"أنا مبحبش الواسطة والمحسوبية"، هكذا قال المنقلب عبد الفتاح السيسي في أول حوار تلفزيوني له عام 2014، بينما كان يتحدث عن أبنائه، : "إن محمود يعمل في المخابرات العامة، ومصطفى في الرقابة الإدارية، وإن نجله حسن تقدم مرتين للعمل بوزارة الخارجية ولم يتدخل له، و(اكتشف لاحقا أنه يعمل في المخابرات).
لكن السنوات التالية شهدت وقائع أخرى تخص الدائرة العائلية نفسها؛ إذ عُينت داليا محمود حجازي، زوجة نجله حسن وابنة الفريق محمود حجازي، في النيابة الإدارية عام 2016، كما عُينت هاجر أحمد سعيد خليل السيسي، ابنة شقيق المنقلب، في النيابة الإدارية عام 2014.
ومن هنا نشأ سؤال أوسع حول الحدود الفاصلة بين التعيين وفق القواعد المجردة وبين شبكة المصاهرات والروابط العائلية الخاصة به التي تمتد بين "الرئاسة" والجيش والأجهزة الأمنية والهيئات القضائية.
https://www.elbalad.news/935166?utm_source=chatgpt.com#goog_rewarded
في 16 سبتمبر 2026 أصدرت رئيسة هيئة النيابة الإدارية، المستشارة هدى أحمد عيسى، (المعينة في يوليو الماضي) القرار رقم 394 لسنة 2026 بشأن الحركة القضائية للهيئة، بعد موافقة المجلس الأعلى للنيابة الإدارية في جلسته السابقة، وتقول الرواية الرسمية: "إن الحركة جاءت لإعادة تنظيم العمل داخل الهيئة، واستندت إلى القوانين والقرارات والتعليمات القضائية المنظمة".
لكن منصة «متصدقش» @matsda2sh قدمت قراءة مختلفة للحركة، وقالت: "إن لديها مستندات ومذكرة لضوابط التفتيش القضائي ترى أنها تكشف حالات مخالفة لتلك الضوابط، من بينها إسناد العمل في بعض المكاتب الفنية وفروع الدعوى التأديبية إلى درجات وظيفية أدنى مما تنص عليه المذكرة، إلى جانب حالات لتولي مديرين نيابات العمل في دوائر إقامتهم، وحالات قرابة داخل موقع عمل واحد".
وهنا ينتقل الخلاف من سؤال «من نُقل؟» إلى سؤال أكبر: هل القواعد المنظمة للحركة قواعد مجردة تطبق على الجميع بالطريقة نفسها، أم أن الواقع المؤسسي يسمح بمساحات واسعة للاستثناء والعلاقات والتقدير الشخصي؟
ولا تبدو أزمة النيابة الإدارية في سبتمبر 2026 مجرد خلاف عابر حول حركة تنقلات أو توزيع اختصاصات. فالمواد المتداولة خلال السنوات الماضية تضع الحركة الأخيرة داخل سياق أوسع يتعلق بكيفية الدخول إلى المؤسسات القضائية، ثم توزيع المواقع داخلها، ثم تأثير شبكات القرابة والعلاقات المهنية في صناعة هذا المشهد.
قواعد مهمشة بمواجهة شبكة علاقات (واسطة)
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن المرفق الذي جرى تداوله لا يتحدث فقط عن أسماء بعينها، وإنما عن بنية اتخاذ القرار.
فبحسب التقرير المنسوب إلى «متصدقش»، تنص مذكرة التفتيش القضائي على قصر العمل بالمكاتب الفنية وفروع الدعوى التأديبية على درجة نائب رئيس الهيئة، بينما رصد التقرير نقل أو ندب عدد من الوكلاء العموم الأول إلى تلك المواقع.
كما أشار التقرير إلى ضابط آخر يتعلق بمديري النيابات، ومفاده ألا يكون مدير النيابة من أبناء المركز أو المدينة التي تقع فيها النيابة محل إقامته. وتقول المنصة إن الحركة تضمنت، رغم ذلك، حالات لمديرين يعملون في دوائر إقامتهم.
هذه الوقائع، إذا صحت المستندات التي تستند إليها المنصة، لا تعني تلقائيًا وجود فساد أو محاباة؛ لكنها تفتح سؤالًا مؤسسيًا أكثر تحديدًا: ما حدود الاستثناء من القاعدة؟ ومن يملك تفسيره؟ وهل توجد معايير مكتوبة وشفافة يمكن للجميع الرجوع إليها؟
وتزداد المسألة حساسية عندما تدخل القرابة المباشرة إلى الصورة. فقد تحدث التقرير عن وجود ابنة تعمل تحت رئاسة والدها، وعن نقل أو ندب شقيقتين إلى فرع واحد، باعتبار أن مثل هذه الترتيبات قد تثير أسئلة حول تضارب المصالح واستقلال القرار.
