تتصاعد حالة الغضب داخل شركات إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء في مصر، على خلفية قرار وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت وقف زيادات مالية أُقرت لنحو 133 ألفاً من المهندسين والفنيين والمحاسبين والعاملين بالقطاع، بعد شهر واحد من اعتمادها وصرفها، بالتزامن مع تغييرات واسعة في قيادات الشركات، وتحركات حكومية لإعادة هيكلة القطاع وخفض نفقاته.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه المواطنون ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء، واستمرار أزمة العدادات الكودية، ومناقشة مقترحات لتعديل شرائح الاستهلاك قد تؤدي إلى زيادة الأعباء المالية على ملايين الأسر.
وتكشف الأزمة عن مفارقة لافتة؛ فبينما تتجه الوزارة إلى تقليص النفقات وإعادة ترتيب أوضاع الشركات، يشكو العاملون من تآكل أجورهم وتزايد أعبائهم الوظيفية، في حين يخشى المستهلكون أن تنتهي عملية إعادة الهيكلة إلى تحميلهم مزيداً من التكاليف دون معالجة جذرية لمشكلات الإدارة والديون والفاقد الكهربائي.
وقف زيادات 133 ألف عامل يشعل الغضب داخل الشركات
بدأت الأزمة عقب قرار وزير الكهرباء وقف العمل بزيادات الرواتب التي أقرها مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر في سبتمبر الماضي، قبل حل المجلس وإحالة رئيسه المهندس جابر دسوقي إلى التقاعد، ضمن تغييرات شملت عدداً من قيادات شركات الإنتاج والتوزيع.
وبحسب مصادر عمالية، تراوحت الزيادات التي حصل عليها المهندسون بين 5 و10 آلاف جنيه شهرياً، فيما تراوحت زيادات الفنيين بين 3 و7 آلاف جنيه، وصُرفت بالفعل عن شهر سبتمبر، قبل أن يتقرر وقفها لحين الانتهاء من مراجعة اللوائح المالية والإدارية.
وبرر الوزير قراره بالحاجة إلى إعادة هيكلة شركات الكهرباء وإعداد لائحة موحدة للعاملين، بعد رصد اختلافات في أسس احتساب الحوافز والبدلات والمزايا المالية بين العاملين في 18 شركة تابعة للقطاع.
لكن العاملين ينظرون إلى الخطوة باعتبارها تراجعاً عن حقوق مالية سبق إقرارها، خصوصاً أن الزيادات جاءت، وفق ممثلين عنهم، لمعالجة سنوات طويلة من تراجع القوة الشرائية للأجور وتجميد العلاوات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى هؤلاء أن الحديث عن توحيد اللوائح لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإلغاء الزيادات، أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم، دون ضمانات واضحة بشأن الحقوق المالية التي حصلوا عليها بالفعل.
إعادة هيكلة أم تقليص حقوق العاملين؟
تتزامن أزمة الرواتب مع خطة واسعة لإعادة ترتيب الإدارة داخل شركات الكهرباء، تشمل تغيير قيادات في تسع شركات توزيع وست شركات لإنتاج الطاقة، إلى جانب الشركة المصرية لنقل الكهرباء وشركة الخدمات الطبية.
وبحسب المعلومات الواردة من مصادر عمالية، يُنتظر تنفيذ التغييرات على مراحل تمتد حتى يونيو 2027، وهو ما يثير مخاوف من استمرار تجميد الزيادات المالية حتى نهاية العام المالي الجاري.
وتقول الوزارة إن إعادة الهيكلة تستهدف تحسين الأداء ورفع كفاءة التشغيل وخفض النفقات، باعتبارها جزءاً من التعامل مع الضغوط المالية التي تواجه القطاع.
غير أن قيادات عمالية تتساءل عن أسباب تحميل العاملين جانباً من تكلفة الإصلاح، بينما لم تُعلن بصورة تفصيلية نتائج تقييم أداء الإدارات السابقة، أو حجم الوفورات المتوقع تحقيقها من تغيير القيادات، أو الضمانات التي تكفل عدم المساس بالمستحقات المالية للعاملين.
وتزداد هذه التساؤلات في ظل اتجاه حكومة عبد الفتاح السيسي إلى خفض الأعباء المالية المرتبطة بقطاع الطاقة، ضمن سياسات إصلاح اقتصادي ارتبطت ببرامج التعاون مع صندوق النقد الدولي، وشهدت زيادات متكررة في أسعار الكهرباء وتقليصاً تدريجياً لبعض أشكال الدعم.
