دعوات دستور جديد تثير الجدل في مصر.. هل تمهّد لإعادة رسم المشهد السياسي وفتح مدد الرئاسة؟

- ‎فيتقارير

في ظل ظروف اقتصادية غاية في السوء، من بدلا من أن يبحث  نظام الانقلاب عن حلول عملية للخروج من أزمة الديون وحجم الفوائد وبيع  مقدرات الوطن للأجانب يسعي الي اعداد دستور جديد  لمصر، في الوقت الذي لم تطبق فيه مواد الدستور الحالي في مجالات حيوية مثل حقوق الانسان وحرية الاجتماعات العامة وحرية تداول المعلومات وحرية اصدار الصحف والمواقع وغيرها من ضروريات الحياة، ومن المعلوم ان المنقلب السيسي يدير الحياة السياسية من خلال الأجهزة السيادية  التي افرغتها من مضمونها فأصبحت الحياة السياسية صورة ديكوريه تُستخدم لتجميل صورة النظام  دوليا .

كانت مصادر حزبية قد كشفت عن اجتماع عُقد مؤخرا داخل أحد الأجهزة السيادية المعنية بإدارة ملف النشاط السياسي، ضم رؤساء وممثلي عدد من الأحزاب السياسية، تضمن توجيهات بزيادة الحضور السياسي والإعلامي للأحزاب خلال المرحلة المقبلة، في خطوة قالت المصادر إنها تستهدف إظهار قدر من الحيوية السياسية في البلاد، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن إعداد دستور جديد لمصر.

وطالب مسئولي الجهاز السيادي الأحزاب بتكثيف حضورها داخل مجلسي النواب والشيوخ، وزيادة وتيرة الفعاليات والندوات والتصريحات الإعلامية، مع إفساح مساحة لطرح مواقف تبدو معارضة في بعض الملفات، بما يعزز الانطباع بوجود حياة سياسية نشطة وتعدد في الآراء، من دون تجاوز "الخطوط الحمراء".

وأوضحت المصادر أن الاجتماع لم يتضمن حديثاً مباشراً عن تعديل الدستور أو إعداد دستور جديد، إلا أن مجمل النقاشات، أوحت بأن هذا الملف سيكون حاضراً خلال المرحلة المقبلة، وأن المطلوب هو تهيئة المجال العام لنقاشات سياسية أوسع.

وتأتي هذه المعلومات بالتزامن مع الجدل الذي أثارته الدعوة إلى إعداد دستور جديد، والتي خرجت قبل أيام من ندوة استضافتها مكتبة الإسكندرية بعنوان "التطورات التشريعية في الجمهورية الجديدة".
ودعا رئيس محكمة الاستئناف والباحث في القانون الدولي خالد القاضي خلال الندوة، إلى إعداد دستور جديد، معتبراً أن دستور 2014 وُضع في ظروف استثنائية، وأن الدولة أصبحت بحاجة إلى وثيقة دستورية جديدة تعبر عن المرحلة الراهنة.

 وطالب عضو ما يُسمى بمجلس الشيوخ ورئيس حزب المصريين الأحرار عصام خليل بكتابة دستور جديد لمصر. وقال في بيان،  إن "الجمهورية الجديدة التي تتشكل ملامحها بقيادة عبد الفتاح السيسي تستوجب فتح حوار وطني جاد حول بناء منظومة دستورية وتشريعية حديثة، قادرة على مواكبة متطلبات الدولة المصرية خلال العقود المقبلة، بعيداً عن منطق الترقيع أو الاكتفاء بمعالجة جزئية لبعض الملفات" مضيفا أن "مصر بحاجة إلى دستور يُعبّر عن فلسفة الجمهورية الجديدة، ويكون صالحاً لمختلف المراحل، ويرتكز على المبادئ الدستورية الكلية، بما يُحقق الاستقرار المؤسسي ويمنح السلطة التشريعية المساحة اللازمة لتطوير القوانين وفق احتياجات المجتمع ومتغيراته".
 

