وهذه مجرد أمثلة قليلة من كثير رأيته ولمسته بنفسي، ولو أردت أن أعدد مواقف النبل والكرم التي رأيتها من أهل السودان لما وسعني منشور ولا منشورات.
لهذا كله، يصعب عليّ أن أقرأ اليوم بعض العبارات الجارحة التي تُطلق أحيانا بحق السودانيين، أو أن أرى من يتعامل معهم وكأنهم غرباء لا حق لهم في الاحترام أو الكرامة.
إن مصر التي كانت عبر تاريخها ملاذا للمستضعفين والفارين من الحروب يجب أن تبقى كذلك. لا ينبغي أن تسمح لنا الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية بأن نفقد إنسانيتنا، أو أن نعامل الملهوفين بغير ما نحب أن نُعامل به لو كنا مكانهم
إن من حق السوداني علينا -نحن المصريين- أن نتذكر؛ نتذكر أن هذا الشعب فتح أبوابه لعشرات الآلاف من المصريين في أوقات الشدة، ونتذكر أن كثيرا من المصريين عاشوا وعملوا وتاجروا وتعلموا في السودان على مدار عقود طويلة، ونتذكر أن ما بيننا وبين السودان ليس مجرد حدود سياسية رسمها الاستعمار، وإنما تاريخ مشترك ونيل واحد وروابط أسرية واجتماعية تمتد عبر أجيال متعاقبة.
والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن الشعب السوداني يعيش اليوم واحدة من أصعب المحن في تاريخه الحديث؛ ملايين النازحين واللاجئين فقدوا بيوتهم وأعمالهم واستقرارهم، وكثير منهم لم يغادر بلاده اختيارا، وإنما فرارا من الحرب والخوف والمجهول. وفي مثل هذه الظروف تُختبر أخلاق الأمم والشعوب.
إن مصر التي كانت عبر تاريخها ملاذا للمستضعفين والفارين من الحروب يجب أن تبقى كذلك. لا ينبغي أن تسمح لنا الأزمات الاقتصادية أو الضغوط المعيشية بأن نفقد إنسانيتنا، أو أن نعامل الملهوفين بغير ما نحب أن نُعامل به لو كنا مكانهم.
ولهذا فإن رسالتي إلى المصريين بسيطة وواضحة: استوصوا خيرا بأهل السودان، عاملوهم بما تحبون أن يُعامَل به أبناؤكم لو اضطرتهم الأيام إلى الغربة. تذكروا أن كثيرا منكم أو من أقاربكم أو أصدقائكم وجد يوما في السودان مأوى، أو رزقا، أو كرامة، أو فرصة حياة جديدة. ولا تكونوا عونا على ضحايا الحرب والمحنة، ولا تسمحوا لخطاب الكراهية أن يفسد ما بناه التاريخ من محبة وأخوة.
ورسالتي إلى أهل السودان كذلك: اعلموا أن ما يصدر من بعض الجهال أو المتعصبين لا يمثل الشعب المصري كله، كما لا نقبل نحن أن يُحكم على السودان من خلال تصرفات أفراد معدودين. فما زال في مصر ملايين يعرفون قدر السودان وأهله، ويحملون لهم من المحبة والامتنان أكثر مما تتسع له الكلمات.
أما أنا، فسأبقى ما حييت أذكر للسودان وأهله فضلهم، وأعلم أولادي أن لهذا البلد الكريم دينا في أعناقنا لا يسقط بالتقادم، وأن الوفاء ليس ترفا أخلاقيا، بل واجب على كل من عرف المعروف وأحسن إليه الناس.
اللهم احفظ السودان وأهله، واجبر كسرهم، وفرّج كربهم، ورد إليهم أمنهم واستقرارهم، واجزهم عن كل يد امتدت بالعون، وعن كل باب فتحوه لمحتاج أو غريب خير الجزاء. اللهم ألّف بين قلوب شعوبنا، وأبعد عنها أسباب الفرقة والبغضاء، واجعل ما بين مصر والسودان دائما أخوّة ورحمة وتعاونا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
محبة السودان وأهله دين في أعناق كثير من المصريين الشرفاء، لا ينسونه ما حيوا. وأختم مقالي بدعوة مفتوحة لكل من مرّ بتجربة مع أهل السودان، أو احتفظ بذكرى جميلة معهم، أن يشاركها، لنجعل من هذا المقال مساحة صغيرة لتبادل الوفاء والذكريات الطيبة، وتأكيد أن ما يجمع بين الشعوب أكبر بكثير مما يفرّقها.