14 عاماً من تآكل الأجور.. والعمال يدفعون الثمن
لا تقتصر الأزمة داخل شركات الكهرباء على الزيادة الأخيرة، إذ تشير مصادر عمالية إلى أن العاملين يعانون منذ سنوات من تراجع مستويات الأجور والحوافز مقارنة بارتفاع الأسعار، بالتزامن مع انخفاض أعداد العاملين نتيجة التقاعد وعدم تعويض الخارجين من الخدمة بالوتيرة المطلوبة.
ووفق تقديرات نقلتها المصادر، خرج أكثر من 100 ألف عامل إلى التقاعد خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى زيادة أعباء العمل على من تبقوا في مواقع الإنتاج والتشغيل والصيانة والتحصيل.
وتشير المصادر إلى حصول نحو 10 آلاف عامل على إجازات للعمل بالخارج، في محاولة لتحسين أوضاعهم المعيشية، بينما تقدم آلاف آخرون بطلبات مماثلة للعمل داخل مصر أو خارجها، وسط شكاوى من القيود المفروضة على الموافقة على الإجازات.
كما تحدثت عن تقدم مئات العاملين باستقالاتهم، احتجاجاً على تدني الأجور والحوافز وصعوبة الحصول على الإجازات الاعتيادية، إلى جانب الضغوط المرتبطة بطبيعة العمل في محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع.
وتصف قيادات عمالية الأوضاع داخل الشركات بأنها حالة من «الفوران المكبوت»، بدأت تظهر في تجمعات للعاملين داخل بعض المحطات والمكاتب، إلى جانب إرسال شكاوى إلى رئاسة الجمهورية للمطالبة بالتدخل وتحسين أوضاعهم.
ويؤكد العاملون أن تشغيل مرفق حيوي مثل الكهرباء يتطلب الحفاظ على الكفاءات الفنية والخبرات المتراكمة، خصوصاً أن أي نقص في فرق التشغيل والصيانة قد ينعكس على جودة الخدمة وسلامة المنشآت.
مخاوف على سلامة المحطات مع نقص العمالة والصيانة
تحذر مصادر عمالية من أن استمرار الضغوط على العاملين، بالتزامن مع تقليص النفقات، قد ينعكس سلباً على كفاءة تشغيل المحطات وسرعة التعامل مع الأعطال وحالات الطوارئ.
واستشهدت المصادر بحريق تعرضت له إحدى محطات التوليد الحرارية في جنوب الدلتا، بقدرة تبلغ نحو 600 ميجاواط، قالت إنه أدى إلى خروجها من الخدمة لعدة أشهر، واستلزم الاستعانة بشركة جنرال إلكتريك الأميركية للمشاركة في أعمال الإصلاح، بتكلفة قدرتها بعشرات الملايين من الدولارات.
وربطت المصادر بين الحادث وما وصفته بالتراخي في التعامل مع بعض حالات الطوارئ، لكن تحديد الأسباب الفنية للحريق والمسئوليات المرتبطة به يتطلب الاطلاع على نتائج التحقيقات والتقارير الفنية المختصة.
وتطرح الواقعة، وفقاً للمصادر، تساؤلات بشأن مدى كفاية مخصصات الصيانة والتدريب، وأثر نقص الكوادر الفنية على قدرة المحطات على مواجهة الأعطال المفاجئة.
فخفض تكاليف التشغيل قد يحقق وفورات مالية قصيرة الأجل، لكنه قد يتحول إلى عبء أكبر إذا جاء على حساب الصيانة الوقائية أو الاحتفاظ بالعمالة المؤهلة، خصوصاً في قطاع تتطلب منشآته معايير مرتفعة من السلامة والاستعداد للطوارئ.
أزمة العدادات الكودية تصل إلى البرلمان
بالتوازي مع الغضب العمالي، تواجه وزارة الكهرباء أزمة أخرى تتعلق بالعدادات الكودية، بعدما انتقلت شكاوى المواطنين إلى تحركات برلمانية تطالب بإلزام الوزارة بتنفيذ قرارات إعادة المستحقين إلى نظام شرائح الاستهلاك.
وكشف النائب أحمد السنجيدي، في تصريحات صحفية، أن التحرك النيابي بدأ بمشاركة 59 نائباً خلال دور الانعقاد الأول، قبل أن يتطور إلى استجواب موجه إلى وزير الكهرباء، بسبب ما وصفه بتجاهل مطالب النواب واستمرار معاناة المواطنين.
وأوضح أن التحركات جاءت استجابة لشكاوى متكررة من المواطنين بشأن ارتفاع فواتير الكهرباء، وتأخر إنهاء إجراءات تحويل العدادات الكودية إلى النظام القانوني، رغم استيفاء بعض المشتركين شروط التصالح على مخالفات البناء.
