«اتركوا إيران وشأنها».. عُمان تتحدى معادلة الأمن الأمريكي وتدعو إلى تحالف خليجي مع طهران

- ‎فيعربي ودولي

في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتتزايد المخاوف من اتساع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خرج وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بمواقف صريحة تتجاوز الدعوة التقليدية إلى التهدئة، لتضع أسسًا مختلفة للتعامل مع أمن الخليج ومستقبل علاقاته بالقوى الدولية.

ففي مقابلة مع قناة «Channel 4 News» البريطانية، نُشرت في 27 أكتوبر، وجّه البوسعيدي رسالة مباشرة بشأن إيران، قائلًا: «اتركوا إيران وشأنها»، داعيًا إلى الابتعاد عن مسار التصعيد العسكري والعودة إلى الحلول الدبلوماسية.

ولم تتوقف مواقفه عند رفض الحرب، بل امتدت إلى انتقاد المنظومة الأمنية التي تشكلت في الخليج على مدى عقود، معتبرًا أن استبعاد إيران من ترتيبات الأمن الإقليمي، والاعتماد المفرط على القوى الخارجية، أسهما في تعقيد الأزمات بدلًا من حلها.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من أنها تأتي على لسان مسؤول يتولى وزارة الخارجية في دولة خليجية ترتبط بعلاقات مع أطراف متعارضة، وتؤدي دورًا في الوساطة بين واشنطن وطهران. كما أنها تفتح نقاشًا حساسًا حول مدى قدرة دول المنطقة على صياغة نظام أمني مستقل، بدلًا من ترك القرارات الاستراتيجية رهينة حسابات القوى الكبرى.

 

«اتركوا إيران وشأنها».. رفض واضح لمنطق الحرب

في مقابلته التلفزيونية، دعا البوسعيدي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الابتعاد عن مزيد من التصعيد ضد إيران، مؤكدًا أن طريق السلام يمر عبر معالجة الخلافات بالوسائل الدبلوماسية، لا عبر تدمير الدول وتوسيع نطاق الحرب.

وتضمن حديثه موقفًا لافتًا من مسألة الرد الإيراني على الهجمات التي تعرضت لها البلاد، إذ أشار إلى أن استهداف إيران لجيرانها أمر مؤسف، لكنه طرح ضرورة فهم السياق الذي نشأت فيه المواجهة، بدلًا من التعامل مع ردود الأفعال بمعزل عن أسباب التصعيد.

ولا يعني هذا الموقف إقرارًا باستهداف دول الخليج أو تبريرًا لأي اعتداء على أراضيها؛ لكنه يرفض، في جوهره، اختزال الأزمة في سلوك طرف واحد، ويدعو إلى النظر في السياسات التي تدفع المنطقة إلى دوامة من الضربات والردود المضادة.

وفي منطقة تتشابك فيها المصالح الأمنية والاقتصادية، يمكن أن تتحول أي مواجهة واسعة إلى أزمة تتجاوز أطرافها المباشرة، فتضرب حركة التجارة والطاقة والملاحة البحرية، وتضع الدول المجاورة أمام مخاطر لا تستطيع عواصمها التحكم في جميع نتائجها.

ومن هنا، تبدو رسالة الوزير العُماني أبعد من مجرد التعبير عن موقف سياسي من الحرب؛ فهي دعوة إلى مراجعة المقاربة التي تجعل المواجهة مع إيران أساسًا لترتيبات الأمن الخليجي، بدلًا من البحث عن صيغة تمنع الصراع وتضع قواعد واضحة للعلاقات بين دول المنطقة.

 

تحالف من ثماني دول.. إيران جزء من الحل لا طرفًا خارجه

في محاضرته التي ألقاها في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج في 26 أكتوبر، تحت عنوان «الأمن الشامل في الخليج»، طرح البوسعيدي تصورًا لنظام أمني إقليمي يجمع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب إيران والعراق.

وتقوم الفكرة على أن الدول المطلة على الخليج ينبغي أن تتحمل المسئولية الرئيسية عن أمنها، وأن تشارك جميعها في صياغة الترتيبات التي تنظم العلاقات بينها، بدلًا من بناء نظام يستبعد إحدى القوى الإقليمية الرئيسية ويعاملها باعتبارها التهديد الذي يجب أن تتوحد بقية الدول لمواجهته.

