جاء قرار وزير الخارجية الأمريكي الحالي ماركو روبيو ليعيد تعريف المشهد بالكامل، معفياً مصر رسمياً من شروط حقوق الإنسان المعقدة المرتبطة بمساعدات عسكرية تتجاوز قيمتها 320 مليون دولار. وجاء هذا القرار ليمثّل اعترافاً أمريكياً صريحاً بما وُصف بـ "الدور المفيد والبنّاء" الذي لعبته القاهرة في دعم العمليات العسكرية والاستراتيجية الأمريكية ضد إيران، والمسماة بـ "الغضب العارم".
ويجزم مراقبون ومحللون سياسيون بأن هذا القرار الأمريكي الأخير، وإن حقق للنظام مكسباً مالياً وسياسياً مؤقتاً، إلا أنه عمّق الفجوة بين السلطة والشعب، وأكد للمصريين أن معركة الحرية هي معركة داخلية خالصة، وأن الرهان على "الضمير الغربي" ليس سوى سراب في صحراء المصالح السياسية التي تُضحي بالحقوق الأساسية لمجرد ضمان الولاءات العسكرية. وذلك في مشهد سياسي أعاد ترتيب أولويات القوى الكبرى في الشرق الأوسط، بعدما كشفته المراسلات الدبلوماسية الأخيرة الصادرة من واشنطن.
"انتهكوا براحتكم"
أولى الشظايا النقدية لهذا القرار انطلقت من الأقلام الإعلامية التي واكبت السياسة الأمريكية لعقود، حيث اعتبر الإعلاميون أن الإعفاء الأمريكي يمثل سقوطاً مدوياً لآخر أقنعة "المبادئ" التي تتغنى بها واشنطن.
وقد اختصر الإعلامي المصري المقيم بنيويورك حافظ المرازي المشهد بعبارة حادة ولاذعة حظيت بتفاعل واسع عبر المنصات الرقمية، مشيراً إلى أن لسان حال واشنطن يبدو وكأنه يبيح للقاهرة انتهاك حقوق المصريين طالما أنها تقدم المساعدة المطلوبة في الحرب على الإيرانيين.
هذا التعليق يضع الإصبع على الجرح مباشرة، فهو يوضح كيف تحولت دماء وحريات المواطن المصري إلى مجرد أوراق تفاوضية في بورصة المصالح الجيوسياسية الصرفة، حيث يغيب الشجب والتنديد بمجرد أن تصبح الأسلحة واللوجستيات المصرية مفيدة لحروب واشنطن الإقليمية.
شروط الديمقراطية
التحليل التفصيلي الذي قدمه صناع المحتوى الإخباري والسياسيون عبر الفضاء الرقمي سلّط الضوء على الأبعاد الخفية للقرار، متسائلين عن طبيعة هذا "الدور المفيد" الذي قدّمته مصر لواشنطن منذ بدء الحرب على إيران.
وفي هذا السياق، أوضح الحساب الإخباري مشعل [@mishaltd] أن هذه الأموال البالغة 320 مليون دولار ليست منحة جديدة، بل هي جزء أصيل من المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار التي تتلقاها مصر منذ اتفاقية كامب ديفيد، غير أن القوانين الأمريكية كانت تحجب هذا الجزء تاريخياً، وتشترط لإطلاقه إثبات تقدم ملموس في ملف الحريات.
وجاء قرار روبيو ليتجاوز هذه الشروط تماماً بذريعة "الأمن القومي الأمريكي"، مع التركيز على ملفات مكافحة الإرهاب وأمن الحدود، والمثير للريبة والغموض هو أن الإدارة الأمريكية لم تُفصح علناً عن طبيعة الخدمات العسكرية التي قدمتها القاهرة ضمن حملة "الغضب العارم" ضد إيران، مما يفتح الباب أمام تكهنات واسعة حول عمق الانخراط المصري في المحاور العسكرية الإقليمية خلف الكواليس.
أمريكا وأوروبا لم تدعما يوما حقوق المصريين
من جانبه، قدّم الباحث والمحلل السياسي علاء بيومي [@Alaabayoumi] قراءة نقدية بأثر رجعي لرحلة البحث عن الحرية في العالم العربي على مدار العقدين الماضيين، مشيراً بنبرة يملؤها الإحباط والواقعية السياسية إلى أن التحول الديمقراطي في مصر كان مستحيلاً لغياب أي دعم دولي حقيقي له.
ويرى بيومي أن ما تقوم به أمريكا حالياً ومن خلفها أوروبا يكشف أنهما لم يكونا يوماً داعمين حقيقيين للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي، بل استخدموا هذه الشعارات كأدوات ضغط لابتزاز الأنظمة وتحقيق مصالحهم في نهاية المطاف.