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة للأسر محدودة الدخل وأصحاب المعاشات، الذين يشكون من استمرار محاسبتهم بأسعار أعلى من شرائح الاستهلاك المعتادة، رغم حصولهم على المستندات المطلوبة لتقنين أوضاع وحداتهم.
ويرى نواب أن معالجة الأزمة لا تتطلب إصدار تعليمات وزارية فقط، وإنما تستلزم متابعة تنفيذها داخل شركات التوزيع والإدارات التجارية، المسؤولة عن مراجعة المستندات وتحديث بيانات المشتركين وتغيير نظم المحاسبة.
1.2 مليون عداد تنتظر التسوية.. وتأخر التحويل يضاعف الأعباء
بحسب الأرقام الواردة في المادة، بلغ عدد العدادات المستهدف تحويلها إلى الوضع القانوني منذ أغسطس الماضي نحو 1.2 مليون عداد، تخص أصحاب وحدات حصلوا على شهادات تصالح.
وفي المقابل، لم تنجز الوزارة سوى تحويل نحو 605 آلاف عداد، ما يعني استمرار انتظار مئات الآلاف من المشتركين لاستكمال الإجراءات.
وتشير هذه الأرقام إلى أن نحو نصف الحالات المستهدفة لا تزال بحاجة إلى استكمال إجراءات التحويل، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن أسباب التأخير، وما إذا كانت ترتبط بنقص الكوادر أو تعقيد الإجراءات أو ضعف التنسيق بين الجهات المختصة.
ويقول متضررون إن استمرار تطبيق نظام المحاسبة المرتبط بالعدادات الكودية، بعد استيفاء شروط التصالح، يضاعف أعباء الفواتير ويجعلهم يتحملون تكاليف إضافية رغم تسوية أوضاعهم القانونية.
ولا تتعلق المشكلة بقيمة الفاتورة وحدها، وإنما تمتد إلى مدى التزام الجهات التنفيذية بتطبيق القرارات الصادرة، وحق المواطن في الحصول على الخدمة وفق النظام الذي يستحقه دون تأخير إداري.
17 مليار جنيه إضافية.. هل تستعد الحكومة لتعديل شرائح الكهرباء؟
تزداد المخاوف مع تصريحات وزير الكهرباء بشأن إمكانية إعادة تصميم شرائح الاستهلاك، بما قد يرفع إيرادات القطاع بنحو 17 مليار جنيه.
وأوضح محمود عصمت أن الوزارة تراجع هيكل الشرائح وآليات توزيع الدعم، مشيراً إلى أن التداخل بين الشرائح يوفر دعماً داخلياً تقدر قيمته بنحو 17 مليار جنيه.
ورغم عدم الإعلان عن قرار نهائي بتطبيق نظام جديد، فإن الحديث عن إعادة احتساب الشرائح يثير قلق المستهلكين، خصوصاً إذا أدى إلى زيادة قيمة الفواتير على الأسر التي يرتفع استهلاكها خلال أشهر الصيف.
وتكمن حساسية هذا الملف في أن نظام الشرائح لا يحدد سعر الكيلووات فقط، وإنما يحدد أيضاً كيفية احتساب الاستهلاك عند الانتقال من شريحة إلى أخرى، ومدى احتفاظ المشترك بالأسعار الأقل للكميات الأولى التي استهلكها.
وأي تغيير في هذه الآلية قد يؤدي إلى ارتفاع الفاتورة حتى دون زيادة جميع الأسعار المعلنة، وهو ما يجعل الإفصاح عن طريقة الحساب وتأثيرها على مختلف مستويات الاستهلاك ضرورة قبل اتخاذ أي قرار.
مقترح بسبع شرائح.. حماية الاستهلاك المحدود وزيادات كبيرة للأعلى
في مواجهة الجدل بشأن الأسعار، طُرحت رؤية لإعادة هيكلة شرائح الكهرباء تقوم على حماية الاستهلاك الأساسي للأسر الأولى بالرعاية، مقابل تحميل أصحاب الاستهلاك المرتفع نسبة أكبر من التكلفة.
ويتضمن المقترح سبع شرائح تبدأ بسعر 50 قرشاً للكيلووات/ساعة للاستهلاك من صفر إلى 50 كيلووات/ساعة، وترتفع إلى 90 قرشاً للشريحة من 51 إلى 150، ثم 1.50 جنيه للشريحة من 151 إلى 300.
