في الذكرى 15 ل#مذبحة_ماسبيرو، التي وقعت في 9 أكتوبر 2011، تتجدد مطالبات ناشطين ومراقبين مصريين بمحاسبة المسؤولين عن مقتل عشرات المتظاهرين الأقباط، الذين خرجوا للاحتجاج على الاعتداءات الطائفية والمطالبة بحقوقهم، قبل أن تنتهي التظاهرة بمشهد مدرعات عسكرية تندفع وسط الحشود، وسقوط قتلى ومصابين بالرصاص والدهس.
المنظمات الحقوقية منذ الأيام الأولى دعت إلى: ضرورة إجراء تحقيق مستقل في استخدام القوة والدهس وإطلاق النار، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المحاسبة.
وبينما لا تزال الواقعة حاضرة في ذاكرة أسر الضحايا وشهود الأحداث، يركز منتقدون على ما يعتبرونه مفارقة سياسية وحقوقية، تتمثل في تقارب قيادة الكنيسة الأرثوذكسية لاحقاً مع المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى دعمها تحركات الجيش التي انتهت بالانقلاب على الشرعية الديمقراطية لرئيس الجمهورية د.محمد مرسي في يوليو 2013، بدعاوى لم يراها إلا "تواضروس" وغابت عن االملايين التي انتخبته على ما يبدو؟!
وتشير تقارير حقوقية معاصرة للأحداث إلى أن قوات عسكرية استخدمت القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وأن مدرعات دهست محتجين في محيط مبنى التلفزيون المصري المعروف باسم ماسبيرو.
وذكرت هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته يوم 15 نوفمبر 2011، أن أحداث ذلك اليوم أسفرت عن مقتل 27 مدنياً وضابط عسكري، مشيرة إلى أن تحقيقات المجلس القومي لحقوق الإنسان نسبت مسؤولية قتل متظاهرين إلى أفراد من الجيش، فيما بقيت التحقيقات العسكرية محاطة بمخاوف جدية تتعلق بالشفافية والمساءلة
https://www.ecoi.net/de/dokument/1062646.html
وفي تقرير آخر نشرته المنظمة في 25 أكتوبر 2011، طالبت بنقل التحقيق في استخدام القوة ضد المتظاهرين الأقباط إلى جهة مستقلة ومحايدة، محذرة من أن تولي المؤسسة العسكرية التحقيق في وقائع تورط أفراد منها في العنف يثير مخاوف من عدم الوصول إلى الحقيقة كاملة.
وأشارت المنظمة إلى شهادات متطابقة من مشاركين في التظاهرة بشأن قيادة مدرعات عسكرية بصورة متهورة وسط الحشود، في بعض الحالات بما بدا أنه تعمد لملاحقة المتظاهرين.
https://www.hrw.org/news/2011/10/25/egypt-dont-cover-military-killing-copt-protesters
وأعاد الناشط الحقوقي هيثم أبوخليل @haythamabokhal1 نشر التسلسل الزمني للأحداث، مشيراً إلى أن مدرعات الجيش دهست متظاهرين في 9 أكتوبر 2011، وأن المحكمة العسكرية برأت ثلاثة مجندين في مايو 2012 من تهمة القتل، قبل صدور أحكام بالسجن ثلاث سنوات على مايكل نجيب ومايكل شاكر في فبراير 2013، بتهمة سرقة سلاح ميري خلال الأحداث، وفق ما أورده في منشوره.
ويستند منتقدون إلى هذا التسلسل في القول إن مسار المحاسبة لم يتناسب مع حجم الخسائر البشرية، وإن ملاحقة بعض المشاركين في التظاهرة لم تجب عن جميع الأسئلة المتعلقة بمسؤولية القوات التي استخدمت القوة.
https://x.com/haythamabokhal1/status/2108306350338113737
وفي الذكرى الخامسة عشرة، يرى ناشطون أن استعادة تفاصيل ماسبيرو ليست مجرد استحضار لمأساة ماضية، وإنما تذكير بملف حقوقي لم تُحسم جميع أسئلته، وبأسر لا تزال تطالب بالإنصاف.
ويشير هؤلاء إلى أن ذاكرة الضحايا لا ينبغي أن تخضع للتوازنات السياسية أو لمواقف المؤسسات الدينية من السلطة، وأن الاحتفاظ بأسماء القتلى وتفاصيل ما حدث يمثل جزءاً من المطالبة بالحقيقة والعدالة.
