أكدت منظمة "هيومينا لحقوق الإنسان والمشاركة المدنية"(HuMENA)، تصاعد الإجراءات التي تستهدف الصحافة المستقلة في مصر، من حجب المواقع واستدعاء الصحفيين للتحقيق، إلى الحبس الاحتياطي والكفالات المالية والأحكام القضائية التي تطال المؤسسات الصحفية وحقها في الاستمرار.
وتناول تقرير حقوقي صادر عن المنظمة قضيتين رئيسيتين، الأولى اعتقال ستة من صحفيي منصة «متصدقش» @matsda2sh، والثانية الحكم بتغريم لينا عطا الله @Linaattalah، رئيسة تحرير «مدى مصر» @MadaMasr، ثلاثة ملايين جنيه وإغلاق الموقع ومصادرة معداته.
واستندت المنظمة إلى تتبع قضايا وإجراءات وقعت بين عامي 2017 و2026، وشهادات حقوقية وقانونية وتغطيات صحفية، معتبرة أن ملاحقة الصحافة لا تبدأ بالضرورة عند صدور حكم قضائي، بل قد تتحقق آثارها منذ لحظة الاستدعاء والتحقيق والحبس وتعطيل المؤسسات عن أداء عملها.
في تقرير حقوقي نشرته في 2 نوفمبر 2026 بعنوان "حول حرية التعبير والصحافة والعقاب في مصر" خصص مساحة رئيسية لقضية منصة "متصدقش"، التي شهدت اعتقال كامل فريق التحرير الموجود داخل مصر خلال الفترة من 28 إلى 30 سبتمبر 2026، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل.
وبحسب ما نقلته هيومينا عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي تتولى الدفاع عن الصحفيين، ألقي القبض على أربعة منهم من منازلهم، بينما جرى توقيف اثنين في الشارع، مع حجب أماكن احتجازهم عن أسرهم ومحاميهم لنحو خمسة أيام، رغم تقديم 18 بلاغاً إلى النيابة العامة.
وظهر الصحفيون لاحقاً أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 8083 لسنة 2026، وأصبحوا رهن الحبس الاحتياطي.
وأشار التقرير إلى أن اعتقال كامل الفريق لم يقتصر أثره على الصحفيين الستة، بل امتد إلى تعطيل عمل المنصة، التي تقدم محتوى متخصصاً في التحقق من المعلومات والتصريحات الرسمية والأخبار المتداولة.
وفي المقابل، أورد التقرير الرواية الرسمية للقضية، إذ قالت النيابة العامة، في بيان صدر يوم 7 أكتوبر، إن تحريات الأمن الوطني والتحقيقات نسبت المنصة إلى اللجنة الإعلامية لجماعة الإخوان، واستندت إلى أقوال منسوبة إلى متهمين ومراسلات إلكترونية وتحويلات مالية من الخارج، مؤكدة أن إجراءات الضبط والتفتيش تمت بإذن قانوني وأن التحقيقات جرت بحضور محامين.
ونفت منصة "متصدقش" تبعيتها للجماعة، مشيرة إلى أنها نشرت على مدى سنوات مواد تدقيق وتصحيح لمعلومات وتصريحات صادرة عن شخصيات وجهات محسوبة عليها.
كما اعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن الاتهامات أعادت تقديم ممارسات صحفية معتادة، مثل التنسيق بين أعضاء فريق التحرير وتحويل الأجور عبر البنوك، باعتبارها أدلة على نشاط غير مشروع.
شكاوى التعذيب بين إفادات الصحفيين وبيان النيابة
وتطرق تقرير هيومينا إلى الشكاوى التي نقلتها المبادرة المصرية عن الصحفيين المحتجزين، والتي تضمنت تعرض بعضهم للضرب والتجريد من الملابس والصعق بالكهرباء أثناء احتجازهم في مقار الأمن الوطني.
