عبد الرحمن القزاز.. 10 سنوات خلف القضبان بدأت بخطوبة وانتهت بفقدان الأب والأم

- ‎فيحريات

اعتُقل في الرابعة والعشرين من عمره، وأسرته تقول إنه حصل على قرارات إخلاء سبيل وبراءات دون أن يغادر السجن، في أكتوبر المقبل لا نوفمبر يكمل عبد الرحمن القزاز عامه العاشر خلف القضبان.

كان في الرابعة والعشرين من عمره عندما اعتُقل في نوفمبر 2016، وكان وقتها ضابطًا بحريًا وخريج الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، بحسب رواية أسرته، التي تقول إنه كان أمامه مستقبل مهني واعد قبل أن تتغير حياته بالكامل منذ لحظة دخوله السجن. اليوم، يبلغ عبد الرحمن 34 عامًا، ولا يزال داخل السجن.

تقول أسرته إن السنوات العشر لم تمر عليه وحده، بل مرت على عائلته أيضًا، فأبوه وأمه اللذان كانا على قيد الحياة لحظة اعتقاله، رحلا خلال فترة سجنه، دون أن يتحقق أملهما في رؤيته خارج القضبان، أما خطيبته، فتقول الأسرة إنها انتظرته ثلاثة أعوام كاملة، قبل أن يحول طول فترة الاحتجاز دون اكتمال الزواج، وهكذا تغيّرت حياة عبد الرحمن ومن حوله خلال عقد كامل؛ من شاب في الرابعة والعشرين لديه أحلام ومستقبل مهني، إلى سجين أمضى معظم سنوات شبابه خلف القضبان.

 

عشر سنوات من التنقل بين سجون العسكر

 وتروي الأسرة أن عبد الرحمن تنقل بين عدد من السجون ومقار الاحتجاز، وأنه أمضى نحو 15 شهرًا في الحبس الانفرادي، كما تقول إنه تعرض خلال فترات احتجازه لما تصفه بالتعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري.

وخاض عبد الرحمن إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على ظروف احتجازه، كما حاول الاعتراض على ما اعتبره إهانات يتعرض لها هو وغيره من المحتجزين، خصوصًا كبار السن.

وتقول الأسرة إنها تقدمت على مدار السنوات بطلبات والتماسات للإفراج عنه، وإنها حصلت، وفق روايتها، على نحو 25 قرارًا بإخلاء سبيل و7 أحكام بالبراءة، لكنها تؤكد أن تلك القرارات لم تنهِ معاناته ولم تُعده إلى منزله.

وتضيف الأسرة أن عبد الرحمن أصبح يرتدي الآن الزي الأبيض داخل السجن، بعد أن كان شابًا يستعد لبناء حياته المهنية والأسرية.

 

أب وأم رحلا.. وابن لا يزال في السجن

ربما يكون أكثر ما يختصر قسوة السنوات العشر، بالنسبة إلى الأسرة، أن عبد الرحمن دخل السجن وأبوه وأمه على قيد الحياة، لكنه لا يزال خلف القضبان بعد رحيلهما.

تقول الأسرة إن الوالدين كانا ينتظران رؤيته، لكن السنوات مرت دون أن يتحقق ذلك، حتى انتهت حياتهما بينما ظل ابنهما في محبسه.

ومع مرور الوقت، تقلصت دائرة من يستطيعون الوصول إليه أو زيارته, فإخوته جميعًا خارج مصر، ولا توجد للأسرة، بحسب روايتها، شبكة من الأقارب داخل البلاد يمكنها متابعة احتياجاته اليومية.

وتقول الأسرة إن حتى محاولات الأصدقاء مساعدته أصبحت محفوفة بالمخاطر، مشيرة إلى واقعة اعتقال أحد أصدقائه بعد محاولته إيصال الطعام إليه.

وتروي الأسرة أن أشخاصًا جرى احتجازهم على صلة بعبد الرحمن تعرضوا، بحسب قولها، لأسئلة حول كيفية بقائه داخل السجن ومصدر طعامه وشرابه.