ضحايا ماسبيرو ودعم انقلاب 2013
تتمثل إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في الذكرى الحالية في موقف قيادة الكنيسة الأرثوذكسية من المؤسسة العسكرية، خصوصاً بعد أن دعمت الكنيسة بقوة 30 يونيو 2013، ثم أيدت الانقلاب على الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو من العام نفسه وتعاونت مع المنقلبين وداعميهم الأوربيين. ويرى منتقدون أن هذا الموقف شكّل تحولاً سياسياً لافتاً، لأن المؤسسة التي كان من بين أبنائها ضحايا سقطوا برصاص القوات العسكرية أو تحت جنازير مدرعاتها، أصبحت لاحقاً من أبرز المؤسسات الدينية التي أبدت تأييداً للسلطة التي نشأت عقب تدخل الجيش في السياسة.
ويستعيد ناشطون هذه المفارقة من خلال المقارنة بين أحداث ماسبيرو في أكتوبر 2011 ومشهد اصطفاف الكنيسة مع الجيش في يوليو 2013، معتبرين أن التقارب السياسي اللاحق لم يصاحبه، في نظرهم، إصرار مماثل على إبقاء ملف المحاسبة عن مقتل المتظاهرين مفتوحاً.
ويذهب بعض المنتقدين إلى أن البحث عن الحماية السياسية للأقباط، والخشية من صعود قوى إسلامية، أسهما في دفع قيادة الكنيسة إلى التقارب مع المؤسسة العسكرية، حتى على حساب استمرار المطالبة بحقوق ضحايا ماسبيرو.
وفي هذا السياق، كتب سليم عزوز @selimazouz1، في ذكرى ماسبيرو يوم 9 أكتوبر 2021، أن الذين قالوا "إن الجيش قتلهم في ماسبيرو كانوا ضمن من نزلوا في 30 يونيو مطالبين بنزول الجيش إلى الحكم، وقارن بين هذا الموقف ومواقف القوى التي احتجت على قتل المتظاهرين في أحداث محمد محمود، ثم انحازت لاحقاً إلى حكم المؤسسة العسكرية، في إشارة إلى ما اعتبره تناقضاً بين ذاكرة الضحايا والخيارات السياسية التي اتخذتها بعض القوى بعد ذلك".
وتتصل هذه الانتقادات أيضاً بمواقف بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية تواضروس الثاني، الذي واجه انتقادات بسبب تصريحات نُقلت عنه بشأن أحداث ماسبيرو، وبسبب تأييده لاحقاً للمنقلب عبد الفتاح السيسي. وكان علاء الأسواني @AlaaAswany قد كتب في 9 أكتوبر 2016 متسائلاً عن تصريح منسوب إلى البابا تواضروس وصف فيه أحداث ماسبيرو بأنها خدعة استدرج بها الإخوان الشباب القبطي، متسائلاً عمن دهس المتظاهرين عمداً بالمدرعات، وما إذا كان من الممكن إسناد ذلك إلى الإخوان.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال مواقف الأقباط جميعاً في موقف القيادة الكنسية؛ إذ شهد المجتمع القبطي اختلافات في تقييم أحداث 2011، وفي الموقف من الجيش والرئاسة والقوى السياسية. كما أن تأييد الكنيسة للسلطة بعد 2013 لا يعني بالضرورة أن جميع أسر الضحايا أو المشاركين في احتجاجات ماسبيرو تبنوا الموقف ذاته، ويؤكد هذا التباين أهمية التمييز بين المؤسسة الدينية بوصفها جهة قيادية، وبين المواطنين الأقباط الذين تتنوع مواقفهم السياسية والحقوقية.
وفي أحدث المواقف المنشورة، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في 4 أكتوبر 2026 تهنئتها لعبد الفتاح السيسي والقوات المسلحة والشعب المصري بذكرى انتصارات أكتوبر، مؤكدة دعمها الجهود التي تخدم الوطن، وثقتها في قيادة الدولة ومؤسساتها. ويستحضر منتقدو هذا الخطاب واقعة ماسبيرو باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الكنيسة على الجمع بين دعم مؤسسات الدولة والتمسك بمطلب محاسبة المسؤولين عن قتل أبنائها.
مينا دانيال وذاكرة الضحايا
ويظل مينا دانيال، أحد أبرز رموز ثورة 25 يناير من الأقباط، اسماً حاضراً في النقاشات المتعلقة بمذبحة ماسبيرو، باعتباره أحد الوجوه التي ربطت بين المطالب الديمقراطية وحقوق الأقباط في مواجهة التمييز والعنف، وقد استعاد ناشطون ذكراه بوصفه شاباً تجاوز، في نظرهم، حدود الانغلاق داخل الهوية الدينية، وشارك في حركة وطنية أوسع تطالب بالحرية والعدالة والمساواة.