وبحسب ما أورده التقرير، قال معظم الصحفيين إنهم أجبروا على قراءة اعترافات مكتوبة أمام الكاميرا، فيما طالب الدفاع بالتحقيق في هذه الإفادات، والتعامل معها باعتبارها شكاوى من ضحايا، مع استبعاد الاعترافات التي قال الصحفيون إنها انتزعت بالإكراه.
وفي المقابل، قالت النيابة العامة "إنها لم ترصد إصابات ظاهرة على الصحفيين، وإن تقارير الطب الشرعي الخاصة بثلاثة ممن أبلغوا عن تعرضهم للعنف لم تظهر إصابات أو علامات تدل عليه".
واعترضت المبادرة المصرية على اعتبار ذلك كافياً لحسم الشكاوى، مشيرة إلى أن النيابة لم تستمع إلى الصحفيين بوصفهم مجنيّاً عليهم، ولم تستدع الضباط المشكو في حقهم.
كما أشار التقرير إلى أن المبادرة لم تجد، وفق ما عرضته، مواجهة للصحفيين بخبر أو تقرير محدد ثبت كذبه، رغم طول التحقيقات، ولفتت إلى أن بيان النيابة أشار إلى إبراز قصور مؤسسات الدولة وانتقاد أداء المسؤولين وتصعيد المشكلات الفئوية ضمن النشاط المنسوب إلى المتهمين.
الحبس الاحتياطي وضمانات حرية الصحافة
وانتقل التقرير إلى الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم قضايا النشر، مشيراً إلى أن المادة 71 من الدستور المصري تحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، مع استثناءات تتعلق بالتحريض على العنف والتمييز بين المواطنين والطعن في أعراض الأفراد.
وترى هيومينا أن توجيه اتهامات ذات طبيعة أمنية، مثل الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، إلى صحفيين يعملون في مؤسسات إعلامية مستقلة، ينقل القضية من نطاق المسؤولية عن المحتوى المنشور إلى إطار اتهامات أمنية أوسع.
كما تميز المنظمة بين العقوبة السالبة للحرية والحبس الاحتياطي، باعتبار الأخير إجراءً سابقاً على الحكم، لكنها ترى أن استخدامه المطول في قضايا الصحافة قد يؤدي عملياً إلى وظيفة عقابية، عندما يفقد الصحفي حريته وتتوقف المؤسسة عن العمل قبل الفصل القضائي في الاتهامات.
ونقلت المنظمة عن المبادرة المصرية أن الدفاع يرى عدم توافر المبررات القانونية للحبس الاحتياطي في حالة صحفيي «متصدقش»، وطالب بتطبيق بدائل قانونية له.
"مدى مصر" محاكمة بسبب الترخيص
وفي القضية الثانية، تناول التقرير الإجراءات التي طالت لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، والتي بدأت باستدعائها للتحقيق في 19 أكتوبر 2026، ثم استجوابها أمام نيابة أمن الدولة العليا في 21 أكتوبر لأكثر من ست ساعات.
وشملت التحقيقات، وفق التقرير، مسائل تتعلق بتمويل الموقع وإدارته وترخيصه، إلى جانب تغطيته احتجاجات داخل السجون.
ووجهت إلى عطا الله اتهامات بإدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة، قبل إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه، ثم إحالتها إلى المحاكمة في اليوم التالي بتهمة إدارة الموقع دون ترخيص.
وتشير هيومينا إلى أن مسار القضية انتهى إلى محاكمة تتعلق بالوضع الإداري للمؤسسة وترخيصها، دون أن تكون صحة التقرير الصحفي الذي تناولته التحقيقات هي موضوع الفصل القضائي في الجلسة.
واستعرض التقرير تاريخ طلبات الترخيص التي تقدمت بها «مدى مصر»، موضحاً أن المؤسسة تقدمت بطلب في عام 2018، ثم بطلب آخر في 2020، وتقول إدارتها إنها لم تتلق رداً رسمياً، ولم تعلم برفض الترخيص إلا خلال تحقيق مع لينا عطا الله عام 2022.
