اكتشافات جديدة وجحيم في بيوت الشعب .. السيسي يرفع أسعار الغاز الطبيعي للمصانع كثيفة الانتاج

- ‎فيتقارير

قرر رئيس الوزراء بحكومة السيسي رفع أسعار الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستهلاك، ما يمثل ضغطاً هيكلياً يمتد أثره من جدران المصانع إلى جيوب المستهلكين.

وعندما يقفز سعر الغاز لمصانع الأسمنت إلى 14 دولاراً، وللحديد والصلب والبتروكيماويات إلى 7.75 دولار، فإننا لا نتحدث عن أرقام مجردة في الجريدة الرسمية، بل عن "تسونامي" محتمل من زيادات الأسعار في مواد البناء والسلع الاستهلاكية والمنتجات الكيماوية.

مفارقة في الاكتشافات

كلما تدفق الغاز من الحقول، جفت السيولة في الجيوب، بهذا تتجلى في المشهد الاقتصادي المصري الراهن حالة من التضاد الصارخ، حيث ترسم الاكتشافات الغازية المتلاحقة صورة لدولة غنية بالإمكانات، بينما تفرض القرارات السعرية واقعاً مثقلاً بالأعباء.

ويأتي قرار مدبولي في الوقت الذي تعلن فيه وزارة البترول عن نجاحات استكشافية كبرى، مثل بئر "Nidoco N-2" في دلتا النيل بمعدلات إنتاج تصل إلى 50 مليون قدم مكعب يومياً، والآمال المعقودة على حقل "غرب مينا" لإضافة 160 مليون قدم مكعب في عام 2026.

إلا أن المواطن والقطاع الصناعي وجدوا أنفسهم أمام معادلة سعرية لا تعترف بوفرة الموارد، بل تخضع لمنطق "رفع الدعم" وتقليص الفجوة التمويلية. هذه المفارقة تضعنا أمام تساؤل جوهري حول جدوى الاكتشافات بالنسبة للمواطن العادي، إذا كانت زيادة الإنتاج تسير جنباً إلى جنب مع قفزات سعرية تجعل الطاقة بعيدة المنال لأكثر القطاعات حيوية في البلاد.

وحذر مراقبون من  أن ارتفاع اسعار غاز المصانع بنسبة تصل إلى 35% في بعض القطاعات، يهدد بتآكل الميزة التنافسية للصناعة المحلية ويجعل من تكلفة "المعيشة في ظل البناء" حلماً مكلفاً يصعب تحقيقه لشرائح واسعة من الشعب المصري الذي يواجه أصلاً تضخماً غير مسبوق في أسعار الوقود والخدمات الأساسية.

ويبرز تأثير هذه القرارات بحسب المراقبين، على حياة الناس من خلال "دورة التكلفة" التي تبدأ من المصنع وتنتهي عند مائدة الطعام أو سقف المسكن. إن رفع أسعار الغاز للأسمدة غير النيتروجينية والأنشطة الصناعية الأخرى يعني حتماً زيادة في تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وهو ما يترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار السلع النهائية.

وبينما يتحدث وزير البترول عن تقنيات المسح السيزمي رباعي الأبعاد والتحول نحو المياه العميقة لتعظيم الموارد، يرى المواطن أن "البعد الرابع" الحقيقي هو الفجوة المتسعة بين الدخل وتكاليف الطاقة. فالدولة التي تسعى لتلبية الطلب المحلي ودعم الصادرات، تضع المواطن في مواجهة مباشرة مع "الأسعار العالمية" في بلد لا تزال مستويات الدخل فيه بعيدة كل البعد عن تلك المعدلات، مما يخلق شعوراً بالاغتراب تجاه الموارد القومية التي كان يُفترض أن تكون صمام أمان في الأزمات لا أداة لزيادة الأعباء.

