أعلن مجلس إدارة شركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير، قبل أيام قليلة، موافقته على عرض تقدمت به شركة الصافي للتطوير العقاري لتطوير عشرات الأفدنة داخل المدينة بهدف إقامة مشروع سكني وخدمي متكامل.
جاء الإفصاح الرسمي للبورصة المصرية مقتضباً للغاية، وأوضح أن المشروع يتعلق بتطوير مساحة تبلغ 104 أفدنة في الشطر الرابع عشر من زهراء المعادي، بقيمة تعاقدية تتجاوز 82 مليار جنيه. وتبلغ حصة شركة زهراء المعادي، التي تُعد الحكومة المساهم الرئيسي فيها بما يقرب من نصف رأس المال، نحو 37% من القيمة التعاقدية، أي ما يعادل حوالي 30.4 مليار جنيه، مع حد أدنى مضمون قدره 22 مليار جنيه يتم تحصيله على مدى تسع سنوات، بينما تحصل شركة الصافي على الباقي في منطقة شديدة الحيوية قرب طريق القطامية-العين السخنة والطريق الدائري.
يثير هذا التعاقد تساؤلات جوهرية حول مصلحة الشركة الحكومية في الدخول في شراكة مع جهة لا يزال تاريخها في القطاع العقاري حديث العهد نسبياً، فالصفقة تأتي في ظل ظروف صعبة يمر بها القطاع العقاري ككل، ويبدو أن الشروط التي حصلت عليها مجموعة الصافي تجعل الفرصة أكثر جاذبية مقارنة بمنافسين آخرين في السوق.
صعود سريع تزامن مع علاقة النسب
مالك مجموعة الصافي هو نسيب عائلة المنقلب عبد الفتاح السيسي، وتحديداً والد زوج ابنة شقيقه "المستشار" أحمد السيسي. بدأت مرحلة الثراء السريع منذ أغسطس 2018، بالتزامن مع زواج نجله محمد الصافي من مريم حفيدة "آل السيسي"، بعد عام واحد فقط من هذه المصاهرة، عُين صافي وهبة رئيساً للجانب المصري في مجلس الأعمال المصري الكويتي بقرار من وزير الصناعة. وقبل ذلك بأسابيع قليلة تعاقدت وزارة التربية والتعليم معه لتوريد حصري لصفقة التابلت المدرسي، بتكلفة بلغت نحو نصف مليار دولار وفقاً لتصريحات الوزير الأسبق، وهي الصفقة التي لم تُسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.
في عام 2020 تولى وهبة رئاسة مجلس إدارة شركة النيل لحلج الأقطان، وهي شركة حكومية كانت قد خضعت لخصخصة قبل الثورة ثم صدر حكم قضائي ببطلانها. استحوذ على كامل الشركة تقريباً عبر عرض شراء إجباري للأسهم في البورصة بسعر 50 جنيهاً للسهم، وهو نصف القيمة التي كانت مطروحة في مفاوضات سابقة لحل أزمة الخصخصة قبل أربع سنوات.
بعد عامين، دخل في شراكة مع إبراهيم العرجاني ومجموعة الغانم الكويتية، التي كانت الوكيل الحصري لسيارات بي إم دبليو في مصر، لإعادة افتتاح مصنع تجميع السيارات بعد توقف دام خمس سنوات. وأسس الطرفان معاً شركة تطوير عقاري باسم «ذا آرك»، انطلقت في مشروعات بالعاصمة الإدارية الجديدة بتكاليف تصل إلى 30 مليار جنيه. وفي 2023 استحوذ على 53% من الشركة العربية للفنادق المالكة لفندق هيلتون، في صفقة بلغت قيمتها حوالي 4 مليارات جنيه، بعد تخارج صناديق ثروة خليجية وعربية.
من الأجهزة الإلكترونية إلى العقارات والهواتف الذكية
بدأت مجموعة الصافي في الثمانينيات كشركة لتجارة وتوزيع الأجهزة الإلكترونية والاتصالات، ثم توسعت تدريجياً خلال السنوات الأخيرة إلى قطاعات جديدة. في سوق الهواتف المحمولة حصلت على حقوق توزيع سامسونج وتسويق شاومي، ثم توسعت في السيطرة على مبيعات الآيفون.
وكشفت منصة «صحيح مصر» أن شركة «سويتش بلس» المملوكة لصافي وهبة تستعد لإدارة فروع شركة «إيه بي إم»، الموزع المعتمد لمنتجات آبل في مصر والخليج والعراق، على أن يُفتتح أول مركز توزيع لها في الشيخ زايد بنهاية أكتوبر. وكان جهاز حماية المنافسة قد اتهم «إيه بي إم» عام 2018 بممارسات تحد من المنافسة وترفع أسعار منتجات آبل عبر منع الاستيراد المستقل وقصر التوزيع على شركات محددة من بينها «سويتش بلس».
على صعيد العقارات، أعلنت شركة سوديك في يوليو 2023 اتفاقاً مع مجموعة الصافي لتطوير نحو 440 فداناً في الساحل الشمالي، بمبيعات تعاقدية متوقعة تصل إلى 80 مليار جنيه خلال 11 سنة. كما تمتلك المجموعة وتطور قطعاً من الأراضي ومشروعات سياحية في منطقة الجلالة والساحل الشمالي بالتعاون مع مستثمرين محليين وعرب.
أسئلة مفتوحة حول تضارب المصالح
يصف مراقبون الصفقة الأخيرة مع زهراء المعادي بأنها حالة كلاسيكية من تضارب المصالح. فشركة حكومية كبيرة تمنح عقد تطوير أو شراكة لمطور خبرته محدودة نسبياً في القطاع العقاري، في وقت تحاول فيه الحكومة نفسها معالجة مشكلات القطاع. الحصول المتكرر على عقود حكومية كبيرة ساهم في تضخم حجم أعمال المجموعة خلال السنوات الأخيرة وفتح أبواب الربح في قطاعات جديدة.
المنفعة الاقتصادية لمجموعة الصافي في صفقة زهراء المعادي واضحة: الدخول في مشروع بتعاقدات متوقعة تتجاوز 82 مليار جنيه والحصول على الحصة المتبقية بعد نصيب الشركة الحكومية، مع تحمل التكاليف والالتزامات التي يحددها العقد، وهو العقد الذي لم يُنشر حتى الآن. وتمتلك الحكومة عبر شركاتها المملوكة للشعب نحو 47% من شركة زهراء المعادي المدرجة في البورصة.
تظل الأسئلة الأساسية قائمة: لماذا اختيرت شركة الصافي للتطوير العقاري تحديداً؟ وما تقييم الأرض الذي بُنيت عليه نسبة المشاركة؟ وهل وُجدت عروض منافسة كانت تحقق عائداً أفضل للشركة الحكومية؟ وما ضمانات تحصيل مستحقات زهراء المعادي على مدى التسع سنوات؟ هذه المعلومات هي التي تسمح بالحكم على ما إذا كانت الشراكة تحقق مقابلاً عادلاً لصاحب الأرض، أم أنها تمثل نموذجاً جديداً لرأسمالية المحاسيب يعتمد على القرابة من دوائر السلطة.