لماذا أعلن السيسي عزمه التَنَحِّي في 2030؟.. تشاتام هاوس: نموذج للوصاية العسكرية

- ‎فيتقارير

أثار إعلان  المنقلب،، عبد الفتاح السيسي عزمه مغادرة منصبه بنهاية ولايته الثالثة عام 2030 تساؤلات بشأن دوافع القرار ومستقبل السلطة في مصر، في ظل أزمة اقتصادية ممتدة وارتفاع أعباء الدين وتراجع مستويات المعيشة.

وفي قراءة لهذه التطورات، يطرح معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، في مقال بعنوان "لماذا أعلن السيسي عزمه التنحي في 2030؟"، احتمال أن يرتبط الإعلان بمحاولة تنظيم انتقال السلطة مع الحفاظ على نفوذ المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة.

ويرى المعهد أن ترتيبات إعداد القيادات المستقبلية داخل الأكاديمية العسكرية قد تمهد لظهور نموذج غير رسمي للوصاية العسكرية، يحتفظ فيه الجيش بتأثير حاسم على اختيار القيادة والتوجهات الاستراتيجية، حتى بعد مغادرة السيسي منصبه، في وضع يشبّهه الكاتب بدور المؤسسة العسكرية في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي.

ويستعرض المقال العوامل الاقتصادية والسياسية المحيطة بالإعلان، والتحديات التي قد تواجه انتقال السلطة، واحتمالات استمرار النفوذ العسكري بعد عام 2030.

https://www.chathamhouse.org/2026/10/why-has-egypts-president-sisi-said-he-will-step-down-2030?utm_source=twitter.com&utm_medium=organic-social&utm_campaign=egypt&utm_content=leader

 

إعلان التنحي

تناول معهد تشاتام هاوس البريطاني، في المقال بعنوان؛ دلالات الإعلان المنسوب إلى السيسي بشأن مغادرة منصبه بنهاية ولايته الثالثة عام 2030، وما قد يترتب عليه من تغيرات في بنية السلطة وتوازنات القوى داخل الدولة المصرية.

وبحسب المقال، جاء الإعلان خلال كلمة ألقاها السيسي في حفل تخرج الأكاديمية العسكرية المصرية يوم 17 أكتوبر، وتضمن حديثًا عن آلية لإعداد قيادات مستقبلية من خلال برنامج تدريبي عسكري، تمهيدًا لتولي بعض خريجيه مناصب عامة، قد تشمل رئاسة الجمهورية.

وأشار المعهد إلى أن الإعلان أثار دهشة عدد من المراقبين، وربما بعض المسؤولين داخل الدولة، موضحًا أن تنفيذ تعهد بالتنحي السلمي سيشكل سابقة في تاريخ الرئاسة المصرية الحديث، حيث غادر رؤساء سابقون مناصبهم في ظروف شملت الوفاة أو السجن أو الانتفاضات الشعبية.

ويتناول المقال (Why has Egypt’s President Sisi said he will step down in 2030?) انعكاسات هذا التطور المحتمل على المشهد السياسي المصري، وتوازن القوى داخل النظام، ودور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة وتحديد القيادة المستقبلية.

وذكر المقال أن عبد الفتاح السيسي وصل الرئاسة عام 2014، عقب الانقلاب على الرئيس  الشرعي الشهيد محمد مرسي، الذي وصل إلى السلطة بعد انتفاضة عام 2011، ويشغل السيسي ولايته الانقلاببة الثالثة، بعد "فوزه الزائف" في "الانتخابات" الرئاسية عامي 2018 و2023.

وأوضح التقرير أن التعديلات الدستورية التي أُقرت في استفتاء عام 2019 مددت مدة الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست سنوات، بما يسمح باستمرار ولاية السيسي الحالية حتى عام 2030.

