ينام ويستيقظ المصريون، على الجدل حول ثلاث أزمات معقدة، على الرغم من المشاكل اليومية المزمنة، خصوصاً المعيشية الخانقة، والاقتصادية الصعبة، والسياسية المرتبكة، والاجتماعية البائسة، إلا أنه بدأ واضحاً أن هناك تعايشاً سلمياً، أو تطبيعاً مؤقتاً، فرض نفسه على الحياة المعيشية بكل آلامها، وعلى الحياة الاقتصادية بمختلف أبعادها، وأيضاً على الحياة السياسية، الداخلي منها رغم مخاطره، والخارجي منها رغم تبعاته، ما يجعل الحياة تسير يوماً بعد يوم، بما قبل العاصفة، التي يعتبرها المراقبون أمراً حتمياً، يخشاها المواطن والنظام في الوقت نفسه، وذلك لعدم القدرة على التنبؤ بالنتائج.
لأن الهجرة أو اللجوء، قضية عالمية، وإنسانية بالدرجة الأولى، يصبح من الضروري التعامل معها من خلال قنوات شرعية وقانونية، تضمن للمهاجر حقه، وللمجتمع أيضاً حقه، بما يحفظ للجانبين كل مقومات السلامة والأمن، حتى لا تصبح القضية على صفيح ساخن
الأزمة الأولى: تتعلق بقضية اللاجئين في شوارع وأزقة المدن المصرية، وما قد يحمله ذلك من مخاطر عديدة، يتعلق الأول منها بمخاوف تتعلق بتغيير البنية الديمغرافية المصرية، من خلال مخطط خارجي، كما هو شائع أيضاً في دول المغرب العربي، مع الهجرة الأفريقية كثيفة العدد، التي بلغت في مصر وحدها نحو عشرة ملايين نسمة، حسب أرقام متداولة، إذا أضفنا هجرات أخرى من عدة دول عربية شقيقة، غير أفريقية، من بينها العراق وسوريا واليمن، وهو الأمر الذي لم يتداركه المصريون، إلا بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتشار الظاهرة، بعد رفض هؤلاء وأولئك العودة لبلدانهم طواعية، ما جعل الدولة تلجأ إلى عمليات ترحيل قسرية الآن.
الأمر الآخر المتعلق بالمخاطر، هو الحديث عن تفشي الجريمة، بين المهاجرين بعضهم بعضاً، أو باستهداف المصريين أنفسهم في بعض الأحيان، بينما يرى البعض أن حصولهم على بعض الوظائف في حد ذاته، يساعد في زيادة نسبة البطالة بين المصريين، إلى غير ذلك من أمور، تتمثل في رفع أسعار إيجار الوحدات السكنية، وغير ذلك من عادات وتقاليد دخيلة على المجتمع، في الوقت الذي تقدم فيه بعض المنظمات والعواصم الأجنبية، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية، دعماً مالياً لهؤلاء، وللدولة المصرية في آن واحد، وهو ما يثير الكثير من الريبة، بالتزامن مع قيام الدولة بالتصدي لعمليات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، عبر البحر المتوسط.
ولأن الهجرة أو اللجوء، قضية عالمية، وإنسانية بالدرجة الأولى، يصبح من الضروري التعامل معها من خلال قنوات شرعية وقانونية، تضمن للمهاجر حقه، وللمجتمع أيضاً حقه، بما يحفظ للجانبين كل مقومات السلامة والأمن، حتى لا تصبح القضية على صفيح ساخن، كما في كثير من البلدان التي لم تستعد جيداً لهذه الحالة، خصوصاً تلك التي تعاني من أزمات اقتصادية ومالية خانقة، بما يوجب على المجتمع الدولي، تحمل مسؤولياته في هذا الصدد، مع احتدام الأزمة حالياً إلى حد كبير، لم تعد تستطع بعض البلدان التعامل معه، إلا من خلال المسار الأمني فقط، وهو أمر يتصادم لا محالة مع الجوانب الإنسانية والأخلاقية، التي كان يجب أن تسمو فوق أي طارئ.
