النظام العلماني في “أذربيجان” يُصعّد ضد الحجاب .. اعتقالات وتوترات في العاصمة باكو

- ‎فيعربي ودولي

وصل عدد المعتقلين لدى السلطات الأذربيجانية، من  أولياء أمور طالبات المدارس المحجبات، حتى تاريخه نحو 37 شخصاً على خلفية الأحداث المرتبطة بالاحتجاجات وتطبيق قواعد الزي المدرسي ومنع الحجاب.

وقالت السلطات، بحسب تقارير إعلامية نقلت عن وزارة الداخلية: "إن بعض المشاركين (لم تذكر أولياء أمور الطالبات) دخلوا في مواجهات مع العاملين في المؤسسات التعليمية وحاولوا تعطيل سير المدارس وحركة المرور".

ووردت تقارير عن إحراق سيارة مدير مدرسة ومحاولة إضرام النار في مدرسة أخرى من دون تسجيل إصابات في الحادثتين.

وفتح تحقيق جنائي بشأن أفعال قالت السلطات: "إنها تتعلق بالإخلال بالنظام العام، فيما بقيت قضية منع الطالبات المحجبات من دخول المدارس محور الخلاف بين المحتجين والجهات المسؤولة".

ومع اتساع الاعتراضات، انتقلت المشاهد من المقاطع الفردية إلى تجمعات أمام مدارس في باكو ومدن أخرى.

ودخلت الإنترنت على خط الأزمة في 12 و13 أكتوبر حيث  اشتكى مستخدمون من تعطل أو صعوبة الوصول إلى إنستجرام وتيك توك والنسخة الإلكترونية من إكس، واضطر كثيرون إلى استخدام VPN. وأكدت NetBlocks لاحقاً وجود قيود لدى عدة مزودي خدمة. لكن السلطات لم تعلن رسمياً أنها أغلقت المنصات بسبب الاحتجاجات، ولذلك الأدق وصف ما حدث بأنه قيود واسعة على شبكات التواصل تزامنت مع الأزمة، لا قطع كامل للإنترنت ثبت رسمياً أنه صدر بأمر حكومي بسبب الحجاب.

وعلى المستوى الخارجي، أُشير إلى تنظيم احتجاجات محدودة أمام مقار دبلوماسية أذربيجانية في تركيا، الأمر الذي أضاف بعداً دبلوماسياً إلى القضية. ومع ذلك، فإن وصف ما جرى بأنه أزمة دبلوماسية بين أنقرة وباكو يحتاج إلى أدلة على مواقف رسمية أو إجراءات دبلوماسية متبادلة، إذ لا تعني الاحتجاجات أمام البعثات الدبلوماسية بالضرورة نشوء أزمة بين الحكومتين.

الموقف الرسمي

وتستند الحكومة الأذربيجانية في دفاعها عن قواعد الزي المدرسي إلى الطبيعة العلمانية للدولة، وإلى ضرورة الحفاظ على وحدة المظهر داخل المدارس العامة، وتؤكد الرواية الرسمية أن الهدف ليس استهداف عقيدة بعينها، بل توفير بيئة تعليمية محايدة لا تُميَّز فيها الطالبات على أساس الانتماء الديني أو الاجتماعي، وأن الحجاب لا يخضع لحظر عام خارج المؤسسات التعليمية المعنية، وقد نقلت تقارير صحفية هذا التبرير عن مسؤولين أذربيجانيين، في مقابل اعتراضات ترى أن التطبيق العملي للقواعد يؤدي إلى حرمان بعض الطالبات من حضور الدروس بسبب لباسهن الديني.

وتكمن المسألة القانونية الأساسية في أن العلمانية لا تعني بالضرورة حظر الرموز الدينية في جميع المؤسسات العامة؛ إذ يتوقف تقييم كل إجراء على النصوص الدستورية والقانونية ذات الصلة، وطبيعة المؤسسة، والغاية المعلنة من القيود، ومدى تناسبها مع الحقوق التي تمسها. وتشير التغطيات الصحفية إلى أن الدستور الأذربيجاني يقرر علمانية الدولة والفصل بين الدين والدولة، كما يكفل حرية الضمير، وبذلك يطرح الجدل الحالي سؤالاً عن كيفية التوفيق بين الطابع العلماني للتعليم العام وحرية الاعتقاد، ولا سيما عندما تكون الفئات المتأثرة أطفالاً في سن الدراسة.

