تبدأ الحكاية من واقعة يقول صاحبها: "إنه عاشها بنفسه داخل معهد التغذية بشارع القصر العيني في القاهرة عام 1984"، كان الرجل قد ذهب إلى المعهد لزيارة مكتبته، وأراد تصوير بعض المواد العلمية التي يحتاج إليها، وبحسب روايته، أشارت إليه مديرة المكتبة إلى مركز أبحاث أمريكي داخل المعهد، قالت: "إنه يهتم بدراسة أنماط الغذاء لدى المصريين."
وحين حاول الدخول إلى المركز، فوجئ، وفق روايته، بأحد العاملين الأمريكيين يرفض دخوله ويخبره بأن المكان غير مسموح للمصريين بدخوله.
قد تبدو الواقعة، في ظاهرها، مجرد حادثة عابرة داخل مؤسسة علمية، لكنها بالنسبة إلى صاحبها تحولت لاحقًا إلى مدخل لأسئلة أكبر حول طبيعة الوجود الأجنبي داخل المؤسسات المصرية، وما إذا كانت بعض مشروعات التعاون العلمي والصحي والزراعي قد تجاوزت حدود البحث الأكاديمي إلى جمع المعلومات ودراسة المجتمع المصري بصورة تخدم أهدافًا أخرى.
ومن هنا تبدأ رواية أوسع، تربط بين مراكز أبحاث أجنبية، وسياسات التعليم والزراعة والصحة، وانتشار الفساد والسمسرة، وبين ما يعتبره صاحبها مسارًا طويلًا لإضعاف الدولة والمجتمع المصري.
من الحرب العسكرية إلى "الحرب الناعمة"
تنطلق هذه الرؤية من ملاحظة أساسية مفادها أن مصر خاضت عدة حروب مع إسرائيل، ورغم الهزيمة العسكرية في يونيو 1967، فإن المجتمع المصري، وفق هذا التصور، لم يفقد قدرته على الصمود، قبل أن يستعيد جزءًا من ثقته بنفسه خلال حرب أكتوبر 1973.
وبناءً على ذلك، يرى أصحاب هذا الطرح أن الصراع لم يعد بالضرورة يحتاج إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما يمكن أن ينتقل إلى مجالات أخرى تمس بنية المجتمع نفسه: التعليم، والغذاء، والزراعة، والصحة، والاقتصاد، والثقافة.
وهنا تظهر فكرة "الحرب الناعمة" باعتبارها محاولة لإضعاف قدرة الدولة والمجتمع من الداخل، لا عبر الجيوش والأسلحة، وإنما من خلال التأثير في المؤسسات والسياسات ونمط الحياة.
غير أن هذه الفرضية تحتاج إلى التمييز بين أمرين: وجود برامج ومراكز ومساعدات أجنبية بالفعل داخل مصر، وهو أمر يمكن توثيقه تاريخيًا، وبين القول بأنها كانت جزءًا من خطة موحدة لتغيير شخصية المصريين أو تفكيك الدولة، وهو ادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة.
إسرائيل ومصر.. اتهامات باختراق واسع
يستند هذا الطرح كذلك إلى تصريحات منسوبة إلى عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، في نوفمبر 2010، تحدث فيها، بحسب الرواية المتداولة، عن أهمية مصر في نشاط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وعن تطور العمل فيها منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وتنسب إليه الرواية حديثًا عن اختراقات سياسية وأمنية واقتصادية، وعن السعي إلى خلق بيئة متوترة ومنقسمة داخل المجتمع والدولة المصرية.
لكن مثل هذه التصريحات، نظرًا إلى خطورتها، تحتاج عند نشرها إلى الرجوع إلى نص المقابلة أو التصريح الأصلي ومصدره وتاريخه وسياقه الكامل، بدل الاكتفاء بالنقل المتداول عنها.