الوزير في المنتصف.. والحركة التي لم تُغلق بعد
في هذه النقطة يظهر دور وزير العدل المستشار محمود حلمي الشريف بوصفه طرفًا مؤسسيًا في المشهد، لا بوصفه طرفًا في النزاع، فالتغطية المنشورة في 16 سبتمبر تؤكد صدور حركة النيابة الإدارية بقرار من رئيستها وبعد موافقة المجلس الأعلى للهيئة.
أما «متصدقش» فتقول: "إن وزير العدل لم يوقع على الحركة في صورتها محل الاعتراض، وإنه طلب فحصها من المكتب الفني".
وبالتوازي، تؤكد الأخبار الرسمية أن العلاقة بين وزارة العدل ورئاسة النيابة الإدارية كانت خلال صيف 2026 علاقة تنسيق مؤسسي معلنة؛ إذ استقبل الوزير هدى عيسى عقب توليها رئاسة الهيئة، بحضور أعضاء المجلس الأعلى للنيابة الإدارية وقيادات الوزارة، وبذلك تصبح الحركة الجديدة اختبارًا عمليًا للفارق بين سلطة إصدار القرار داخل الهيئة، ودور وزارة العدل في مراجعة الإطار المؤسسي والقانوني للحركة.
الحلقة الأضعف
إذا كانت حركة سبتمبر تتعلق بمن يشغل المواقع داخل المؤسسة، فإن الجدل الأقدم حول التعيينات يتعلق بمن يدخل المؤسسة من الأساس.
وهذه ليست قضية ظهرت في 2026 فقط. ففي سبتمبر 2014 نشرت "الشروق" الموالية للانقلاب؛ تقريرًا عن دفعة تعيينات في النيابة الإدارية أثارت جدلًا واسعًا بين خريجي الحقوق، ووصفها منتقدون آنذاك بأنها دفعة "أولاد الكبار" أو "التعيينات العائلية"، وكان من بين الأسماء التي أثارت الجدل هاجر أحمد سعيد خليل السيسي، ابنة المستشار أحمد سعيد خليل السيسي، شقيق المنقلب عبد الفتاح السيسي.
لكن الرواية المقابلة التي نقلتها "الشروق" عن مصدر قضائي في النيابة الإدارية قالت: "إن المقبولين كانوا من المتفوقين، وإن معيار القبول كان حصول المتقدم على أكثر من 76%، وإن والد هاجر كان نائبًا لرئيس محكمة النقض، كما نفى المصدر أن تكون هناك حاجة إلى وساطة في حالتها.؟".
وتكشف هذه الواقعة القديمة عن جوهر المشكلة التي ظلت تتكرر في النقاش العام: ليس السؤال فقط هل يوجد قريب لمسؤول داخل المؤسسة، وإنما هل طبقت عليه القاعدة نفسها التي طبقت على غيره؟
شقيق السيسي داخل المنظومة القضائية
الاسم الآخر الذي يظهر في الخلفية هو المستشار أحمد سعيد خليل السيسي، شقيق عبد الفتاح الشهير ب"المكسيسكي" وفق الرئيس الأمريكي السابق بايدن.
وهنا يجب الفصل بين الوقائع المثبتة وبين التحليلات السياسية التي ظهرت حولها. فقد تناولت تقارير صحفية دور أحمد السيسي داخل المنظومة القضائية، وذكرت أنه شغل مواقع قضائية مؤثرة، بينما ذهبت تقارير أخرى إلى تفسير ذلك باعتباره جزءًا من اتساع نفوذ دوائر معينة داخل القضاء، هذه الأخيرة تحليلات منسوبة إلى مصادر وتقارير صحفية وليست حقائق قضائية مثبتة بذاتها.
أما الواقعة الأكثر تحديدًا فهي أن ابن شقيق المكسيسكي، عبد الرحمن أحمد سعيد حسين السيسي، عُين ضمن دفعة النيابة العامة لعام 2015، ثم أُسند إليه العمل في نيابة أمن الدولة العليا في حركة داخلية عام 2019، بحسب تقارير صحفية آنذاك.
وهنا تظهر نقطة مهمة في قراءة الشبكة: العلاقة العائلية ليست في حد ذاتها دليلًا على مخالفة قانونية، لكنها تصبح موضوعًا مشروعًا للبحث الصحفي عندما تتقاطع مع قرارات التعيين أو الترقية أو الإسناد إلى مواقع حساسة.
تقرير 2014 نفسه كان أكثر اتساعًا من حالة واحدة، فقد أورد أسماء عدد كبير من أبناء وشقيقات قضاة ومسؤولين عُينوا في الدفعة نفسها، من بينهم أبناء أو أقارب مسؤولين وقضاة معروفين، مع رواية رسمية مقابلة تؤكد أن معيار الاختيار كان التفوق، وأن أبناء بعض القضاة أنفسهم جرى استبعادهم عندما لم يستوفوا الشروط العلمية.