وقال البوسعيدي إن استبعاد إيران من منظومة الأمن الخليجي على مدى عقود كان له آثار سلبية عميقة، وإن أي بنية أمنية لا تشمل الدول الثماني تظل غير مستقرة من الناحية الهيكلية.

وتحمل هذه الرؤية اعتراضًا مباشرًا على منطق تقسيم المنطقة إلى معسكرين متواجهين، أحدهما عربي خليجي والآخر إيراني، وعلى افتراض أن أمن دول الخليج لا يمكن تحقيقه إلا من خلال ترتيبات عسكرية تستهدف احتواء طهران.

لكن بناء نظام أمني شامل لا يعني تجاهل الخلافات القائمة أو تجاوز المخاوف الخليجية من السياسات الإيرانية، بل يقتضي تحويل هذه الخلافات إلى موضوع تفاوض واتفاقات وضمانات متبادلة، بدلًا من تركها تتحول باستمرار إلى مواجهات عسكرية.

وفي هذا الإطار، دعا الوزير العُماني إلى حوار إقليمي جديد، مستلهمًا تجربة اجتماع مسقط عام 1976، مع اقتراح أن يكون إبرام ميثاق عدم اعتداء بين الدول الثماني هدفًا رئيسيًا للمسار المقترح.

ويمثل هذا الطرح محاولة للانتقال من إدارة الصراع إلى وضع قواعد مشتركة لمنعه، بما يشمل احترام سيادة الدول، وتطوير الثقة المتبادلة، ومعالجة النزاعات عبر الحوار، والتوصل إلى تفاهمات بشأن أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

 

واشنطن ومظلة الحماية.. من يحدد أولويات أمن الخليج؟

الجانب الأكثر حساسية في خطاب البوسعيدي يتعلق بطبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، فقد انتقد اعتماد دول الخليج طويلًا على القوى الخارجية في توفير الأمن، معتبرًا أن هذه العلاقة، رغم ما قدمته من دعم عسكري وسياسي، فرضت تكاليف استراتيجية على المنطقة، وأبقت القرارات المتعلقة بمستقبلها مرتبطة بأولويات أطراف من خارجها.

ووفق رؤية الوزير العُماني، لم تؤدِ ترتيبات الأمن القائمة إلى تسوية الخلافات الإقليمية، بل أسهمت أحيانًا في جعلها أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما جرى التعامل مع إيران باعتبارها التهديد الذي تُبنى على أساسه التحالفات الأمنية.

وتطرح هذه الرؤية سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع دول الخليج الاعتماد على ترتيبات عسكرية خارجية لحماية مصالحها في جميع الظروف، أم أن المصالح الأمريكية قد تتعارض، في لحظات معينة، مع أولويات دول المنطقة؟

ولا يعني هذا بالضرورة أن مسقط تدعو إلى قطع العلاقات مع واشنطن أو التخلي عن الشراكات الدولية. فقد أوضح البوسعيدي أن المطلوب ليس إلغاء هذه الشراكات، وإنما تغيير طبيعتها، بحيث لا يبقى الدور العسكري الخارجي هو العنصر الأساسي في بنية الأمن الإقليمي.

ودعا إلى أن تتجه الشراكات مع الدول من خارج المنطقة تدريجيًا نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج، بدلًا من الاعتماد المستمر على الوجود العسكري والقواعد وأنظمة التسليح.

وبهذا المعنى، فإن الرسالة العُمانية لا تتعلق فقط بوجود قواعد أمريكية في المنطقة، بل بمراجعة فلسفة الأمن التي تجعل حماية الدول مرتبطة أساسًا بالقوة العسكرية الخارجية، بدلًا من بناء تفاهمات إقليمية قادرة على الحد من أسباب الصراع.

كما تفتح التصريحات نقاشًا حول جدوى الإنفاق العسكري الضخم إذا لم يقترن بآليات سياسية تمنع اندلاع الحروب، وتحمي البنية الاقتصادية، وتضمن ألا تتحول أراضي دول المنطقة ومياهها إلى ساحات لتبادل الضربات بين قوى متنافسة.

