188 مليون متر مربع .. قصور بن زايد ونفوذ إماراتي غير مسيوق على الساحل الشمالي

- ‎فيتقارير

تشير البيانات المجمعة إلى أن المساحات المرتبطة باستحواذات إماراتية في الساحل الشمالي تقترب من 188 مليون متر مربع، بينها نحو 170.8 مليون متر مربع في مشروع رأس الحكمة وحده، فضلًا عن مساحات أخرى موزعة على مشروعات إعمار وسوديك والقمزي وبالم هيلز وغيرها.

ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة ملكية الإمارات المباشرة لجميع تلك الأراضي، إذ تختلف الهياكل القانونية بين ملكية وتطوير وشراكات وحقوق انتفاع، لكن حجم الأراضي والأنشطة المرتبطة بشركات إماراتية يكشف عن تحول لافت في خريطة "الاستثمار" على الساحل.

 

رأس الحكمة

كانت نقطة التحول الأبرز في فبراير 2024، عندما أعلنت مصر والإمارات اتفاق تطوير منطقة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار. ويغطي المشروع مساحة تبلغ نحو 170.8 مليون متر مربع، وتولت شركة (مدن)  الإماراتية دور المطور الرئيسي للمشروع لصالح (إيه دي كيو) الإماراتية.

وبحسب المخطط المعلن، لا يجري التعامل مع رأس الحكمة باعتبارها منتجعًا سياحيًا تقليديًا، وإنما كمدينة متكاملة تضم 19 حيًا ومنطقة، مع توقعات بوصول عدد سكانها إلى نحو مليوني نسمة عند اكتمالها. كما تتوقع «مدن» استقطاب نحو 110 مليارات دولار من الاستثمارات التراكمية في المنطقة بحلول عام 2045.

والمشروع لا يقتصر على بناء وحدات سياحية وبيعها، وإنما يشمل إنشاء بنية تحتية ومطار وميناء لليخوت ومرافق للرحلات البحرية ومناطق صناعية، بما يمنح الجهة المطورة دورًا يتجاوز وظيفة المطور العقاري التقليدي إلى المشاركة في تشكيل مدينة ساحلية كاملة.

وشركة (مدن) مرتبطة بحكومة أبوظبي، بينما أصبحت (لِماد القابضة)، المملوكة بالكامل لحكومة أبوظبي، صاحبة الحصة الأكبر فيها بعد الاستحواذ على حصص «إيه دي كيو» و«آي إتش سي»، لتصل ملكيتها إلى نحو 84.76%. وبذلك يصبح مشروع رأس الحكمة مرتبطًا بصورة مباشرة بمنظومة استثمار حكومية إماراتية، وليس فقط برأس مال خاص يبحث عن عائد عقاري.

 

تجاوز الشاليه والفيلا

والأكثر دلالة في مشروع رأس الحكمة هو امتداده إلى البنية التحتية الاستراتيجية. فقد وقعت «مدن» اتفاق تعاون مع مجموعة مطارات أبوظبي للمشاركة في التخطيط الاستراتيجي للمطار وتطويره وتشغيله، بينما تشير صور الأقمار الصناعية الواردة في التقرير إلى تقدم أعمال إنشاء المطار، الذي يتضمن مدرجًا يبلغ طوله نحو 3.9 كيلومتر.

ويُضاف إلى المطار ميناء دولي لليخوت ومرسى للرحلات البحرية، بما يجعل رأس الحكمة مرتبطة بشبكة نقل جوي وبحري تستهدف تحويل المنطقة إلى وجهة دولية لا تعتمد فقط على السياحة الداخلية المصرية.

 

وفي مارس 2025، أعلنت «مدن» تعاونها مع شركة السويدي للتنمية الصناعية لتطوير منطقة صناعية داخل رأس الحكمة بمساحة تبلغ نحو 10 ملايين متر مربع. وهكذا تتشكل تدريجيًا منظومة تجمع السكن والسياحة والنقل والصناعة والخدمات، وهي عناصر تجعل المشروع أقرب إلى مركز اقتصادي ساحلي متكامل منه إلى قرية سياحية موسمية.
https://x.com/anesmansory/status/2091378707089019044

 

 

بداية التمدد الإماراتي

لكن النفوذ الإماراتي على الساحل الشمالي لم يبدأ مع رأس الحكمة. فمنذ سنوات سبقت الصفقة، رسخت شركة «إعمار مصر»، المرتبطة برجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، حضورًا واسعًا من خلال مشروع «مراسي» في سيدي عبد الرحمن.