كما قدم الموقع طلباً جديداً في يونيو 2023، ظل دون رد، بحسب ما أوردته المنظمة.
3 ملايين جنيه وغلق الموقع
وتوقف تقرير هيومينا أمام جلسة 27 أكتوبر 2026، التي انتهت بالحكم على لينا عطا الله بغرامة ثلاثة ملايين جنيه وإغلاق الموقع ومصادرة معداته.
ونقل التقرير شهادة حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بشأن وقائع الجلسة، موضحاً أن محامي عطا الله الثمانية تسلموا ملف القضية داخل المحكمة، وطلبوا مهلة للاطلاع عليه وتقديم مستندات الترخيص وسماع الشهود.
وبحسب الشهادة، رفضت المحكمة هذه الطلبات وأمرت الدفاع بالمرافعة، ثم ندبت محامياً آخر بعدما امتنع المحامون عن المرافعة دون الاستجابة إلى طلباتهم، رغم اعتراض عطا الله.
وانتهت الجلسة بإصدار حكم بالغرامة وإغلاق الموقع ومصادرة معداته.
وأشار التقرير إلى أن عطا الله احتجزت نحو سبع ساعات قبل الإفراج عنها عقب سداد الغرامة، كما أثار ما جرى في الجلسة اعتراضات تتعلق بالوقت المتاح لإعداد الدفاع والحق في اختيار المحامي وعلنية المحاكمة.
وأضاف أن عطا الله أُبلغت خلال إجراءات الإفراج بوجود حكم غيابي صادر ضدها عام 2024 بالحبس لمدة سنة، في قضية تقول إنها لم تخطر بها، وحددت جلسة 11 نوفمبر 2026 لإعادة نظرها.
وتناول التقرير المادة 105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، التي تنص على غرامات تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه في المخالفات التي تحيل إليها، إلى جانب الغلق ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة.
كما عرض اعتراض المنظمة على مدى توافق هذه العقوبات مع المادة 71 من الدستور، التي تحظر مصادرة الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو وقفها أو إغلاقها، مشيراً كذلك إلى أن المادة الثالثة من قانون تنظيم الصحافة والإعلام تتضمن تأكيداً لهذا الحظر.
وطرحت هيومينا المسألة باعتبارها إشكالية دستورية وقانونية تتطلب النظر في مدى التوافق بين النصوص التشريعية والضمانات الدستورية، دون أن تقدم ذلك باعتباره حكماً قضائياً نهائياً حسم النزاع.
من حجب المواقع عام 2017 إلى الملاحقات المتكررة
يرجع التقرير جذور القيود التي واجهت الصحافة المستقلة إلى 24 مايو 2017، عندما حُجب موقع «مدى مصر» ضمن مجموعة من 21 موقعاً إخبارياً، دون نشر قرار رسمي أو إخطار المؤسسات المعنية أو إعلان أساس قانوني واضح للحجب، وفقاً لما وثقته المنظمة.
ويرصد التقرير تطور الإطار القانوني والإجرائي بعد ذلك، مع صدور تشريعات عام 2018 منحت السلطات صلاحيات تتعلق بحجب المواقع، وأقامت نظاماً لترخيص المؤسسات الإعلامية.
كما يستعيد القضية رقم 441 لسنة 2018، المعروفة إعلامياً بقضية «الخلايا الإعلامية للإخوان»، التي ضمت صحفيين ومدونين وآخرين تحت اتهامات بالانضمام إلى جماعة غير قانونية ونشر أخبار كاذبة.
ومن بين الحالات التي أوردها التقرير اعتقال الصحفي معتز ودنان عقب إجراء مقابلة مع المستشار هشام جنينة، وإضافة عادل صبري، رئيس تحرير موقع «مصر العربية»، إلى القضية بعد قرار بإخلاء سبيله في قضية أخرى، بما أدى إلى استمرار احتجازه، وتدويره".