 

مضيق هرمز.. الدبلوماسية التي اقتربت من الاتفاق

احتل مضيق هرمز موقعًا رئيسيًا في حديث البوسعيدي، بالنظر إلى أهميته لحركة التجارة والطاقة، وإلى أن أي اضطراب واسع في الملاحة عبره ينعكس على اقتصادات المنطقة والأسواق العالمية.

وأوضح الوزير أن سلطنة عُمان شاركت في جهود تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي، كما أدت دورًا في محادثات تتعلق بترتيبات الملاحة البحرية عبر المضيق.

وأشار إلى أن المفاوضات السابقة بين واشنطن وطهران حققت، من وجهة نظره، تقدمًا مهمًا، وأن التوصل إلى اتفاق كان ممكنًا، معتبرًا أن العناصر الأساسية اللازمة لاستئناف التفاوض لا تزال موجودة، رغم أن العودة إلى طاولة الحوار أصبحت أكثر صعوبة بعد الحرب.

كما تحدث عن اتصالات ومشاورات بين عُمان وإيران بشأن ترتيب مؤقت للملاحة عبر مضيق هرمز، لكنه أشار إلى أن تنفيذ هذا الترتيب يواجه عقبات سياسية، وأن استعادة حرية الملاحة تتطلب تفاهمًا عمليًا بين واشنطن وطهران، بما يشمل التراجع عن بعض الإجراءات التي أسهمت في تعليق حركة المرور البحري.

وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة أساسية في الأزمة: فالمسار الدبلوماسي، وفق التقييم العُماني، لم يكن مغلقًا بالضرورة، لكن الحرب جعلت التوصل إلى تفاهم أكثر تعقيدًا، ورفعت تكلفة العودة إلى التفاوض.

ومن هنا، ترفض المقاربة العُمانية التعامل مع التصعيد باعتباره قدرًا لا مفر منه، وتتمسك بإمكانية استعادة المسار السياسي، حتى في ظل اتساع الخلافات وانعدام الثقة بين الأطراف.

وفي المقابل، لا يقدم الوزير ضمانًا بأن الاتفاق بات وشيكًا أو أن استئناف المفاوضات سيؤدي حتمًا إلى تسوية؛ بل يشدد على أن ذلك يتوقف على استعداد الأطراف لتقديم تنازلات والتوصل إلى تفاهمات عملية.

 

من كامبريدج إلى العواصم الخليجية.. دعوة لتولي زمام المبادرة

في خطابه بجامعة كامبريدج، لم يكتفِ البوسعيدي بتشخيص أزمة النظام الأمني القائم، بل دعا دول الخليج إلى تحمل مسئولية أكبر عن مستقبل المنطقة، محذرًا من أن استمرار الاعتماد على القوى الخارجية يترك المجال مفتوحًا أمام ترتيبات لا تعكس بالضرورة احتياجات شعوب المنطقة وأولوياتها.

وأكد أن الشراكات الخارجية لا ينبغي أن تختفي، لكن دورها في منظومة الأمن الإقليمي يجب ألا يظل في موقع القيادة، داعيًا إلى إعطاء الأولوية للحوار بين الدول الثماني، وبناء الثقة، والتعاون الاقتصادي والاستثماري.

وتتجاوز أهمية هذا الطرح حدود الخلافات الراهنة مع إيران، لأنه يثير سؤالًا أوسع بشأن قدرة دول المنطقة على الانتقال من موقع المتلقي للترتيبات الدولية إلى موقع المشارك الفاعل في صياغة مستقبلها.

فوجود علاقات عسكرية مع قوى كبرى لا يلغي حق الدول في مراجعة مدى توافق هذه العلاقات مع مصالحها، كما أن التعاون الأمني لا ينبغي أن يحول دون تطوير ترتيبات إقليمية مستقلة قادرة على معالجة أسباب النزاعات.

لكن تحويل هذه الدعوة إلى واقع يظل مهمة شديدة التعقيد؛ إذ يتطلب تجاوز انعدام الثقة المتراكم، والتعامل مع مخاوف دول الخليج من السياسات الإيرانية، والتوصل إلى قواعد متفق عليها بشأن عدم الاعتداء واحترام السيادة وأمن الملاحة.