وخلص بيومي إلى أن النخب والمعارضة بحاجة ماسة اليوم إلى التفكير بطريقة جديدة، والبحث عن معادلة سياسية مختلفة نسبياً عن جدلية الاستبداد والديمقراطية التي باتت أمريكا نفسها تهددها وربما تعاديها حول العالم.
غضب الشارع والمعارضة: أمن أمريكا مربوط بسحقنا
التصريحات الرسمية من واشنطن لم تكن مستفزة للسياسيين فحسب، بل أشعلت غضباً عارماً لدى الشخصيات العامة والفنانين المحسوبين على تيار المعارضة، حيث عبّر الفنان والناشط عمرو واكد [@amrwaked] عن صدمته الشديدة من تبريرات وزير الخارجية الأمريكي، معتبراً تصريحات روبيو اعترافاً فجاً بالاحتلال غير المباشر، ومؤكداً أن الإدارة الأمريكية ترى في إبقاء حالة حقوق الإنسان القاسية وضياع الديمقراطية في مصر مشروعاً ضرورياً للأمن القومي الأمريكي، وهو ما يمثل قمة الغباء والإهانة السياسية للشعب المصري عبر إخباره علناً بأن أمن أمريكا مربوط بسحقه.
وفي سياق متصل، حذَّر المستشار وليد شرابي [@waleedsharaby] من التداعيات العسكرية والأمنية الخطيرة على بنية الجيش المصري نفسه، مبدياً مخاوفه من فجوة التسليح والتدريب مقارنة بالقوى الإقليمية المحيطة، وواصفاً السياسات الحالية بالجريمة التي ستدفع ثمنها القوات المسلحة في أول مواجهة حقيقية على الأرض نتيجة تفريغ الجيش من مهامه الأساسية وزجه في معارك سياسية واقتصادية.
من النقد إلى المحاكمة: صياغة مشروع عريضة اتهام بالخيانة العظمى
تجاوزت الردود حدود التعليق السياسي التقليدي لتصل إلى مرحلة متقدمة من التصعيد القانوني والرمزي، حيث تبنى قطاع واسع من المعارضين خطاباً راديكالياً يصنف نظام عبد الفتاح السيسي في خانة العمالة المطلقة والتفريط في المقدرات الوطنية.
وفي هذا الإطار، نشر الفنان عمرو واكد مشروع عريضة اتهام في محكمة الثورة، وجه فيها تهمة الخيانة العظمى والعمالة لأنظمة أجنبية بقصد التربح الشخصي وتقزيم مكانة مصر، إلى جانب تهم السرقة وتهريب الأموال خارج البلاد لبناء إمبراطورية مالية عائلية، وإفساد عقيدة الجيش بتحويله إلى حزب سياسي ومنافس اقتصادي يحتكر الأسواق ويستغل المجندين بالسخرة.
كما شملت العريضة اتهامات صريحة بإفساد الحياة السياسية وتركيز كل السلطات في يد الفرد لضمان تمرير هذا المشروع، بالإضافة إلى التجارة في الآثار المصرية وهدم التراث الإسلامي لترسيخ السلطة الإقليمية بالتوافق مع القوى الخارجية.
واعتبرت المعارضة أن التوقيع على اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير يمثل تفريطاً استراتيجياً مكّن الكيان الصهيوني من مضيق مائي حيوي، بالتوازي مع كارثة التوقيع على معاهدة سد النهضة الإثيوبي التي سمحت بقطع شريان المياه التاريخي عن شعب مصر والسودان، في وقت يستمر فيه الإسراف البذخي على القصور والفيلات والطائرات الرئاسية، وإنتاج أعمال فنية رديئة تهدف لتزوير التاريخ، وهو ما جعل ناشطين مثل mazen007 [@mazen00711] والفاروق [@mido14647535] يستدعون فتاوى ومواقف تاريخية حادة تصف النظام بأنه الخائن الأكبر وألد أعداء الهوية الوطنية.
شرط لا يسقط
في نهاية المطاف، تجتمع كتل المعارضة والنخب المستقلة على حقيقة واحدة صاغها بوضوح د. محمد محسوب (وزير الدولة السابق للشئون القانونية والمجالس النيابية)، وهي أن أي حديث عن نمو، أو ريادة، أو تنمية في ظل استمرار سياسات الاعتقال والاستخفاف بحقوق المصريين وحرياتهم هو محض وهم.
ويؤكد "د.محسوب" أن إنهاء القمع، والتعذيب، والتجاوزات في أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز، وفرض احترام كرامة المواطن وضمان حقه في التعبير عن رأيه هو رأس كل المطالب، والاختبار الحقيقي والشرط الضروري للنجاح في أي معركة إصلاحية، مشدداً على أن استمرار سياسات الاستبداد يمثل المحك الأساسي الذي يفشل أمامها أي ادعاء بالتنمية أو الازدهار.