وفي المقابل، لا يكفي وصف السياسة بأنها علمانية أو وصفها بأنها قمع ديني لحسم المسألة من الناحية القانونية، فالتقييم الحقوقي يتطلب فحص مدى وضوح القواعد، وما إذا كانت تطبق على نحو متساوٍ، والآثار الفعلية على انتظام الطالبات في التعليم، وإمكانية الوصول إلى حلول أقل تقييداً للحرية الدينية. وتزداد أهمية هذه الاعتبارات عندما يؤدي الخلاف حول الزي إلى منع الطالبة من دخول المدرسة أو تعريضها لضغوط تدفعها إلى الاختيار بين مظهرها الديني ومواصلة تعليمها.

تفسير العلمانية وارتباط القرار بطبيعة الحكم

ونشر الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة تعليقاً بعنوان "مهزلة منع الحجاب في أذربيجان!" عبّر فيه عن رفضه للقيود المفروضة على الحجاب في المدارس. واعتبر أن فرض نمط محدد من اللباس بالقوة يتعارض مع مفهوم الحرية، وانتقد الرئيس إلهام علييف وطبيعة النظام السياسي في أذربيجان، كما ربط بين القرار وعلاقات باكو بالكيان الصهيوني وانعكاساته المحتملة على صورة المسلمين في الدول الغربية.

وتساءل @YZaatreh "أية علمانية هذه التي تضيق بحجاب طالبات المدارس في بلد غالبية سكانه الساحقة من المسلمين؟!.. إلهام علييف ورث البلد عن والده (حيدر) كأنة مزرعة، وهو مثله دكتاتور لا يعرف معنى الديمقراطية ولا العلمانية، المصيبة أن هذا الدكتاتور الأحمق، والذي يتباهى بعناقه مع "الكيان الصهيوني"، يمنح بعض الدول مادة لحصار المسلمين، بخاصة تلك الجاليات في الغرب.. المصيبة أن القرار، مع تعميق العلاقة مع "الكيان" يمثلان صفعة للأتراك الذين وقفوا بجانب النظام، وهو ما يعكس طبيعته الدكتاتورية الرعناء.

النفوذ الإيراني

وعرض حساب خلف الستار، @perde_arkasi1، في منشور مؤرخ في 10 أكتوبر، رواية مختلفة لتفسير القرار الأذربيجاني، واستند المنشور إلى مقابلة منسوبة إلى سردار جلال أوغلو (Serdar Cəlaloğlu)، الذي وصفه الحساب بأنه معارض سياسي سبق أن ترشح للرئاسة، وقدم تفسيراً يرى أن القضية مرتبطة بالتنافس الجيوسياسي بين أذربيجان وإيران.

وبحسب الرواية التي نقلها الحساب، فإن زيارة نائب رئيس الوزراء الأذربيجاني شاهين مصطفى إلى إيران، وما قيل عن ملابساتها، سبقت تحركاً إعلامياً مؤيداً لإيران في تركيا بشأن قضية الحجاب، كما نُسب إلى جلال أوغلو القول إن طهران تستخدم شبكات دينية وتجمعات ومناسبات شيعية لتعزيز نفوذها داخل أذربيجان، وإن الحكومة الأذربيجانية تنظر إلى بعض مظاهر النشاط الديني من منظور أمني وسياسي.

وفي الوقت نفسه، نسب الحساب إلى السياسي المعارض تحفظه على قرار حظر الحجاب، مع اعتباره أن الحكومة قد تراه ضرورياً لمواجهة ما تعتبره نفوذاً إيرانياً. ويقدم هذا الطرح تفسيراً جيوسياسياً للقرار، لكنه لا يثبت بذاته أن الاحتجاجات أو النشاط الديني وراءهما توجيه إيراني، ولا أن القيود اتُّخذت حصراً لهذا السبب، كما أن النسبة التي أوردها المنشور، والتي تزعم أن 60% من بعض المظاهر الدينية الظاهرة مرتبطة بشبكات ممولة إيرانياً، تحتاج إلى أدلة مستقلة ومنهجية واضحة قبل التعامل معها باعتبارها إحصاءً موثوقاً.

مفتي أذربيجان شكر الله باشازاده

وفي تصريح منسوب إلى مفتي أذربيجان شكر الله باشازاده، مفاده أنه لا يوجد حظر عام على الحجاب في البلاد، وأن القيود المعنية تخص المدارس بسبب قواعد الزي المدرسي والطابع العلماني للتعليم.

ويعكس هذا الموقف، إذا طابقت الصياغة المنقولة التصريح الأصلي، تأييداً للتمييز الذي تطرحه السلطات بين تنظيم المظهر داخل المدرسة وحرية ارتداء الحجاب خارجها، إلا أن هذا التمييز لا ينهي الجدل الحقوقي، لأن الاعتراض الرئيسي يتعلق بتأثير القواعد المدرسية في قدرة الطالبات على مواصلة التعليم من دون التخلي عن لباس يرتبط بمعتقداتهن.