فالحديث عن نشاط استخباري إسرائيلي في مصر شيء، وإثبات أن سياسات بعينها في التعليم والزراعة والصحة كانت نتيجة مباشرة لذلك النشاط شيء آخر.
التعليم.. من إصلاح مطلوب إلى أزمة ممتدة
يمتد النقد إلى قطاع التعليم، حيث يشير الطرح إلى تغييرات متراكمة في الخريطة التعليمية ونظم الامتحانات ومناهج الدراسة، إلى جانب انتشار الغش وتسريب الامتحانات، والتفاوت في التصحيح، والتوسع في التعليم الخاص دون ربط كافٍ بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن تراكم هذه الظواهر لم يكن مجرد أخطاء إدارية منفصلة، وإنما أدى في النهاية إلى إضعاف جودة التعليم وإنتاج أجيال تحمل شهادات، لكنها لا تحصل بالضرورة على المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد.
غير أن تفسير هذه الأزمات باعتبارها نتيجة مباشرة لتدخل خارجي يحتاج إلى أدلة محددة لكل سياسة أو قرار، لأن عوامل داخلية كثيرة، من بينها ضعف الإدارة ونقص التمويل والزيادة السكانية وتغير سوق العمل، لعبت أيضًا أدوارًا في تشكيل أزمة التعليم.
المساعدات الأجنبية.. أين ذهبت الأموال؟
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل قضية المساعدات الأجنبية الموجهة إلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
وتتحدث الرواية عن مساعدات أمريكية كانت تصل إلى جمعيات تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية خلال تسعينيات القرن الماضي، مع اتهامات بتبديد نسبة كبيرة منها.
وتُذكر محافظة المنيا مثالًا، مع الإشارة إلى وصول حجم المعونة في إحدى السنوات إلى نحو 300 مليون جنيه، وادعاء أن أكثر من 90% منها كان يتم تبديده من القائمين عليها.
لكن هذه الأرقام، إذا كانت ستُنشر في تقرير صحفي، تحتاج إلى وثائق مالية أو تقارير رقابية تثبت قيمة المساعدات وأوجه إنفاقها ونسب المخالفات؛ لأن اتهام مسؤولين أو مؤسسات بتبديد أكثر من 90% من أموال مساعدات أجنبية اتهام بالغ الخطورة ولا يكفي فيه النقل غير الموثق.
سوق الدواء.. عندما تتحول الحاجة إلى فرصة للسمسرة
في قطاع الصحة، تنتقل الرواية إلى شركات الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية الأمريكية والغربية، متهمة بعض الشركات منذ تسعينيات القرن الماضي باستخدام العمولات والسمسرة والرشاوى للتأثير في بعض الأطباء والصيادلة العاملين في القطاعين العام والخاص.
وتشير المادة إلى وقائع ضبط مسؤولين في وزارة الصحة في قضايا فساد، من بينها مسؤول اتُّهم بطلب شرائط فيديو ذات محتوى جنسي مقابل تسهيل مصالح، وآخر قيل إنه حصل على 4.5 مليون جنيه.
هذه الوقائع، إن ثبتت بأحكام قضائية أو بيانات رسمية، تكشف مشكلة فساد حقيقية داخل قطاع حساس يمس صحة ملايين المصريين.
لكن وجود وقائع فساد أو رشوة في قطاع الدواء لا يعني تلقائيًا أن الشركات الأجنبية أو الغربية كانت صاحبة خطة موحدة لإفساد المنظومة المصرية بأكملها؛ فإثبات ذلك يحتاج إلى مستندات تكشف طبيعة العلاقة والجهات المتورطة وآلية التأثير.
هل كان الهدف تغيير الإنسان المصري؟
في جوهر هذه الرواية سؤال يتجاوز المؤسسات والوزارات:
هل يمكن أن يؤدي إضعاف التعليم والصحة والغذاء والإدارة، مع انتشار الفساد والمحسوبية، إلى تغيير طبيعة المجتمع نفسه؟
يرى أصحاب هذا الطرح أن الإجابة نعم، وأن أخطر ما يمكن أن تتعرض له دولة ليس خسارة معركة عسكرية، وإنما فقدان الثقة في مؤسساتها وانتشار الفساد داخلها وتحول المال إلى معيار للنجاح، وتراجع الإحساس بالمسؤولية العامة.