لمن تُغني الحكومة؟

 

يشير الكاتب مصطفى عبدالسلام عبر حسابه على فيسبوك إلى مطالعات صباحية من المسئولين بـ "بشارات" حول اكتشافات غازية جديدة، تارة في دلتا النيل عبر بئر (نيدوكو) بالشراكة مع "إيني"، وتارة في أعماق البحر المتوسط مع "شل". أرقام تلو الأرقام، وملايين الأقدام المكعبة من الغاز تُضاف إلى رصيد الدولة، لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط، ويتهرب منه صانع القرار بذكاء: أين نصيب "جيوب الفقراء" من هذه الكنوز؟ ولماذا كلما زاد الإنتاج، زادت الأعباء؟

وأضاف أن المفارقة الغريبة التي نعيشها اليوم في مصر، هي أن الحكومة التي تفاخر بزيادة إنتاج الغاز وتوسيع رقعة الاستكشاف، هي نفسها التي وقعت بـ "القلم العريض" على قرار رفع أسعار الغاز للمصانع والشركات. كيف يستقيم عقلاً أن نملك الفائض ونبحث عن التصدير، بينما نقوم بخنق الصناعة الوطنية بأسعار تصل إلى 14 دولاراً لمليون وحدة حرارية؟ هذا ليس مجرد قرار اقتصادي لتقليص الدعم، بل هو "رصاصة رحمة" تُطلق على تنافسية المنتج المصري، والنتيجة الحتمية هي قفزة جديدة في أسعار الحديد والأسمنت والسلع الغذائية، يدفع ثمنها في النهاية المواطن الذي قيل له يوماً إن حقول الغاز هي طريقنا نحو الرخاء.

وأشار إلى أن فلسفة "الجباية" التي تتبعها الحكومة حالياً، التي ترفع أسعار الوقود بنسبة 17% وتزيد من الأعباء الضريبية لتتخطى حاجز الـ 2 تريليون جنيه، تكشف عن انفصام حاد في الرؤية. فالدولة تتحدث بلغة "المستثمر الأجنبي" حين تمنحه الحوافز والاتفاقيات، لكنها تتحدث بلغة "الجابي القاسي" مع المصنع المحلي والمواطن المطحون. فما الفائدة من تكنولوجيا "المسح السيزمي رباعي الأبعاد" التي تفاخر بها وزارة البترول، إذا كانت لا ترى "البعد الإنساني" لمواطن لم يعد قادراً على تحمل فاتورة الكهرباء أو تأمين لقمة العيش؟

واعتبر أن الأزمة الحقيقية ليست في نقص الموارد، بل في "فقه الأولويات". الحكومة التي تتنازل عن مليارات الجنيهات كإعفاءات لمشاريع عقارية فاخرة، وتوجه سيولة البنوك لتمويل "ناطحات سحاب" لا يدخلها إلا الصفوة، هي نفسها التي تطالب العامل والفلاح بالتحمل والترشيد "باسم الوطنية". إننا أمام مشهد عبثي؛ حيث يُبنى وطن موازٍ للنخبة بأموال ومدخرات الفقراء، وبينما يتدفق الغاز من حقولنا إلى الأسواق العالمية، تظل بيوت المصريين ومصانعهم تحترق بنيران الأسعار.

وتساءل " حان الوقت لأن تعيد الحكومة النظر في هذه المعادلة الظالمة. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام في ميزانية تُرضي صندوق النقد، بل هو "بشر" و"حياة كريمة". إن استمرار سياسة "الهروب للأمام" وتجميل الواقع بالاكتشافات الغازية، بينما الواقع على الأرض يزداد قسوة، هو رهان خطر".

ويبدو أن المواطن الذي صبر طويلاً على الوعود، لن يشفع له "حقل غرب مينا" أو غيره، إذا ظل يشعر بأنه غريب في وطنه، يجدف في مركب مثقوب، بينما يجلس الآخرون في "جاكوزي" الرفاهية المشيد من عرق جبينه وضريبة ثلاجته.