وبحسب المقال، لم يقدم السيسي تفسيرًا تفصيليًا لقراره المعلن بشأن التنحي، لكنه أكد، خلال كلمته، أن تعديل الدستور مجددًا لتمديد حكمه لن يكون مطروحًا، وقال إن الأمر «حُسم تمامًا ولن يُناقش»، في إشارة إلى أن انتقال السلطة بات، وفق تصريحاته، أمرًا محسومًا.

ويربط تشاتام هاوس بين الإعلان وعاملين رئيسيين، هما الأزمة الاقتصادية الممتدة التي تواجه مصر، ورؤية السيسي لدور المؤسسة العسكرية في حماية الدولة والنظام السياسي القائم.

أزمة اقتصادية والاقتراض

وضع المقال الأزمة الاقتصادية في مقدمة العوامل التي قد تفسر الإعلان، معتبرًا أن النموذج الاقتصادي القائم على الاقتراض لتمويل المشروعات الكبرى أسهم في تكريس اختلالات هيكلية، بينما عرقل الإصلاح الاقتصادي العاجل.

 

وأشار المعهد إلى أن ارتفاع أعباء الدين الحكومي يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى الخدمات العامة، في ظل تزايد الضغوط المعيشية على المواطنين.

وبحسب الأرقام الواردة في المقال، ارتفعت نسبة خدمة الدين إلى إجمالي النفقات المخططة في الموازنة المشار إليها إلى 63.9%، مقارنة بنحو 43% عام 2014، وأضاف التقرير أن مدفوعات الفائدة، محسوبة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، تتجاوز المخصصات المجمعة للتعليم والرعاية الصحية والأجور والدعم.

وفيما يتعلق بالدين الخارجي، ذكر المقال أنه ارتفع من 46.1 مليار دولار عام 2014، بما يعادل 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 164.8 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، بما يعادل 38.9% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويرى تشاتام هاوس أن التوسع في الاقتراض الحكومي لتمويل المشروعات الكبرى، بالتزامن مع زيادة أعباء خدمة الدين، أسهم في نشوء أزمة اقتصادية هيكلية، ورفع الضغوط على الموارد المالية للدولة.

الجنيه والتضخم والفقر

تناول المقال التراجع الحاد في قيمة الجنيه المصري خلال فترة حكم السيسي، مشيرًا إلى أن سعر الدولار ارتفع من نحو 7.14 جنيه في منتصف عام 2014 إلى نحو 53.8 جنيها في أكتوبر 2026، وفق الأرقام الواردة في النص.

كما أشار التقرير إلى ارتفاع معدل التضخم الحضري من 8.3% في مايو 2014 إلى 13.9% في سبتمبر 2026، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية انعكست على مستويات المعيشة خلال العقد الماضي.

وفيما يتعلق بالفقر، ذكر المقال أن البيانات الرسمية أظهرت وصول معدل الفقر الوطني إلى 35.7% في عام 2023.

وربط تشاتام هاوس بين ارتفاع تكاليف المعيشة والاختلالات الاقتصادية وتزايد الدين، معتبرًا أن هذه العوامل أثارت استياءً متزايدًا من السياسات الاقتصادية حتى بين بعض حلفاء النظام.

وأشار الكاتب إلى أن الأزمة الاقتصادية الممتدة تمثل تهديدًا لاستقرار النظام، وطرح احتمال أن يكون السيسي قد أدرك الحاجة إلى صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، لتجنب اضطرابات اجتماعية قد تهدد بقاء النظام أو تدفع البلاد إلى عدم الاستقرار.

كما طرح المقال احتمال أن يكون تجنب تكرار مصير الرئيس الأسبق حسني مبارك، الذي أُجبر على ترك منصبه خلال ثورة 25 يناير 2011، ضمن الحسابات المحتملة للسيسي. وأشار كذلك إلى احتمال وجود ترتيبات لحماية السيسي وأفراد أسرته من ملاحقات قضائية مستقبلية باعتبارها شرطًا محتملًا للتنحي، دون تقديم ذلك باعتباره اتفاقًا معلنًا أو حقيقة مؤكدة.