وتصل الأسعار المقترحة إلى 2.25 جنيه للشريحة من 301 إلى 400 كيلووات/ساعة، و3.50 جنيه للشريحة من 401 إلى 650، ثم 6.50 جنيه للشريحة من 651 إلى 1000، وصولاً إلى 10 جنيهات لكل كيلووات/ساعة فيما يزيد على ألف كيلووات/ساعة.
ويستهدف المقترح، وفق التصور المطروح، ضمان احتفاظ المستهلك بالاستفادة من أسعار الكيلووات الأولى، وعدم إعادة محاسبة كامل الاستهلاك من البداية عند الانتقال إلى شريحة أعلى.
كما يدعو إلى تسريع تقنين أوضاع العدادات الكودية، ومواجهة الفاقد الفني وسرقات التيار، بدلاً من تحميل المستهلكين الملتزمين تكلفة الهدر.
ومع ذلك، فإن الأسعار المقترحة للشرائح المتوسطة والعليا قد تؤدي إلى زيادات كبيرة في فواتير بعض الأسر، كما أن رفع أسعار الكهرباء للأنشطة الصناعية والتجارية والزراعية قد ينعكس على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
ولا يمثل هذا التصور، وفق المعلومات المتاحة في المادة، قراراً حكومياً نهائياً، وإنما مقترحاً يحتاج إلى دراسة آثاره الاجتماعية والاقتصادية قبل إقراره.
المواطن والعامل في مواجهة أزمة واحدة
تكشف التطورات المتلاحقة داخل قطاع الكهرباء عن أزمة تتجاوز الخلاف بشأن زيادة الرواتب أو تعديل شرائح الاستهلاك، وتمتد إلى طريقة إدارة المرفق وتوزيع أعبائه المالية بين الدولة والشركات والعاملين والمستهلكين.
فالعاملون يطالبون بالحفاظ على حقوقهم المالية وتحسين ظروف العمل، بينما يطالب المواطنون بفواتير عادلة وإجراءات واضحة لإنهاء أزمة العدادات، في وقت تركز فيه الوزارة على إعادة الهيكلة وخفض تكاليف التشغيل وزيادة الكفاءة.
لكن نجاح أي إصلاح لا يمكن قياسه بحجم النفقات التي جرى تقليصها أو الإيرادات الإضافية التي يمكن تحصيلها فقط، وإنما بمدى انعكاسه على استقرار الخدمة، وحماية العاملين، وخفض الفاقد، وتحسين الإدارة، وتخفيف الأعباء عن المستهلكين.
وتزداد أهمية هذه المعايير في ظل التساؤلات المستمرة بشأن مديونيات قطاع الكهرباء وتكلفة إنتاج الطاقة، وما إذا كانت الزيادات المتتالية في الأسعار تعالج بالفعل أسباب العجز المالي، أم تكتفي بنقل جزء من أعبائه إلى المواطنين.
من يحاسب المسئولين عن اختلالات قطاع الكهرباء؟
تطرح الأزمة الراهنة أسئلة تستحق إجابات واضحة من وزارة الكهرباء وحكومة الانقلاب: لماذا أُقرت زيادات رواتب العاملين ثم أُوقفت بعد صرفها؟ وما الضمانات التي تحول دون ضياع حقوقهم خلال إعادة الهيكلة؟ وكيف ستؤثر التغييرات الإدارية على كفاءة التشغيل والصيانة؟
وفي المقابل، لماذا يستمر تأخر تحويل مئات الآلاف من العدادات الكودية رغم استيفاء أصحابها إجراءات التصالح؟ وما التأثير الحقيقي لأي تعديل محتمل في شرائح الكهرباء على فواتير الأسر المصرية؟
والأهم، هل تستهدف إعادة الهيكلة معالجة أسباب الخسائر والديون والفاقد، أم أنها ستنتهي إلى تقليص حقوق العاملين وزيادة إيرادات الشركات من جيوب المستهلكين؟
إن إصلاح قطاع الكهرباء لا ينبغي أن يتحول إلى معادلة يدفع فيها العامل ثمن خفض النفقات، ويدفع المواطن ثمن زيادة الإيرادات، بينما تغيب المحاسبة العلنية عن القرارات الإدارية والمالية التي ساهمت في تراكم الأزمات.
وبين غضب 133 ألف عامل ومخاوف ملايين المشتركين من ارتفاع الفواتير، يبقى التحدي الحقيقي أمام حكومة السيسي هو إثبات أن إعادة الهيكلة تستهدف إصلاح قطاع الكهرباء بالفعل، وليس مجرد إعادة توزيع أعباء أزماته على الفئات الأقل قدرة على تحملها.