لا يستطيع أحد، إغفال دور الإمارات في تمويل إنشاء سد النهضة الإثيوبي على مجرى نهر النيل، وما يمثله ذلك من ضرر بالغ لمصر وشعبها، كما لا نستطيع تجاهل دور الإمارات في دعم تمرد، ما تسمى قوات الدعم السريع في السودان، وما يمثله ذلك من عدم استقرار للحدود الجنوبية في مصر، إضافة إلى دعم المتمرد خليفة حفتر في ليبيا، وما يمثله ذلك أيضاً من عدم استقرار للحدود الغربية، ناهيك عن العلاقات الإماراتية المتنامية والمريبة مع الكيان الصهيوني
الأزمة الثانية: تتعلق بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث المفارقة الغريبة، في الاستقبال الحافل لرئيسها الشيخ محمد بن زايد في مصر على المستوى الرسمي، على خلاف موقف المواطن، الذي يخشى فيه من مثل تلك الزيارات المتتالية، على مستقبل الدولة المصرية، خشية مزيد من شراء أو تملك الأصول المصرية، ما بين أراضٍ ومنتجعات وموانئ ومستشفيات وشركات ومصانع وغيرها، وما يثار حولها من فرض نفوذ غير مقبول، مع شكوك واضحة حول المشتري الأصلي، وما إذا كانت هي الدولة العبرية، أو رأس المال الصهيوني حول العالم، إلى غير ذلك من هواجس، تسببت فيها ممارسات دولة الإمارات في المنطقة بشكل عام.
بالتأكيد لا يستطيع أحد، إغفال دور الإمارات في تمويل إنشاء سد النهضة الإثيوبي على مجرى نهر النيل، وما يمثله ذلك من ضرر بالغ لمصر وشعبها، كما لا نستطيع تجاهل دور الإمارات في دعم تمرد، ما تسمى قوات الدعم السريع في السودان، وما يمثله ذلك من عدم استقرار للحدود الجنوبية في مصر، إضافة إلى دعم المتمرد خليفة حفتر في ليبيا، وما يمثله ذلك أيضاً من عدم استقرار للحدود الغربية، ناهيك عن العلاقات الإماراتية المتنامية والمريبة مع الكيان الصهيوني، العدو التاريخيّ لمصر، وجميعها أمور تحتم على المواطن المصري التوقف أمامها طويلاً بالبحث، حتى وإن بدت السلطة الرسمية غير منزعجة، لأسباب غير خافية، تتعلق بدعم إماراتي سياسي ومالي في مرحلة ما.
الأزمة الثالثة: تتعلق بكلاب الشوارع، حيث تتحدث أرقام رسمية، عن نحو 40 مليون كلب، وأرقام أخرى عن 30 مليوناً، وثالثة عن 25 مليوناً، وهو ما يعني أن الأزمة خارج السيطرة، في الوقت الذي تشير فيه الأنباء عن دعم مالي خارجي كبير لـ"مافيا"، تضم فئات مختلفة بالمجتمع، متفاوتة الطبقات الاجتماعية، تقوم بالإنفاق بسخاء على إطعام هذه الكلاب، بدعوى الرحمة والشفقة، في الوقت الذي تشير فيه الأرقام إلى أن ما يزيد على 65 % من الشعب تحت خط الفقر، بالتأكيد هم أولى بهذا الإنفاق.
وإذا وضعنا في الاعتبار، الأرقام الرسمية أيضاً، التي تشير إلى مايزيد على مليون حالة عقر، يتعرض لها المواطنون كل عام بالشوارع، لأدركنا حجم المأساة، مع استيراد أمصال من الخارج، لمقاومة هذه الكارثة تتجاوز قيمتها 600 مليون دولار سنوياً، وما تمثله هذه الظاهرة أيضاً من مأساة تتعلق بالسياحة، والشكل الحضاري، والتلوث البيئي، ونشر وانتقال الأمراض والأوبئة، لأدركنا أننا أمام مخطط متكامل الأركان، للإضرار بالدولة المصرية، التي بدت صامتة تماماً، خشية اتهامات خارجية تتعلق بحقوق الحيوان، في الوقت الذي تعاني فيه حقوق الإنسان من انتهاكات لا حصر لها!
لنا أن نتخيل أننا أمام حالات مستعصية، تتعلق بغل يد الدولة، عن اتخاذ ما يلزم من إجراءات تتعلق بتأكيد استقلاليتها، أمام مواطنيها على أقل تقدير، وبما يضمن سلامتها وأمنها ومستقبلها في الوقت نفسه، خضوعاً لابتزاز من هنا، أو حفنة دولارات من هناك، جعلت من الدولة المصرية، في الحالة الأولى، حارساً على البحر المتوسط للحد من هجرات الأفارقة، وأحقيتهم في الفرار من جحيم الفقر والمعاناة، إلى الدول التي نهبت ثرواتهم ومازالت، ونحسب أننا نُحسن صنعاً، كما خضعت الدولة في الحالة الثانية لدراهم وفتات كيان متآمر، أضر بالدولة المصرية أيما ضرر، في الداخل والخارج، بينما في الحالة الثالثة، عجزت الدولة عن التصدي لكلاب مسعورة، خشية أخرى مأجورة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
عربى 21