دور المؤسسة العسكرية

وانتقل المقال إلى العامل الثاني المرتبط بإعلان التنحي، وهو رؤية السيسي لطبيعة الدولة ودور المؤسسة العسكرية في الحفاظ على استقرارها.

وبحسب تشاتام هاوس، تشكلت هذه الرؤية بدرجة كبيرة تحت تأثير ثورة عام 2011، التي وصفها السيسي، وفق التصريحات التي يستشهد بها المقال، بأنها "شهادة وفاة الدولة المصرية".

وأشار التقرير إلى أن السيسي حذّر مرارًا، منذ توليه الرئاسة عام 2014، من أن ثورة شعبية جديدة قد تهدد وجود الدولة، كما ربط الازدهار الوطني باستبعاد ما يسميه "أهل الشر" من الحياة السياسية، وهو تعبير يرى الكاتب أنه يُفهم غالبًا على أنه إشارة إلى الإسلاميين.

وأضاف المقال أن السيسي حذّر أيضًا مما وصفه بالتهديدات التي تتعرض لها الذاكرة الوطنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعرض دوره ودور الجيش باعتبارهما مرتبطين بمنع الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.

المادة 200 من الدستور

تناول المقال المادة 200 من الدستور المصري، التي أُدرجت ضمن تعديلات عام 2019، مشيرًا إلى أن السيسي قال إنه أصر على إدراجها.

 

وتنص المادة، وفق مضمونها الدستوري، على أن القوات المسلحة ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، كما تتضمن اختصاصات تتعلق بحماية الدستور والديمقراطية والمقومات الأساسية للدولة ومدنيتها ومكتسبات الشعب وحقوق الأفراد.

ويرى تشاتام هاوس أن هذا الإطار الدستوري يمنح المؤسسة العسكرية دورًا مؤثرًا في تحديد توجهات الدولة، ويجعلها طرفًا رئيسيًا في القضايا المتعلقة باستقرار النظام السياسي.

وبحسب قراءة المقال، قد يرى السيسي أن التنحي في عام 2030 يتوافق مع رؤيته السياسية إذا تولى مسؤولون جرى إعدادهم داخل المؤسسات العسكرية مسؤولية تنفيذ هذه الرؤية بعد مغادرته الرئاسة.

الطابع العسكري

ذكر المقال أن السيسي أعلن، إلى جانب تعهده بالتنحي، عن برنامج تدريبي مدته 30 شهرًا لإعداد قيادات مستقبلية داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، بتمويل من القوات المسلحة.

ووفقًا للتفاصيل التي أوردها التقرير، سيُعد البرنامج مرشحين لتولي مناصب عامة تشمل الوزارة وعضوية مجلس النواب والمحافظات، وربما رئاسة الجمهورية، على أن تتاح للمصريين لاحقًا فرصة «الانتخاب والاختيار» من بين خريجيه، وفق ما نقله المقال عن السيسي.

وأوضح التقرير أن شروط الالتحاق بالبرنامج تشمل أن تتراوح أعمار المرشحين بين 40 و50 عامًا، وأن يكونوا حاصلين على درجة الدكتوراه، مع استثناء من شغلوا مناصب حكومية لمدة ست سنوات على الأقل.

وأشار تشاتام هاوس إلى أن اختيار الأكاديمية العسكرية لإعداد القيادات المستقبلية ليس أمرًا مفاجئًا، في ضوء دورها في تعزيز التوجهات القومية ذات الطابع العسكري والإشراف على التعيينات والترقيات داخل مؤسسات الدولة.

كما ذكر المقال أن هذا الدور أثار اعتراضات في بعض الأحيان، مستشهدًا باعتراضات من قضاة في يناير، بحسب المثال الوارد في النص الأصلي.

شروط التأهيل وحدود المنافسة السياسية

ويرى الكاتب أن ربط الوصول إلى المناصب السياسية ببرنامج تدريبي تشرف عليه المؤسسة العسكرية قد يؤدي إلى تضييق نطاق المرشحين المؤهلين لتولي المسؤوليات العامة.