وهذه النقطة مهمة لأنها تمنع اختزال القضية في "تعيين ابن مسؤول" والمشكلة البحثية الحقيقية هي نسبة أبناء العائلات القضائية إلى إجمالي المعينين، مقارنة بدرجاتهم ومراكزهم الجامعية، ثم مقارنة ذلك بغير المنتمين إلى هذه الشبكات، مع معرفة معايير الاستبعاد والقبول لكل فئة.
من دون هذه البيانات، يصبح من الصعب الانتقال من الانطباع بوجود شبكة علاقات إلى إثبات وجود نظام تفضيل مؤسسي.
يناير 2026.. عودة سؤال التعيينات
عاد ملف التعيينات إلى الواجهة في 2026 مع قرارات جمهورية تخص التعيين في النيابة الإدارية. ونشرت وسائل إعلام في يناير 2026 نص القرار الجمهوري رقم 51 لسنة 2026 الخاص بالمعينين في الهيئة.
وفي سبتمبر 2026، نقلت "تليجراف مصر" عن مصادر قضائية أن النيابة الإدارية انتهت من إجراءات تظلمات تخص دفعات سابقة لوظيفة معاون نيابة، وأن 99 مرشحًا أُدرجوا بعد استيفاء الشروط والضوابط والتحريات من أصل 124 مرشحًا.
وهذا التفصيل يكشف أن "التحرياتط نفسها أصبحت جزءًا من مسار التعيين، وهو ما يعيدنا إلى السؤال القديم: ما هي المعايير التي يمكن قياسها موضوعيًا، وما هي المعايير التي تبقى داخل نطاق التقدير أو التحريات غير القابلة للفحص العلني؟
ثم تأتي حركة سبتمبر حيث تحولت المسألة من "من يدخل؟" إلى "من يتحرك وأين؟" لتبرز قيمة مذكرة التفتيش القضائي التي تحدثت عنها «متصدقش»، فإذا كانت المذكرة بالفعل تتضمن درجات وظيفية محددة للمكاتب الفنية وفروع الدعوى التأديبية، وقواعد بشأن مديري النيابات والقرابة، فإن مقارنة النص بالحركة الفعلية تصبح أداة أكثر دقة من الحديث العام عن المحسوبية.
بمعنى آخر، أفضل مدخل للتحقيق ليس سؤال: من المستفيد؟ وإنما سؤال: ما القاعدة؟ ومن استُثني منها؟ ولماذا؟ وهل توجد موافقة أو سند قانوني للاستثناء؟
الحوادث الغامضة
في هذا السياق ظهرت واقعة مختلفة تمامًا: وفاة المستشار محمد مسعد الفخراني، نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، في 2 يوليو 2026 إثر انقلاب سيارة على محور 26 يوليو. وقالت التغطية المنشورة يوم الحادث إن الفحص الأولي أشار إلى اختلال عجلة القيادة، ما أدى إلى انقلاب السيارة ووفاته.
وبعد نحو شهرين ونصف، توفي والده المستشار مسعد عبد المقصود الفخراني، الرئيس الأسبق لهيئة قضايا الدولة، في 21 سبتمبر 2026. وأعلنت النيابة الإدارية نعيه، كما شُيع جثمانه بحضور عدد من القضاة وأعضاء هيئة قضايا الدولة.
التقارب الزمني بين الوفاتين هو الذي دفع بعض الحسابات والمنصات، ومنها @egy_technocrats، إلى طرح سؤال عما إذا كان الأمر مجرد مصادفة أم أن هناك ما يستدعي مزيدًا من البحث.
لكن حتى الآن، لا توفر المصادر التي جرى التحقق منها دليلًا منشورًا يثبت وجود شبهة جنائية في أي من الوفاتين. لذلك فإن وصفهما بأنهما «تصفية حسابات» أو جزء من «حرب تكسير عظام» يظل فرضية غير مثبتة، وليس نتيجة يمكن نسبتها إلى الوقائع المتاحة.
الملفات متصلة؟
لأنها تتحرك حول سؤال واحد، وإن اختلفت الوقائع: من يملك مفاتيح الدخول إلى المؤسسة، ومن يملك مفاتيح الحركة داخلها، ومن يملك القدرة على التأثير في قواعدها؟ والتعيينات تجيب عن السؤال الأول والحركات القضائية والندب والترقيات تجيب عن الثاني، والقرابة والعلاقات العائلية تطرح السؤال الثالث.
أما الحوادث والوفيات، فإنها تصبح في ذهن الجمهور جزءًا من الصورة عندما تحدث داخل البيئة نفسها أو بالقرب من شخصيات ذات مواقع مؤثرة، حتى لو لم يظهر إلى الآن وجود علاقة بينها وبين صراعات المؤسسة التي باتت واقعا.