لم تكن إسراء خالد سعيد تتخيل أن تتحول أحلامها الجامعية إلى سنوات طويلة من العزلة خلف القضبان، وأن يصبح انتظار يوم تخرجها من كلية الهندسة حلمًا مؤجلًا، بينما تمضي أجمل سنوات عمرها بعيدًا عن أسرتها وحياتها الطبيعية. ففي فجر 20 يناير 2015، داهمت قوات الأمن منزل أسرتها في محافظة بني سويف، واعتقلتها وهي في الحادية والعشرين من عمرها، وكانت تدرس بالفرقة الثالثة في كلية الهندسة، قسم التشييد والبناء.
منذ ذلك اليوم، دخلت إسراء رحلة قاسية من الاحتجاز والمحاكمات والأحكام العسكرية، انتهت بصدور أحكام بلغ مجموعها 18 عامًا، وبينما كانت يُفترض أن تستعد لاستكمال دراستها وبناء مستقبلها، وجدت نفسها في مواجهة اتهامات وصفتها في رسالة من محبسها بأنها لا تتناسب مع واقعها ولا مع طبيعة حياتها كطالبة جامعية.
وبعد أكثر من أحد عشر عامًا على اعتقالها، لا تزال قضية إسراء تطرح أسئلة مؤلمة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، وحقوق المحتجزات، والثمن الإنساني الذي تدفعه الأسر حين يُحرم أحد أفرادها من الحرية لسنوات طويلة.
"كأني كائن فضائي أو ساحرة شريرة".. اتهامات تنفيها وذكريات تسرق العمر
في رسالة وجهتها إلى الجهات المسئولة خلال سنوات احتجازها الأولى، عبّرت إسراء عن صدمتها من طبيعة الاتهامات المنسوبة إليها، ووصفت الصورة التي رُسمت عنها في أوراق القضية بأنها أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.
وقالت في رسالتها: "قالوا عني إنها خارقة القوى، شيطانة التدبير، مفسدة في البلاد والعباد"، مضيفة أنهم اتهموها بحيازة أسلحة وتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريبية، حتى شعرت، على حد تعبيرها، وكأنها "كائن فضائي أو ساحرة شريرة"
واستحضرت إسراء التناقض الذي تراه بين تلك الاتهامات وحياتها قبل الاعتقال، قائلة إنهم اتهموها بالتخريب والهدم بينما كانت طالبة بكلية الهندسة، في قسم التشييد والبناء.
وتابعت في رسالتها أن سنوات من عمرها ضاعت من دون أن تُتاح لها، بحسب روايتها، فرصة كافية لمواجهة الأدلة التي تثبت الاتهامات الموجهة إليها أو الدفاع عن نفسها على النحو الذي يبدد شكوكها بشأن عدالة الإجراءات.
وأضافت أن مجموع الأحكام الصادرة بحقها بلغ 18 عامًا، متسائلة عن غياب الاهتمام بقضيتها، رغم الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تمكين الشباب ورعاية الأجيال الجديدة.
وتعكس كلمات إسراء شعورًا بالخذلان يتجاوز جدران السجن؛ فهي لا تتحدث فقط عن فقدان الحرية، بل عن مستقبل تعطل، وتعليم لم يكتمل، وسنوات لا يمكن استعادتها.
وفاة الأب داخل السجن.. حرمان من الوداع الأخير
لم تتوقف مأساة إسراء عند الاعتقال والأحكام، بل امتدت إلى أكثر اللحظات قسوة في حياتها، حين توفي والدها، خالد سعيد، داخل محبسه في سجن بني سويف، بعد نحو شهرين من اعتقالها.
وبينما كان من المفترض أن تتمكن من وداع والدها والمشاركة في جنازته، مُنعت من مغادرة محبسها لحضور مراسم التشييع، لتواجه الفقد من خلف القضبان، محرومة من النظرة الأخيرة التي ينتظرها كل إنسان حين يرحل أحد والديه.
وكتبت إسراء عقب وفاته كلمات تختصر حجم الألم الذي عاشته، قائلة: "قلبي مبقتش حسة بيه من كتر وجعي على أبويا". لم تكن تلك الكلمات مجرد تعبير عن الحزن على فقدان الأب، بل شهادة إنسانية على قسوة أن يتلقى السجين خبر وفاة أقرب الناس إليه من دون أن يستطيع توديعه أو الوقوف إلى جوار أسرته في لحظة الفقد.
وتزداد قسوة هذه التجربة بالنظر إلى أن إسراء كانت نفسها محتجزة، وأن والدها توفي داخل السجن، في واقعة تثير تساؤلات بشأن ظروف احتجازه والرعاية الطبية التي تلقاها قبل وفاته، وهي مسائل تحتاج إلى تحقيق مستقل لتحديد المسؤوليات.
أم تقضي سنوات في طوابير الزيارة
لم تكن المعاناة حكرًا على إسراء وحدها؛ فقد امتدت إلى والدتها التي وجدت نفسها أمام واقع لم تكن تتخيله: ابنتها الشابة تقضي سنوات خلف القضبان، بينما تتحول الزيارات إلى نافذة محدودة تطل منها على حياة سُلبت منها تفاصيلها اليومية.
وفي رسالتها، تحدثت إسراء عن السنوات التي أمضتها والدتها في طوابير الزيارة، وعن الحزن الذي أثقل قلبها، حتى وصفت حالها بقولها إن عيني أمها ابيضّتا من الحزن والقهر على ما وصلت إليه ابنتها.