إيحاء بوجود حياة سياسية حقيقية في مصر

تأتي عودة النقاش حول مستقبل الدستور المصري بصورة مختلفة عن كل المرات السابقة، فبعد سنوات من الجدل الذي انحصر في تعديل بعض المواد الدستورية، خصوصاً تلك المتعلقة بمدة الرئاسة، ليبقى السيسي لمدة رئاسية ثالثة، برزت هذه المرة دعوات تتجاوز فكرة التعديل إلى المطالبة بصياغة دستور جديد بالكامل، في تطور يراه مراقبون مؤشراً إلى بدء تداول أفكار تتعلق بترتيبات المرحلة السياسية المقبلة في مصر وفتح المدد الرئاسية بدون حد أقصى.

ولا تبدو أهمية تصريحات خالد القاضي ورئيس حزب المصريين الأحرار في مضمونها فقط، وإنما في توقيتها والسياق الذي جاءت فيه. فمنذ إقرار دستور 2014، كان النقاش العام يدور حول تعديل مواد بعينها، وهو ما حدث بالفعل عام 2019 حين أُدخلت تعديلات دستورية مددت مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، وأتاحت للسيسي البقاء في السلطة حتى عام 2030. أما الحديث اليوم عن "دستور جديد" فيمثل انتقالاً من فكرة تعديل النصوص إلى إعادة تأسيس النظام الدستوري نفسه، وهو ما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء طرح الفكرة في هذا التوقيت، خصوصاً مع اقتراب انتهاء الولاية الحالية للرئيس ورغبة مسئولين في الدولة في إنهاء دور الأزهر في الحفاظ على الشريعة والرقابة على القوانين الماسة بالأحوال الشخصية للمصريين.

ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يفتح الباب أمام تكهنات بشأن إمكانية استخدام فكرة الدستور الجديد لإعادة ترتيب النظام السياسي، خصوصاً أن وضع دستور جديد يختلف قانونياً عن تعديل الدستور القائم، وقد تترتب عليه إعادة تنظيم السلطات والمؤسسات وفق قواعد جديدة، وفي ذات الوقت يعتبر معارضون أن دستور 2014 لم يُطبق في كثير من مواده المتعلقة بالحريات والفصل بين السلطات والرقابة على السلطة التنفيذية، وبالتالي فإن المشكلة لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في آليات التطبيق، وحتى الآن، لم يصدر أي موقف رسمي من الرئاسة أو الحكومة أو البرلمان يتبنى فكرة إعداد دستور جديد. 
 

تساؤلات حول الدعوات لدستور جديد

وقال الخبير في القانون الدستوري والقيادي الناصري، المحامي حامد جبر، إن الدعوات الأخيرة لإعداد دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي تثير تساؤلاً أساسياً، وهو: "لماذا الآن، وهل تُعبر هذه الدعوة عن توجه لدى السلطة التنفيذية، أم أنها مجرد اجتهادات فردية، وهل لدى الرئيس أسباب تدفعه إلى تبني هذا الطرح؟"، مضيفا أن التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019 كانت قد حسمت بالفعل مسألة مدد الرئاسة، بعدما مدَّدت الولاية الرئاسية من أربع سنوات إلى ست، مع استثناء الفترة التي قضاها الرئيس قبل التعديلات، وهو ما أتاح استمرار ولايته لفترة أطول، معتبرا أن تلك التعديلات صاحبتها "توسعات كبيرة في صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب السلطات الأخرى"، حتى أصبح مبدأ الفصل بين السلطات، وفق تعبيره، "حبراً على ورق"، مشيرا الي ان البرلمان لم يعد يمارس اختصاصه التشريعي والرقابي بالصورة التي نص عليها الدستور، في ظل غياب معارضة حقيقية.
ورأى أن انعكاسات تلك التعديلات ظهرت بوضوح في أداء المؤسسات الدستورية، قائلاً إن البرلمان لم يعد يمارس اختصاصه التشريعي والرقابي بالصورة التي نص عليها الدستور، في ظل غياب معارضة حقيقية، وسيطرة أغلبية تشكلت وفق نظام القائمة المطلقة، تؤيد مشروعات القوانين التي تتقدم بها السلطة التنفيذية، مضيفاً "حتى الاعتراضات المحدودة على بعض مشروعات القوانين تصدر من أطراف محسوبة على السلطة نفسها".