كما تناول التقرير اقتحام مقر مدى مصر واحتجاز صحفيين في نوفمبر 2019، والقبض على لينا عطا الله في مايو 2020 أثناء إجرائها مقابلة مع ليلى سويف أمام سجن طرة، قبل الإفراج عنها بكفالة ألفي جنيه.
وتوالت التحقيقات المتعلقة بتغطيات الموقع، ومنها مواد تناولت شخصيات في حزب «مستقبل وطن» عام 2022، واحتمالات تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر عام 2024، وأوضاع سجن بدر 3 عام 2025، وصولاً إلى التحقيقات الأخيرة في أكتوبر 2026.
الكفالات المالية وتراكم الأعباء على الصحفيين
ورصدت هيومينا الكفالات المالية التي دفعتها لينا عطا الله خلال سنوات الملاحقة، مشيرة إلى أنها بلغت 20 ألف جنيه عام 2022، وخمسة آلاف جنيه عام 2024، و30 ألف جنيه عام 2025، ثم 100 ألف جنيه في أكتوبر 2026، قبل الحكم الأخير بالغرامة البالغة 3 ملايين جنيه.
كما أشار التقرير إلى حالات أخرى، بينها استدعاءات الكاتب أحمد دومة المتكررة بعد خروجه بعفو رئاسي عام 2023، وما دفعه من كفالات قبل احتجازه مجدداً والحكم عليه في 2026، فضلاً عن التحقيق مع الصحفية رشا عزب في أكتوبر والإفراج عنها بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه.
وتعرض المنظمة هذه الحالات ضمن مسار أوسع ترى أنه يجعل الإجراءات القانونية والمالية عبئاً متكرراً على الصحفيين، حتى في الحالات التي لا تنتهي سريعاً إلى حكم نهائي.
التحقق "المستقل"
وتناول تقرير هيومينا إطلاق السيسي وحكومته منصة تشات إيجيبت (Chat EGYPT) للتحقق من الأخبار باستخدام الذكاء الاصطناعي في 19 أكتوبر 2026، بالتزامن مع استمرار احتجاز صحفيي متصدقش.
ورأت هيومينا في التطورين مؤشرين متباينين على طبيعة النقاش بشأن التحقق من المعلومات؛ فمن جهة، تسعى مؤسسات إعلامية مستقلة إلى الحفاظ على دورها في التدقيق والمساءلة، ومن جهة أخرى، تطلق الحكومة منصة رسمية للتحقق من الأخبار.
الحق في المعرفة
وأكدت هيومينا أن آثار الملاحقات لا تتوقف عند الصحفيين الذين يخضعون للتحقيق أو الحبس، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والجمهور الذي يعتمد على إنتاجها في الوصول إلى المعلومات.
وحذرت المنظمة من أن تراكم الاستدعاءات والتحقيقات والكفالات المالية والأحكام القضائية قد يدفع صحفيين آخرين إلى تجنب تناول موضوعات حساسة أو الابتعاد عن مصادر معلومات معينة، خشية التعرض لإجراءات مماثلة، بما يوسع نطاق الرقابة الذاتية.
واستعاد التقرير تعريفاً لحرية التعبير قدمته لينا عطا الله، باعتبارها القدرة على التفكير «دون حسابات كثيرة ودون خوف»، في إشارة إلى تأثير الضغوط القانونية والأمنية والمالية على العمل الصحفي.
ويخلص التقرير إلى أن تراجع قدرة المؤسسات المستقلة على العمل لا يمثل أزمة مهنية تخص الصحفيين وحدهم، وإنما يمتد إلى حق الجمهور في الحصول على معلومات متنوعة ومستقلة، وفحص أداء المؤسسات الرسمية ومساءلتها.
https://x.com/HuMENAorg/status/2115467237674877328
https://humena.org/mada-masr-shutdown-lina-attalah-egypt/