وكتبت مخاطبة وطنها: «وقضت أمي 5 سنوات في طوابير الزيارات تعاقَب على أنها والدتي»، قبل أن تضيف بمرارة: «و5 سنوات ألومها على جحود وطني وكيف لم تفرِّ منه هربًا.. لكنه الوطن».
تكشف هذه الكلمات جانبًا آخر من آثار الاحتجاز طويل الأمد؛ إذ لا يُحرم المعتقل من حريته وحده، بل تتحمل أسرته أيضًا أعباء نفسية واجتماعية متواصلة، وتعيش في حالة انتظار مفتوحة لا تعرف متى تنتهي.
وبالنسبة إلى أم إسراء، لم تعد الزيارة مجرد لقاء عائلي عابر، بل أصبحت وسيلتها الوحيدة للاطمئنان على ابنتها ومواساتها، في ظل غياب اليقين بشأن موعد انتهاء معاناتها.
"باب الزنزانة ده هيموتني".. العزلة النفسية خلف القضبان
في رسالة أخرى من محبسها، وصفت إسراء أثر العزلة والسجن على حالتها النفسية، قائلة: «باب الزنزانة ده هيموتني.. بفضل قاعدة قدامه أدامه طول الليل بعيط.. لحد ما أنام».
تكشف هذه الكلمات عن جانب شديد القسوة من تجربة الاحتجاز؛ فالباب الذي يفصل السجينة عن العالم الخارجي لا يمثل مجرد حاجز مادي، بل يتحول إلى رمز للحرمان من الأسرة والحياة اليومية والمستقبل الذي كانت تخطط له قبل اعتقالها.
ومع امتداد السنوات، يصبح الانتظار نفسه عبئًا نفسيًا؛ إذ تعيش السجينة على أمل أن ينتهي الاحتجاز وتعود إلى حياتها، بينما تتراكم في الخارج تغيرات لا تستطيع المشاركة فيها، وتفوتها مناسبات وذكريات ولحظات لا يمكن تعويضها.
ولا يمكن اختزال ما تصفه إسراء في تجربة فردية معزولة؛ فالاحتجاز المطول، حين يقترن بالحرمان من الروابط الأسرية وتعطل التعليم والمستقبل المهني، قد يترك آثارًا عميقة تمتد إلى ما بعد الإفراج، وتحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي يساعد المعتقلات السابقات على استعادة حياتهن.
أحد عشر عامًا من العمر الضائع والتعليم المؤجل
كانت إسراء في بداية العشرينيات عندما اعتُقلت، في مرحلة عمرية كان يُفترض أن تنشغل فيها باستكمال دراستها الجامعية والاستعداد للعمل وبناء مستقبلها.
لكن سنوات الاحتجاز المتعاقبة حرمتها من متابعة مسارها التعليمي بصورة طبيعية، وأبعدتها عن زميلاتها وعن التحولات التي شهدتها حياتهن، بينما ظلت هي تواجه واقع السجن وأحكامًا طويلة الأمد.
وبعد مرور أكثر من أحد عشر عامًا، لم تعد الخسارة مقتصرة على سنوات الدراسة التي فاتتها؛ فقد امتدت إلى فرص العمل والاستقلال وتكوين الحياة الخاصة، فضلًا عن فقدان اللحظات العائلية التي لا يمكن استعادتها.
ويطرح ذلك سؤالًا حقوقيًا أوسع بشأن التناسب بين العقوبات والاتهامات، وضمانات المحاكمة العادلة، ومدى مراعاة الظروف الشخصية والسن ومستقبل المتهمين، ولا سيما حين يتعلق الأمر بشابة كانت في مقتبل العمر وقت القبض عليها.
كما يسلط الضوء على ضرورة ضمان ألا تتحول سنوات الاحتجاز إلى عقوبة تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها، بما في ذلك الآباء والأمهات الذين يتحملون أعباء الانتظار والقلق، من دون أن تكون لهم قدرة على تغيير مصير أبنائهم.
مطالب حقوقية بمراجعة القضية وضمان العدالة
تضع قضية إسراء خالد سعيد أمام الجهات المعنية مسئولية النظر في ظروف احتجازها والأحكام الصادرة بحقها، ومراجعة الإجراءات القضائية التي خضعت لها، مع ضمان حقها في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية.
كما تبرز الحاجة إلى إتاحة المعلومات المتعلقة بمراحل قضيتها والأحكام الصادرة فيها، وتمكينها من التواصل مع أسرتها ومحاميها، وضمان الرعاية الصحية والنفسية اللازمة طوال فترة الاحتجاز.
ويقتضي التعامل مع مثل هذه القضايا عدم الاكتفاء بالأحكام النهائية أو الروايات الرسمية، بل إتاحة المجال لفحص الاتهامات والأدلة والإجراءات، بما يضمن حماية الحقوق الأساسية، ويحول دون استمرار معاناة إنسانية طويلة من دون مراجعة جادة.
إن مرور أكثر من عقد على اعتقال إسراء يجعل قضيتها أبعد من أن تكون مجرد ملف قضائي؛ فهي قصة طالبة فقدت سنوات شبابها، وابنة حُرمت من وداع والدها، وأم عاشت سنوات من الوجع في طوابير الزيارة، وأسرة لا تزال تنتظر أن تستعيد ابنتها حريتها.
الحرية لإسراء خالد سعيد، والعدالة لكل من حُرم من حريته دون ضمانات عادلة، والرحمة بكل أسرة تنتظر عودة أبنائها من خلف القضبان.