وتضمنت المنشورات انتقادات حادة لما اعتبرته تناقضاً بين القيود الحالية وبين استخدام الرموز الإسلامية في الخطاب السياسي الرسمي. ووردت في هذا السياق إشارة إلى صورة للرئيس إلهام علييف وزوجته ونائبته مهريبان علييفا وهما يحملان القرآن، قيل إنها التُقطت عام 2020 عقب حرب ناغورنو كاراباخ.

ويستخدم منتقدون هذه الصورة للمقارنة بين توظيف الرموز الدينية في المجال السياسي والتقييد المفروض على بعض المظاهر الدينية في المدارس؛ غير أن الاستنتاج بشأن دوافع التقاط الصورة أو الغرض السياسي منها يظل تفسيراً منسوباً إلى أصحاب المنشورات ما لم تدعمه أدلة إضافية.

غورماز والرسالة الموجهة إلى أذربيجان

وقدّم الأستاذ الدكتور محمد غورماز، رئيس جامعة تركيا الإسلامية العالمية للعلوم والتكنولوجيا، موقفاً مطولاً من القضية، جمع فيه بين التضامن مع الطالبات المحجبات والدعوة إلى مراجعة السياسات التي تؤدي إلى حرمانهن من التعليم، واستهل رسالته بالتأكيد على أن أذربيجان دولة شقيقة لتركيا، وأن الأخوّة لا تقتصر على مشاركة الأفراح، بل تشمل النصح الصادق عند وقوع الظلم أو احتمال وقوعه.

واستحضر غورماز تجربة تركيا خلال مرحلة 28 فبراير 1997، التي شهدت قيوداً وإجراءات استهدفت مظاهر التدين، ولا سيما في المؤسسات التعليمية، واعتبر أن هذه التجربة تقدم درساً بشأن الآثار الاجتماعية والنفسية التي قد تترتب على سلب الأفراد حرية الاعتقاد والعبادة أو جعل الرموز الدينية سبباً للملاحقة والإقصاء، ومن هذا المنطلق، طرح سؤالاً محورياً: كيف يمكن تبرير وضع طفلة أمام خيار بين مواصلة تعليمها والتمسك بمعتقدها؟

كما ربط غورماز بين الدور الذي أداه الدين في المجتمع الأذربيجاني خلال حرب ناغورنو كاراباخ وبين ضرورة احترام المظاهر الدينية في الحياة اليومية، وأشار إلى أن القيم الدينية والتراثية التي يستمد منها المجتمع جانباً من هويته لا ينبغي، في رأيه، أن تتحول إلى سبب للتضييق على الأجيال الشابة عندما تعبر عنها من خلال لباسها.

واستندت الرسالة إلى الحديث النبوي: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، موضحة أن نصرة الشقيق لا تعني تأييد جميع أفعاله، وإنما تتضمن الوقوف إلى جانب المظلوم ونصح من يقع في الظلم، واختتم غورماز بمناشدة المسؤولين الأذربيجانيين مراجعة الإجراءات المعمول بها وضمان حق الفتيات في التعليم دون إجبارهن على الاختيار بينه وبين معتقداتهن.

ويقدم هذا الموقف خطاباً يجمع بين المرجعية الدينية والذاكرة السياسية المشتركة بين تركيا وأذربيجان، مع التركيز على حماية الحقوق وضرورة تجنب تكرار التجارب التي شهدت إقصاءً دينياً في المؤسسات التعليمية.

https://x.com/alisaada2/status/2110253865899548675 

 

نفي حظر الحجاب في المؤسسات الطبية والتحذير من الوثائق المزيفة

في تطور منفصل عن قضية المدارس، نفت وزارة الصحة الأذربيجانية، بالتعاون مع الجهة الإعلامية المختصة، صحة وثيقة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم صدور تعليمات بفرض قيود على ارتداء الحجاب في المؤسسات الطبية، وأكد بيان مشترك نُشر في 15 أكتوبر 2026 أن الوثيقة مزيفة، وأن الوزارة لم تصدرها ولم توجه إلى المؤسسات الطبية تعليمات تتضمن حظراً من هذا النوع.