وكتب بهي الدين حسن @BaheyHassan عن مينا دانيال، واصفاً إياه بأنه من الأقباط الذين تحرروا داخلياً من «سيكولوجية الأقلية» التي يفرضها القهر اليومي في دولة تستعبد الأغلبية والأقلية بوسائل متعددة. واعتبر أن مينا كان رمزاً ملهماً لتحرر المصريين بأفق أوسع من الانقسامات الدينية، داعياً إلى تذكره في سياق الحديث عن ثورة يناير وما تعرض له المشاركون فيها من عنف.
كما أعاد ناشطون تداول روايات عن إزالة لوحة رخامية تحمل أسماء ضحايا ماسبيرو أو تشير إلى مسؤولية مدرعات الجيش عن مقتل المتظاهرين. وكتب أبو عبدالله @abdlrahim1960، في منشور بتاريخ 11 أكتوبر 2019، عن لوحة تذكارية تتضمن عبارة «رصاص ومدرعات الجيش المصري»، متسائلاً عن موقف البابا تواضروس منها، في سياق انتقاده التصريحات التي نسبت المسؤولية عن الأحداث إلى خداع من جماعة الإخوان المسلمين.
وفي ذكرى عام 2021، كتبت الناشطة ماجدة محفوظ @magdaMahfouzeg أن ضحايا ماسبيرو لم يُنسوا، مستعيدةً أحداث 9 أكتوبر 2011 التي قُتل فيها متظاهرون أقباط، ومتسائلة عن أسباب إزالة لوحة رخامية تضم أسماء الضحايا. وربطت منشورها بين حفظ الذاكرة ومطلب محاسبة المسؤولين، معتبرة أن محو أسماء القتلى أو تغييبها عن الوعي العام لا ينهي الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية عن مقتلهم.
https://x.com/magdaMahfouzeg/status/1446778598828949505
وتُعد قضية الإعلام جزءاً من الجدل المستمر حول مسؤولية التحريض والتضليل في الأزمات السياسية، لكن تقييم هذه المسؤولية يتطلب الاستناد إلى التسجيلات الكاملة والتغطيات الأصلية والسياق الذي صدرت فيه التصريحات، بدلاً من الاكتفاء بمقاطع مجتزأة أو اتهامات متداولة.
سجل أوسع من الانتهاكات
لا يقتصر استدعاء مذبحة ماسبيرو على ملف حقوق الأقباط، بل يأتي ضمن نقاش أوسع بشأن الانتهاكات التي شهدتها مصر خلال المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير، ومنها أحداث محمد محمود، وكشوف العذرية التي تعرضت لها متظاهرات، وقضايا استخدام القوة ضد المحتجين، وما يصفه ناشطون بغياب المحاسبة الكاملة عن مسؤولين في مؤسسات الدولة، ويرى هؤلاء أن تكرار هذه الوقائع دون تحقيق مستقل وشفاف أضعف الثقة في قدرة المؤسسات الرسمية على إنصاف الضحايا، وأتاح استمرار الخلاف حول المسؤوليات والنتائج القانونية.
وفي أحداث محمد محمود، التي وقعت في نوفمبر 2011، وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل عشرات المتظاهرين خلال مواجهات مع قوات الأمن، مشيرة في تقريرها العالمي إلى أن ضابط شرطة واحداً فقط كان يقضي حكماً بالسجن لمدة ثلاث سنوات بسبب إطلاق النار على متظاهرين خلال تلك الأحداث، بينما لم تُلاحق قيادات أمنية أخرى عن معظم حالات القتل التي وثقتها المنظمة في مراحل مختلفة من الانتفاضة.
https://www.ecoi.net/de/dokument/1029749.html
وحذرت هيومن رايتس ووتش منذ نوفمبر 2011 من أن التحقيقات التي تديرها النيابة العسكرية في واقعة يكون الجيش طرفاً فيها لا توفر وحدها الضمانات الكافية للاستقلال والحياد، مطالبة بإسناد التحقيق إلى جهة مستقلة.
وتظل التقارير الحقوقية التي صدرت في أعقاب الواقعة مرجعاً أساسياً لفهم جانب من أحداث ماسبيرو، خصوصاً ما يتعلق باستخدام المدرعات والقوة المفرطة، وغياب الشفافية في التحقيقات، وملاحقة بعض النشطاء بدلاً من التركيز على تحديد المسؤولين عن سقوط القتلى. وقد طالبت هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر في 15 نوفمبر 2011 بالإفراج عن المدون علاء عبد الفتاح، الذي وُجهت إليه اتهامات مرتبطة بالأحداث، مشيرة إلى أن النيابة العسكرية لم تقدم أدلة كافية تدعم اتهامات التحريض وسرقة سلاح عسكري.
https://www.ecoi.net/en/document/1062646.html