ويمتد «مراسي» على نحو 1,544 فدان، أي ما يقارب 6.5 مليون متر مربع، ويضم أحياء سكنية وفنادق ووحدات سياحية ومرافق ترفيهية. وبمرور الوقت تحول المشروع إلى واحدة من أبرز العلامات العقارية في الساحل الشمالي، وأصبح نموذجًا للمنتجعات الفاخرة التي تستهدف الشرائح الأعلى دخلًا.

ثم توسعت «إعمار مصر» بمشروع «سول»، الذي يقع على مسافة تقارب 30 كيلومترًا من مراسي، وتبلغ مساحته المعلنة نحو 700 فدان، بما يعادل قرابة 2.94 مليون متر مربع. ويكشف التوسع من مشروع إلى آخر عن استراتيجية لا تعتمد على منتجع واحد، وإنما على بناء محفظة متصلة من المشروعات الساحلية ذات القيمة المرتفعة.

 

 

«مراسي».. ساحة نزاع

غير أن قصة «مراسي» لا تخلو من جانب آخر يتعلق بحقوق الملاك وطبيعة إدارة المنتجعات الفاخرة. فقد شهد المشروع نزاعًا قضائيًا أقامه 22 من ملاك الوحدات، بحسب تقرير منقول عن «صحيح مصر»، على خلفية اتهامات تتعلق بتغيير أجزاء من المخطط الأصلي للمشروع، وإعادة تخصيص مساحات ومرافق، وفرض قيود على دخول الزوار واستخدام الشواطئ.

وتضمنت الدعوى مطالب بإعادة بعض المرافق إلى وضعها السابق وتعويضات تصل إلى 100 مليون جنيه، إلى جانب اعتراضات على ما وصفه المدعون بتراجع المساحات الشاطئية المتاحة للملاك مقابل توسع استخدام الفنادق لها. كما تضمنت الادعاءات اعتراضات بيئية مرتبطة بأعمال ردم وتطوير على أجزاء من الشاطئ.

وتظل هذه اتهامات محل نزاع قضائي وليست أحكامًا نهائية تثبت صحتها. وتشير المعلومات الواردة إلى أن المحكمة قررت ندب خبراء لإجراء معاينة ميدانية وفحص مدى صحة المطالب، بينما لم تكن إجراءات الخبرة قد اكتملت وفق المصدر المذكور.

وتكتسب القضية أهمية تتجاوز الخلاف بين شركة وملاك؛ لأنها تطرح سؤالًا أوسع حول حدود سلطة المطور في إعادة تشكيل المشروعات الساحلية بعد بيع الوحدات، وحول مدى قدرة المالك الفرد على حماية الحقوق التي بُني عليها قراره بالشراء في مواجهة شركات تمتلك إمكانات مالية وإدارية ضخمة.

 

توسع (سوديك)

في ديسمبر2021، انتقل الحضور الإماراتي إلى لاعب عقاري مصري آخر عندما استحوذ تحالف بقيادة «الدار العقارية» و«أبوظبي القابضة» على نحو 85.52% من شركة «سوديك».

وبعد الاستحواذ، توسعت الشركة في الساحل الشمالي من خلال ثلاثة مشروعات تبلغ مساحتها الإجمالية نحو ألف فدان، أي ما يزيد على 4.2 مليون متر مربع. وبذلك لم يعد الاستثمار الإماراتي مقتصرًا على شركات تأسست أصلًا برأس مال إماراتي، وإنما أصبح حاضرًا كذلك من خلال الاستحواذ على شركات مصرية قائمة وإعادة ضخ الاستثمارات عبرها.

هذه النقطة مهمة لفهم طبيعة التحول؛ فشراء حصص مسيطرة في شركات عقارية مصرية يمنح المستثمر الإماراتي قدرة على التأثير في محفظة واسعة من الأراضي والمشروعات، بدلًا من الاكتفاء بتطوير قطعة أرض واحدة من الصفر.

https://x.com/matsda2sh/status/2069354840438743395
 

 

القمزي وبالم هيلز

ويمتد الحضور الإماراتي كذلك إلى مجموعة القمزي المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي عبد الله القمزي، التي تنفذ مشروع «سيزن» في الساحل الشمالي بالشراكة مع طرف مصري. ويمتد المشروع على نحو 204 أفدنة، أي قرابة 857 ألف متر مربع، بواجهة بحرية تتراوح بين 660 و690 مترًا.

وفي 2026 ظهر اسم إماراتي آخر في السوق العقارية المصرية عبر «ميرن هيلز» للتطوير العقاري، التي دخلت في شراكة مع «بالم هيلز للتعمير» لإطلاق مشروع «هاسيندا رأس الحكمة» على مساحة تقارب 1,400 فدان، وفق المعلومات الواردة في المادة.