وأكد أنه إذا كانت الدعوة إلى دستور جديد تستهدف فتح مدد الرئاسة أو إلغاء القيود المفروضة عليها، فإن ذلك "يعني عملياً فقدان الأمل في تداول السلطة، وتقويض أي مسار نحو حياة ديمقراطية حقيقية"، محذراً من أن مثل هذا التوجه سينعكس سلباً على دور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

وفي الوقت نفسه، أوضح أنه لا يعتقد حتى الآن أن الدعوات التي طُرحت تعكس موقفاً رسمياً أو جاءت بتكليف من السلطة، قائلاً: "لا أظن حتى الآن أن من يطرح فكرة تغيير الدستور أو تعديله قد طُلب منه ذلك".

ورأى قاضٍ وخبير في الشئون الدستورية، طلب عدم ذكر اسمه، أن الدعوة إلى إعداد دستور جديد للبلاد "لم تصدر من فراغ"، وإنما جاءت خلال ندوة شاركت فيها شخصيات معروفة بقربها من السلطة، مشيراً إلى أن طبيعة المشهد العام في مصر لا تتيح، عقد ندوات عامة تتناول قضايا دستورية من منظور معارض، وهو ما يجعل من الضروري التساؤل عن الدوافع الحقيقية وراء إثارة هذا الملف في هذا التوقيت، مضيفا أن المبرر الذي طُرح خلال الندوة، وهو أن دستور 2014 وُضع في ظروف استثنائية، "لا يعدو كونه حديثاً إنشائياً لا يقدم أسباباً دستورية أو قانونية واضحة تستوجب كتابة دستور جديد"، متسائلاً: "ما هي الإشكاليات الجوهرية في الوثيقة الدستورية الحالية التي تفرض التخلي عنها بالكامل، ولماذا الآن؟"، مؤكدا من وجهة نظره، "لا توجد أسباب موضوعية تدفع إلى هذه الخطوة".

ورأى أن الدافع الحقيقي للدعوة يرتبط بمسألة مدد الرئاسة، موضحاً أن دستور 2014، بعد تعديله عام 2019، حسم مسألة الفترات الرئاسية، وأن أي محاولة جديدة لتعديل هذه المواد "ستبدو غير مقبولة داخلياً وخارجياً"، وهو ما قد يدفع، إلى طرح فكرة دستور جديد باعتباره مخرجاً قانونياً وسياسياً لتجاوز القيود التي يفرضها الدستور الحالي.

وأشار إلى أن ما طُرح في الندوة يمثل، "بداية لإطلاق الفكرة في المجال العام"، تمهيداً لتبنيها إعلامياً وسياسياً، لافتاً إلى أن الحديث عن الظروف التي كُتب فيها دستور 2014 لا يكفي لتبرير استبداله، خصوصاً أن السلطة الحالية نفسها أدخلت تعديلات دستورية واسعة عليه عام 2019، شملت تمديد مدة الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات، مع تطبيقها على الرئيس الحالي، بما أتاح استمرار ولايته حتى عام 2030.

وتساءل عما إذا كان المناخ السياسي والقانوني القائم يسمح بإعداد دستور يعبر عن توافق وطني، معتبراً أن "الأنظمة السلطوية، وفق التجارب الدستورية المقارنة، لا تنتج دساتير ديمقراطية تضمن الحقوق والحريات"، وأن أي عملية لكتابة دستور جديد في ظل الظروف الحالية "لن تؤدي إلا إلى مزيد من تقييد المجال العام وإهدار الحقوق والحريات".

ومن جانبه رفض الرئيس المؤسس لحزب الإصلاح والتنمية، النائب السابق ونائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان محمد أنور السادات، الدعوات المتصاعدة لإعداد دستور جديد للبلاد، معتبراً أن توقيتها "غير مناسب"، في ظل التحديات التي تواجهها مصر، داعياً إلى توجيه الاهتمام نحو القضايا الأكثر إلحاحاً التي تمس حياة المواطنين، قائلا إن الفترة الأخيرة شهدت تكرار دعوات من شخصيات مختلفة، من إعلاميين وصحفيين ثم قانونيين، للحديث عن إعداد دستور جديد، لكنه يرى أن "البلد لديه ما يكفيها من التحديات"، مضيفاً أن طرح هذا الملف في الوقت الراهن "ليس أولوية، وهناك ملفات أكثر إلحاحاً ينبغي التركيز عليها بما يخدم الوطن والمواطن".