فعندما يصبح الحصول على الخدمة مرتبطًا بالواسطة، وتتحول الوظيفة العامة إلى فرصة للإثراء، ويصبح التعليم مجرد طريق للحصول على شهادة، ويتحول العلاج إلى سلعة يصعب على الفقير تحمل تكلفتها، فإن النتيجة لا تتوقف عند خسارة مؤسسة أو قطاع، وإنما تمتد إلى علاقة المواطن بالدولة نفسها.
بين المؤامرة والمسؤولية الداخلية
لكن قراءة هذه التحولات باعتبارها مؤامرة خارجية مكتملة الأركان تحمل خطرًا آخر، هو إعفاء المسؤولين المحليين من مسؤولية ما حدث.
فحتى لو ثبت وجود محاولات خارجية للتأثير في مصر، فإن نجاحها لا يمكن أن يتحقق من دون بيئة داخلية تسمح بذلك.
الفساد يحتاج إلى موظف يقبل الرشوة، والسمسرة تحتاج إلى مسؤول يفتح الباب أمامها، وسوء الإدارة يحتاج إلى مؤسسات لا تملك آليات فعالة للمحاسبة، وتسريب الامتحانات يحتاج إلى شبكات داخلية قادرة على الوصول إلى أوراق الأسئلة.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم ربما لا يكون فقط: «من حاول التأثير في مصر؟»، وإنما أيضًا: «لماذا أصبحت بعض مؤسسات الدولة قابلة للاختراق أو الفساد؟».
المعركة الحقيقية داخل المؤسسات
من هذه الزاوية، تبدو قضية النفوذ الأجنبي جزءًا من صورة أكبر تتعلق بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها.
فالتعاون الدولي في مجالات الصحة والزراعة والتعليم والبحث العلمي يمكن أن يكون مفيدًا عندما يخضع لقواعد شفافة، ويكون واضح الأهداف والتمويل، وتظل البيانات والقرارات الاستراتيجية تحت رقابة مؤسسات الدولة.
أما عندما تغيب الشفافية، وتضعف الرقابة، وتتداخل المصالح الخاصة مع العامة، فإن أي تعاون خارجي يمكن أن يتحول إلى مصدر نفوذ، أو على الأقل إلى مساحة تثير الشكوك حول طبيعة أهدافه.
وفي النهاية، لا تحتاج الدولة القوية إلى إغلاق أبوابها أمام العالم، وإنما تحتاج إلى مؤسسات قوية تعرف ما الذي يدخل إليها، ومن يموله، وما الذي يفعله، وما الذي يخرج منه.
فالقوة لا تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، وإنما أيضًا بمدى قدرة الدولة على حماية بياناتها، وتعليم أبنائها، وتأمين غذائها، وتوفير علاجهم، ومنع الفساد من تحويل مؤسساتها إلى ساحات للمصالح الخاصة.
وبين روايات عن مراكز أجنبية، واتهامات بالتدخل، ووقائع فساد موثقة أو تحتاج إلى توثيق، يبقى السؤال الأهم مفتوحًا:
هل تراجع بعض مؤسسات الدولة المصرية كان نتيجة مخططات خارجية، أم نتيجة تراكم أخطاء داخلية استغلتها قوى خارجية عندما وجدت البيئة المناسبة؟
الإجابة الجادة لا يمكن أن تأتي من الاتهامات وحدها، وإنما من الوثائق، وملفات التمويل، وتقارير الرقابة، والأحكام القضائية، وسجلات المؤسسات، وكل ما يسمح بفصل الحقيقة عن المبالغة، والوقائع عن التفسيرات السياسية.