وبذلك تتوزع الاستثمارات الإماراتية بين التطوير المباشر، والاستحواذ على شركات قائمة، والشراكات مع مطورين مصريين كبار، وهي نماذج مختلفة تصب في اتجاه واحد: زيادة الحضور الإماراتي في واحدة من أكثر المناطق العقارية قيمة في مصر.

 

قصور محمد بن زايد
 

وضمن الوجه الأقل إعلانًا للحضور الإماراتي، لا يقتصر الحضور الإماراتي في الساحل، وفق المعلومات الواردة في التحقيق، على النشاط التجاري. فقد أشار التقرير إلى مشروع يُعرف باسم «مجمع العلمين إم زد الشاطئي»، ووُصف بأنه مجمع رئاسي خاص للرئيس الإماراتي محمد بن زايد، يضم قصرًا وثلاث فلل رئاسية وبيت ضيافة وناديًا ومبانٍ خدمية ومهبطًا للمروحيات.

كما تضمن التقرير صورًا وبيانات تشير إلى إقامة المشروع على مساحة تقارب 18,200 متر مربع، مع الإشارة إلى عام 2023 بوصفه موعدًا لتسليم المشروع، وأن «إعمار مصر» شاركت في تطويره، فيما شاركت «حسن علام للإنشاءات» في التنفيذ.

وتحتاج مثل هذه المعلومات إلى تدقيق مستقل في الوثائق الرسمية وملكية الأرض وطبيعة المشروع قبل التعامل معها كحقائق نهائية. لكن حتى بوصفها مؤشرًا، فإن وجود منشآت رئاسية إماراتية خاصة في المنطقة يضيف بعدًا سياسيًا ورمزيًا إلى الحضور الاقتصادي المتنامي.

 

إعمار وجبهة في سيدي عبد الرحمن

وفي الوقت الذي تواصل فيه «إعمار مصر» استثمار نجاح «مراسي» و«سول»، تتداول أوساط السوق معلومات عن مشروع ساحلي جديد في منطقة سيدي عبد الرحمن على شاطئ «الهنا»، بمساحة تقترب من 300 فدان.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المشروع قد يحمل اسم «مراسي ويست» أو «سول إيست»، مع التأكيد على أن «إعمار مصر» لم تعلن رسميًا الاسم النهائي أو المخطط العام أو حجم الاستثمارات أو عدد الوحدات أو الأسعار أو موعد الطرح.

وتكتسب الأرض أهمية بسبب موقعها وإطلالتها على خليج طبيعي، وهو ما قد يسمح بتطوير مشروع يعتمد بصورة أكبر على الفيلات والإطلالات البحرية. وإذا تأكد المشروع رسميًا، فسيكون إضافة جديدة إلى توسع «إعمار» في المنطقة، لكنه يظل حتى الآن في نطاق المعلومات المتداولة التي تحتاج إلى إعلان رسمي للتحقق منها.

وبحسب مراقبين لا تكمن المشكلة في جنسية المستثمر وحدها، وإنما في شروط التعاقد، وشفافية تخصيص الأراضي، وحجم العائد الذي تحصل عليه الخزانة العامة، وضمان حقوق الملاك، وحماية الشواطئ والبيئة، وحدود النفوذ الذي تمنحه الدولة للمطورين في إدارة مناطق واسعة من الساحل.

وتمثل رأس الحكمة، أكثر من أي مشروع آخر، خلاصة هذا التحول. فمساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع، واستثمارات أولية معلنة بعشرات المليارات، ومطار دولي وميناء لليخوت ومنطقة صناعية ومدينة تستهدف ملايين السكان، كلها عناصر تشير إلى مشروع ذي تأثير يتجاوز القطاع العقاري.

وإذا أضيفت إلى ذلك مشروعات «مراسي» و«سول» ومشروعات «سوديك» و«سيزن» و«هاسيندا رأس الحكمة» وغيرها، فإن الخريطة تكشف عن انتشار إماراتي متعدد الأدوات داخل الساحل الشمالي المصري.

وبينما تصفه الحكومتان المصرية والإماراتية بأنه شراكة استثمارية وتنموية، فإن منتقديه يرونه نموذجًا آخر لإعادة توزيع السيطرة الاقتصادية على الأصول المصرية، خصوصًا في المناطق الساحلية ذات القيمة الاستراتيجية والسياحية المرتفعة.

والحقيقة النهائية في هذا الجدل لا تحسمها الشعارات، وإنما تكشفها العقود، وشروط التخصيص، وحقوق الدولة والمواطنين، وما ستؤول إليه هذه الأصول على المدى الطويل.