 

من برج العرب.." لا نعرف عنه شيئًا"

وتقول الأسرة إن عبد الرحمن القزاز نُقل إلى سجن برج العرب قبل نحو شهر ونصف، وإنها لا تعرف عنه شيئًا منذ عملية الترحيل.

وتضيف أن طول فترة الاحتجاز، إلى جانب منع الزيارات أو صعوبتها، جعل معرفة أخباره أو الاطمئنان على ظروفه أكثر صعوبة، في وقت أصبحت فيه الأسرة موزعة خارج مصر ولا تملك، بحسب روايتها، وسيلة منتظمة للوصول إليه.

وبالنسبة إلى أسرته، لم تعد السنوات العشر مجرد رقم؛ فهي فترة فقد خلالها عبد الرحمن والديه، وانتهت خلالها خطوبته، وتغير خلالها عمره من 24 عامًا إلى 34 عامًا، بينما بقيت حياته معلقة خلف القضبان.

 

قانون الإجراءات الجنائية.. أمل مؤجل لعام آخر

تزامنت هذه المعاناة مع جدل واسع حول قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي كان مقررًا أن يبدأ تطبيقه في الأول من أكتوبر 2026.

وكانت بعض الأسر والمحبوسين تترقب بدء العمل بالقانون الجديد باعتباره، من وجهة نظرها، فرصة لمعالجة أوضاع قانونية طال أمدها، خصوصًا في قضايا الحبس الاحتياطي.

لكن في 30 سبتمبر، وافق مجلس النواب نهائيًا على تأجيل بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، ليبدأ العمل به في الأول من أكتوبر 2027 بدلًا من العام الحالي. وقالت الجهات الرسمية إن التأجيل يهدف إلى إتاحة الوقت لاستكمال التجهيزات والمتطلبات التنظيمية والفنية والبشرية اللازمة لتطبيق القانون.

وبالنسبة إلى أسر مثل أسرة عبد الرحمن، يعني ذلك استمرار الانتظار لعام آخر قبل دخول المنظومة التشريعية الجديدة حيز التطبيق، بينما تبقى أوضاع المحتجزين الحاليين مرتبطة بالقواعد والإجراءات السارية.

 

"أكتوبر بداية".. احتجاجات خلف القضبان

وفي ظل هذا المناخ، تتحدث روايات متداولة بين أسر المحتجزين عن تحركات احتجاجية داخل عدد من السجون تحت شعار «أكتوبر بداية»، مع حديث عن امتداد الاحتجاج إلى عدة سجون.

وتتضمن الرواية التي نقلتها أسرة عبد الرحمن اتهامات بتعرض محتجزين للضرب والإهانة والتجريد والترحيل والضغوط النفسية، وهي اتهامات تحتاج إلى توثيق مستقل لكل حالة، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى السجون والتحقق المباشر من أوضاع المحتجزين.

لكن خلف كل هذه الأرقام والإجراءات القانونية، تبقى قصة عبد الرحمن واحدة من القصص التي تختصر أثر سنوات الاحتجاز الطويل على المعتقل وأسرته؛ شاب دخل السجن في الرابعة والعشرين، وها هو يقترب من منتصف الثلاثينيات دون أن يعيش السنوات التي كانت أسرته تتوقع أن يبني خلالها حياته.

 

رسالة من خارج الزنازين

بعد عشر سنوات من الانتظار، اختارت أسرة عبد الرحمن أن توجه إليه رسالة تتجاوز تفاصيل القضايا والقرارات القانونية، لتقول له إنهم لم ينسوه، وإن سنوات السجن لم تمحُ صورته من ذاكرة أسرته وأصدقائه.

وبينما تدخل قضية عبد الرحمن عامها الحادي عشر، يبقى السؤال بالنسبة إلى أسرته أبسط من كل الإجراءات والقوانين: متى يعود الابن الذي خرج من بيته شابًا في الرابعة والعشرين، ليجد والديه قد رحلا وهو لا يزال خلف القضبان؟