وحذرت السلطات من تداول المراسلات المزورة على أنها وثائق رسمية، معتبرة أن ذلك قد يضلل الجمهور ويوسع نطاق المعلومات غير الدقيقة، ودعت وسائل الإعلام ومستخدمي المنصات الرقمية إلى مراجعة المصادر الرسمية قبل إعادة نشر الوثائق المتداولة.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة في ظل اتساع الجدل بشأن الحجاب، إذ ينبغي الفصل بين القيود المدرسية التي تناولتها التقارير وبين الادعاءات المتعلقة بالمستشفيات والمؤسسات الطبية.
قيود على الحجاب في آسيا الوسطى والقوقاز

ولا تنحصر النقاشات المتعلقة بتنظيم الحجاب في أذربيجان، بل تندرج ضمن سياق أوسع يشمل دولاً ذات غالبية مسلمة في آسيا الوسطى والقوقاز، حيث تتباين السياسات الحكومية بشأن الرموز الدينية في المدارس والأماكن العامة والمؤسسات الحكومية، ومع ذلك، فإن جمع هذه الدول تحت وصف واحد لا يعني تطابق قوانينها أو نطاق القيود المفروضة فيها.

كازاخستان

تتضمن المادة المجمعة تقارير عن تحذيرات صدرت في سبتمبر 2026 بشأن المدارس الخاصة التي تسمح للطالبات بارتداء الحجاب، مع الإشارة إلى احتمال سحب تراخيص المدارس المخالفة، كما تتحدث عن ضغوط على طالبات في مدينة شيمكنت لخلع الحجاب، وتحتاج هذه التفاصيل إلى مراجعة النصوص التنظيمية والتصريحات الرسمية ذات الصلة لتحديد نطاقها القانوني، وما إذا كانت تتعلق بالمدارس الخاصة وحدها أم بسياسات أوسع.

طاجيكستان

ترتبط القيود في طاجيكستان بسياسات تستهدف بعض أشكال اللباس التي تعتبرها السلطات دخيلة على الثقافة الوطنية، فضلاً عن إجراءات تحد من مظاهر التدين في بعض المؤسسات، ويتركز الجدل حول مدى اتساع هذه القواعد، وما إذا كانت تستند إلى اعتبارات ثقافية وأمنية معلنة، أم أنها تؤدي عملياً إلى تقييد حرية التعبير عن المعتقد.

أوزبكستان

تتناول المادة قواعد الزي المدرسي في أوزبكستان، التي تقيد بعض أغطية الرأس في المدارس الحكومية، وتتمثل المسألة الأساسية هنا في تحديد الأغطية المشمولة بالمنع، والاستثناءات المتاحة، وكيفية تطبيق القواعد على الطالبات، بدلاً من افتراض أن جميع أشكال الحجاب تخضع بالضرورة لحكم قانوني واحد.

تركمانستان

تتحدث التقارير الواردة في المادة عن ضوابط مشددة على لباس النساء ومظاهر التدين في بعض المؤسسات الحكومية. لكن تحديد طبيعة هذه القيود ومدى انتظام تطبيقها يتطلب توثيقاً مستقلاً، خصوصاً في ظل صعوبة التحقق من بعض المعلومات المتعلقة بالسياسات الداخلية في البلاد.

قرغيزستان

يختلف الوضع في قرغيزستان عن الحالات السابقة؛ إذ تشير المادة إلى حظر تغطية الوجه في الأماكن العامة عام 2025، وهو إجراء يتعلق أساساً بالأغطية التي تخفي الوجه، مثل النقاب، ولا ينبغي مساواته تلقائياً بالحجاب الذي يغطي الشعر مع إبقاء الوجه ظاهراً، وهذا التمييز مهم عند المقارنة بين التشريعات، لأن نطاق الحظر وأساسه القانوني يختلفان من بلد إلى آخر.

وبصورة عامة، تتكرر في هذه الحالات مبررات تتصل بالعلمانية والأمن والهوية الوطنية، بينما يثير منتقدو القيود مخاوف بشأن حرية الدين والحق في التعليم والمساواة، غير أن المقارنة الدقيقة تقتضي دراسة كل دولة على حدة، وعدم افتراض أن التشابه في الخطاب السياسي يعني تطابقاً في التشريعات أو النتائج العملية.

تاسعاً: التفاعل التركي والأبعاد الجيوسياسية للقضية

تكتسب قضية الحجاب في أذربيجان حساسية إضافية بسبب العلاقات الوثيقة بين باكو وأنقرة، وما يربط البلدين من تعاون سياسي وعسكري وثقافي، ويمنح هذا التقارب الاحتجاجات والتعليقات الصادرة في تركيا بعداً يتجاوز النقاش المحلي بشأن الزي المدرسي، إذ تُقرأ القضية أحياناً في ضوء التجربة التركية السابقة مع القيود على الحجاب، وأحياناً أخرى في ضوء المنافسة الإقليمية بين أذربيجان وإيران.

وتعكس رسالة محمد غورماز جانباً من الخطاب التركي الذي يرى أن التضامن مع أذربيجان ينبغي أن يتضمن أيضاً نصح سلطاتها عند ظهور ممارسات يُعتقد أنها تمس الحقوق الأساسية.