كما يتطلب استعدادًا سياسيًا من جميع الأطراف للقبول بمنظومة لا تقوم على فرض الإرادة من جانب واحد، وإنما على التزامات متبادلة وآليات واضحة لمعالجة الخلافات.

 

الموقف العُماني.. استقلال القرار لا يعني تجاهل المخاطر

تتمتع سلطنة عُمان بموقع دبلوماسي يسمح لها بالتواصل مع أطراف متعارضة، وقد استثمرت هذا الموقع في جهود الوساطة والحوار بين واشنطن وطهران، فضلًا عن دورها في مناقشة ترتيبات الملاحة عبر مضيق هرمز.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تصريحات البوسعيدي باعتبارها امتدادًا لنهج يقوم على خفض التصعيد، والحفاظ على قنوات الاتصال، ورفض اختزال العلاقات الإقليمية في التحالفات العسكرية المتقابلة.

غير أن أهمية الموقف لا ينبغي أن تحجب التحديات التي تواجه تطبيقه. فالدعوة إلى إشراك إيران في منظومة الأمن الخليجي لا تضمن وحدها إنهاء الخلافات، كما أن تقليص الاعتماد على القوى الخارجية لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعلان سياسي، وإنما يتطلب ترتيبات أمنية واقتصادية قابلة للتنفيذ.

ويحتاج أي نظام إقليمي جديد إلى ضمانات تمنع الاعتداءات، وآليات مستقلة لمعالجة النزاعات، وتفاهمات واضحة بشأن أمن الحدود والممرات البحرية، فضلًا عن التزامات قابلة للتحقق من جميع الدول المشاركة.

ومع ذلك، فإن طرح هذه القضايا علنًا يمثل تحديًا للمقاربات التي اعتادت التعامل مع أمن الخليج باعتباره ملفًا تديره القوى الكبرى من الخارج، بينما تظل دول المنطقة معرضة لتداعيات قرارات لا تتحكم وحدها في مساراتها.

 

هل تتحول التصريحات إلى مشروع إقليمي؟

تكمن أهمية مواقف وزير الخارجية العُماني في أنها لا تكتفي بالدعوة إلى وقف إطلاق النار أو استئناف المفاوضات، بل تطرح مراجعة أوسع للمنظومة الأمنية التي حكمت الخليج لعقود.

فإشراك إيران والعراق في ترتيبات الأمن، وتطوير ميثاق عدم اعتداء، وإعادة تعريف دور الشراكات العسكرية الخارجية، كلها أفكار تتجاوز المعالجة المؤقتة للأزمة، وتتجه نحو البحث عن صيغة أكثر استقلالًا وشمولًا لإدارة الخلافات الإقليمية.

لكن الاختبار الحقيقي لا يكمن في صراحة التصريحات وحدها، بل في مدى استعداد العواصم الخليجية وطهران وبغداد لتحويلها إلى مسار تفاوضي واضح، يضع المصالح المتعارضة على طاولة واحدة، ويحدد الالتزامات والضمانات المطلوبة من كل طرف.

وفي الوقت الذي يظل فيه خطر الحرب حاضرًا، تكتسب الدعوة إلى الدبلوماسية أهمية إضافية، لأن استمرار المواجهة لا يهدد طرفًا بعينه فقط، بل يضع أمن المنطقة واقتصاداتها وممراتها البحرية أمام مخاطر واسعة.

لقد وضع البوسعيدي أمام دول الخليج سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل يستمر أمن المنطقة معتمدًا على ترتيبات عسكرية تقودها قوى خارجية، أم تبدأ دولها في بناء نظام إقليمي تشارك فيه جميع الأطراف، بما فيها إيران، وتكون الدبلوماسية فيه أداة أساسية لمنع الحرب؟

قد تختلف العواصم بشأن الإجابة، وقد تتباين تقديراتها للمخاطر والفرص، لكن النقاش الذي فتحته مسقط يعيد السيادة على القرار الأمني إلى صدارة الأسئلة المتعلقة بمستقبل الخليج، ويضع مسئولية التعامل مع أزماته أمام دول المنطقة نفسها.