط «شرق- غرب» إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثم عبر مضيق باب المندب، بعد تعطل المرور عبر مضيق هرمز.
وقال إن هذه الكميات تمثل عاملًا رئيسيًا في الحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية، خصوصًا وأن الـ7 ملايين برميل عامل رئيسي في استقرار أسعار النفط رغم ارتفاعها، وبدونهم ستتخطى أسعار النفط الـ120 دولارًا للبرميل .
وحذّر «أنيس» من أن تراجع صادرات النفط السعودية سيؤدي للتأثير سلبًا على مصر، فحدوث انخفاض كبير في إيرادات المملكة، سينعكس على اقتصادها في صورة اضطرابات اقتصادية وانكماش مالي، وتأثيره السلبي على مصر سيمتد إلى الـ7 ملايين مصري الذين يعملون داخل المملكة ويحولون جزءًا كبيرًا من دخولهم إلى مصر.
أسعار النفط
وأوضح أن التداعيات، تتمثل في القفزة الكبيرة المتوقعة في أسعار النفط، ووصوله لـ 120 دولارًا للبرميل، وبالتالي استهلاك ضخم للدولار، وعجز أكبر في الموازنة، وزيادة كبيرة في أعباء الدعم، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة زمنية أطول.
وأكد «أنيس»، أن التركيز على تأثير إغلاق مضيق باب المندب على إيرادات قناة السويس فقط يعد نظرة قاصرة، لأن التداعيات ستكون أوسع بكثير، قائلا : «الناس متخيلة إن التأثير هيكون على إيرادات قناة السويس بس، لكن لو وصلنا لسيناريو صفر ملاحة في مضيق باب المندب، فإيرادات قناة السويس هتبقى قريبة من الصفر، وبالتالي مصر هتخسر مليارات الدولارات».
وكشف أن الأزمة لن تتوقف عند خسائر القناة، وإنما ستمتد أيضًا إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لاسيَّما المشروعات التي تستهدف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمناطق المطلة عليها، مثل السخنة وبورسعيد، موضحًا أن هذه الاستثمارات جاءت في الأساس اعتمادًا على الموقع الجغرافي لمصر ووجودها على أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، بما يسهل استيراد مدخلات الإنتاج وتصدير المنتجات.
وشدد «أنيس» على أن الاقتصاد المصري لن يكون قادرًا على امتصاص صدمة بهذا الحجم إذا تحقق سيناريو الإغلاق الكامل، مؤكدا أن التهديدات الحالية لا تزال «قابلة للاحتواء»، لكن السيناريو غير القابل للاحتواء يتمثل في توقف الملاحة بالكامل عبر مضيق باب المندب.
مرحلة مفصلية
واستبعد أستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس توصل إيران والولايات المتحدة إلى تفاهمات فيما يخص مضيق هرمز؛ مؤكدا أن المضيق أصبح مرحلة مفصلية في الصراع الأمريكي الإيراني. كل طرف يرغب في تحقيق سيطرته الفعلية عليه؛ فالجانب الأمريكي يتحدث عن رغبته في فرض تعريفات على ناقلات النفط تمثل حوالي 20% مقابل الحماية والحراسة، بينما تعمل إيران على الحفاظ على نفوذها وتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى تفاهمات بين الجانبين محدودة.
وقال «فارس» فى تصريحات صحفية إن رقعة التصعيد بدأت تتسع لتمتد إلى مضيق باب المندب، باعتباره «الورقة الأخيرة»، التي كانت تُراهن عليها إيران لاستخدامها فى الوقت المناسب، في ظل التطورات الأخيرة باستئناف التواصل بين إيران والحوثيين، عقب وصول طائرتين من إيران وكسر الحصار الجوي المفروض على الحوثيين، ما أدى لعودة علاقات الحوثي والسعودية إلى النقطة صفر، ودفعت الجماعة لاتخاذ خطوات تصعيدية، من بينها إعلان فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، ما يعني أن هذا المسار سيؤدي بالمنطقة إلى نقطة اللاعودة .
وبشأن السيناريوهات المحتملة للتصعيد، أعرب عن اعتقاده أن إقدام الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب، ورد الولايات المتحدة على هذه الخطوة، قد يدفع المنطقة إلى مرحلة شديدة الخطورة، مشيرًا إلى أن الحوثيين سبق أن لوحوا باستهداف البنية التحتية داخل السعودية، وهو ما قد يفتح الباب أمام اتساع رقعة المواجهة، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إيران وبعض دول الخليج.
وأكد «فارس» أن تداعيات تلك السيناريوهات سيكون لها تأثير كبير على مصر، من الناحية الاقتصادية في حال تعطل الملاحة في باب المندب، نظرًا للارتباط المباشر بين المضيق وقناة السويس، وما قد يترتب على ذلك من تراجع في إيرادات القناة وانعكاسات على موارد النقد الأجنبي.
ورجّح أن يظل سيناريو إغلاق مضيق باب المندب مطروحًا بقوة إذا اتسعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن هذه الورقة تمثل أحد أبرز أدوات الضغط التي قد تلجأ إليها طهران في المرحلة المقبلة، إذا تصاعدت العمليات العسكرية ضدها.