وأشار المقال إلى أن هذا النظام قد يستبعد أشخاصًا لا يستوفون شروط المؤهل الدراسي أو لا يحصلون على موافقة الأكاديمية، كما قد يثير خلافات بشأن مدى توافقه مع القواعد الدستورية المنظمة للترشح والمشاركة السياسية.

وتناول التقرير احتمال أن يُستخدم النظام الجديد لتهميش المعارضين وجماعة الإخوان المسلمين والجنرالات المنافسين، وفق تقدير الكاتب، إلى جانب احتمال أن يواجه طعونًا قانونية أو اعتراضات دستورية.

كما حذّر المقال من أن اعتماد آلية جديدة لاختيار القيادات قد يشعل منافسة بين الأجهزة الأمنية الرئيسية والمؤسسات النافذة داخل الدولة.

 

مستقبل السلطة بعد عام 2030

وأشار تشاتام هاوس إلى أن البرنامج المعلن قد يفتح الباب أمام تولي مدنيين منصب الرئاسة، لكنه رأى أن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ العسكري في إدارة الدولة.

وبحسب المقال، من المرجح أن يحتفظ الجيش بتأثير حاسم في اختيار القيادة والتوجه الاستراتيجي للدولة، استنادًا إلى موقعه الدستوري ودوره في المؤسسات السياسية والأمنية.

 

كما طرح الكاتب احتمال استمرار نفوذ السيسي السياسي بعد مغادرته المنصب، نتيجة احتفاظه بعلاقات الولاء وشبكات النفوذ التي تشكلت خلال فترة حكمه.

 

وفي هذا السياق، تناول المقال إمكانية ترسيخ نموذج غير رسمي للوصاية العسكرية، بحيث تحتفظ المؤسسة العسكرية بنفوذ يتجاوز صلاحيات الرئيس والحكومة حتى بعد عام 2030، وشبّه هذا الاحتمال بوضع الجيش في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي.

هل يعيد السيسي النظر؟!

ذكر المقال أن قرار التنحي قد يواجه مقاومة من المؤسسات والشخصيات النافذة داخل شبكة المصالح المرتبطة بالنظام، إذا رأت أن مغادرة السيسي للسلطة قد تهدد مصالحها.

وأشار الكاتب إلى أن هذه المحاولات قد تتصاعد إذا انخرط الجيش المصري في صراعات إقليمية أو شهدت المنطقة مزيدًا من التصعيد العسكري.

وفي هذا السياق، أورد التقرير أن السيسي سعى مؤخرًا للحصول على تفويض من البرلمان لنشر قوات مصرية للدفاع عن المملكة العربية السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين.

كما طرح المقال احتمال أن يؤدي تدهور مستويات المعيشة واندلاع اضطرابات اجتماعية إلى إعادة تقييم السيسي لقرار التنحي، إذا رأى أن بقاءه في السلطة هو الضمان الأفضل لاستقرار الدولة.

الحكم المدني

تناول المقال احتمال أن يسهم إعلان التنحي في فتح المجال أمام انتقال سياسي نحو حكومة أقل استبدادًا على المدى الطويل، إذا جرى تنفيذ التعهد بصورة سلمية ومنظمة.

وأشار تشاتام هاوس إلى أن تنفيذ الإعلان قد يؤسس لتقليد جديد في الحياة السياسية المصرية، بحيث يغادر الحاكم منصبه بصورة طبيعية بدلًا من استمرار حكمه حتى الوفاة أو الإطاحة به.

وربط الكاتب هذا الاحتمال بمدى التزام السيسي بوعده، واستمرار الاستقرار الاجتماعي حتى عام 2030، وإمكانية النظر إلى المدنيين باعتبارهم مؤهلين لتولي المسؤوليات القيادية.

كما أشار إلى أن نجاح هذا المسار يتوقف على طبيعة النظام الذي سيُقام بعد التنحي، وحدود نفوذ المؤسسة العسكرية، ومدى قدرة القيادات المدنية على ممارسة سلطاتها ضمن إطار سياسي أكثر انفتاحًا.