دعا السيسي شركة الشحن الفرنسية «سي إم إيه – سي جي إم» لتوسيع استثماراتها في الموانئ المصرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خلال لقاء جمعه برئيس الشركة رودولف سعادة على هامش قمة «إفريقيا – فرنسا» في نيروبي.
وهناك شراكات لوجستية بين الشركة وشركات ـ صهيونية مرتبطة بنقل إمدادات ومعدات لجيش الاحتلال عبر خطوط التجارة البحرية، فضلا عن انتقادات حقوقية وبيئية بسبب ممارسات تفكيك السفن في جنوب آسيا، بالتزامن مع توسعها المتزايد داخل الموانئ المصرية، خاصة في السخنة والإسكندرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس
المخاطر الخفية وراء توسعها في الموانئ المصرية
وكشف تقرير لـ«صحيح مصر» أن الشركة، المصنفة كثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، تواجه اتهامات تتعلق بالاحتكار وشبهات فساد، بعد فرض غرامات أميركية عليها، إلى جانب اتهامات بشأن مناقصة وُصفت بـ«المشبوهة» لإدارة مرفأ بيروت عقب انفجار 2020.
وفي الثاني عشر من مايو 2025، وعلى هامش قمة إفريقيا – فرنسا في نيروبي، التقى عبد الفتاح السيسي برئيس مجلس إدارة مجموعة CMA CGM الفرنسية، رودولف سعادة، في لقاء حمل دلالات اقتصادية واستراتيجية عميقة. فقد طلب السيسي من الشركة توسيع استثماراتها داخل الموانئ المصرية والمناطق اللوجستية، خصوصًا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
ورغم أن هذا الطلب يبدو في ظاهره خطوة لجذب استثمارات أجنبية ضخمة، إلا أن دخول شركة بحجم CMA CGM إلى شرايين البنية التحتية المصرية يفرض ضرورة فهم طبيعة هذه الإمبراطورية البحرية، وحجمها المالي، وسجلها القانوني، والأهم علاقاتها المعقدة مع إسرائيل وإيران في ظل حرب الممرات الملاحية المشتعلة.
وتُعد CMA CGM ثالث أكبر خط ملاحي للحاويات في العالم، وقد تأسست عام 1978 على يد جاك سعادة، رجل الأعمال الفرنسي من أصل لبناني–سوري، وتدار اليوم من قبل نجله رودولف. تمتلك الشركة أسطولًا ضخمًا يضم نحو 593 سفينة تعمل في 420 ميناء حول العالم، وتنتشر عبر 160 دولة من خلال 400 مكتب.
وتبلغ إيراداتها السنوية نحو 55.5 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي لمصر، ما يجعل الشركة «دولة داخل الدولة» وفق وصف تقارير اقتصادية فرنسية. هذا الحجم المالي يمنحها قدرة تفاوضية هائلة مع الحكومات، وقدرة على الاستحواذ على مرافق لوجستية وموانئ استراتيجية في قارات متعددة.
وجود الشركة في مصر ليس جديدًا، بل هو جزء من خطة توسع بدأت منذ سنوات. فقد أصبحت CMA CGM لاعبًا رئيسيًا في التحالف الدولي الذي يدير «محطة حاويات البحر الأحمر رقم 1» في ميناء السخنة، وهي أول محطة شبه آلية في مصر، وبدأ تشغيلها التجريبي في ديسمبر 2025. كما فازت الشركة بعقد تشغيل محطة «تحيا مصر» متعددة الأغراض في ميناء الإسكندرية، وهو مشروع يُروّج له رسميًا باعتباره خطوة لتحويل مصر إلى مركز لوجستي عالمي.
ولقاء السيسي برودولف سعادة جاء في إطار بحث تقديم حوافز جديدة للشركة لتوسيع وجودها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خاصة في ظل التوترات التي تضرب البحر الأحمر منذ 2023.
لكن خلف هذه الصورة اللامعة، يختبئ سجل قانوني مثير للجدل. ففي مايو 2024، فرضت اللجنة الفيدرالية البحرية الأمريكية غرامة قدرها 1.97 مليون دولار على الشركة بعد ثبوت ممارستها «احتيالًا قانونيًا» عبر التلاعب في تعريف مصطلح «التاجر» في بوليصات الشحن، ما سمح لها بفرض رسوم تأخير واحتجاز غير قانونية.
وأُجبرت الشركة على تعديل لوائحها ودفع تعويضات للمتضررين. هذا السلوك يعكس سياسة استغلالية لتعظيم الأرباح، ويثير تساؤلات حول مدى التزام الشركة بالشفافية في الدول النامية.
وفي لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، استغلت الشركة الفوضى لتفوز بعقد إدارة محطة الحاويات لمدة عشر سنوات.
تحقيقات موقع «درج» اللبناني كشفت أن المناقصة كانت «مفصلة» لصالح CMA CGM، وأن المنافسين انسحبوا بسبب شروط تعجيزية.
كما تبين أن الشركة تدفع جزءًا من الرسوم بالليرة اللبنانية المنهارة، ما يحرم الدولة من العملة الصعبة.
ولم تكتف الشركة بالمرفأ، بل فازت أيضًا بعقد إدارة «بريد لبنان» عام 2023، رغم اعتراض هيئة الشراء العام التي أكدت أن الصفقة تفتقر للشفافية والمنافسة العادلة. هذه الوقائع أثارت اتهامات واسعة باستغلال الشركة لعلاقاتها السياسية في باريس وبيروت لاحتكار البنية التحتية اللبنانية.
أما في الشرق الأوسط، فتتداخل مصالح CMA CGM مع الصراع الإقليمي بين الكيان وإيران. ففي نوفمبر 2023، تعرضت سفينة «CMA CGM Symi» لهجوم بطائرة مسيرة إيرانية من طراز «شاهد-136» في المحيط الهندي. ورغم أن السفينة كانت مستأجرة من CMA CGM، فإن مالكها الحقيقي هو شركة «Eastern Pacific Shipping» المملوكة للملياردير الصهيوني عيدان عوفر. هذا الارتباط جعل سفن الشركة هدفًا متكررًا لهجمات الحوثيين وإيران. كما ترتبط CMA CGM باتفاقيات «مشاركة مساحات» مع شركة «زيم» الصهيونية، ما يعني أن سفنها تحمل حاويات صهيونية، بما فيها معدات لوجستية لجيش الاحتلال، وهو ما وثقته منظمات مثل IPIS وPeace Action.
إلى جانب ذلك، تواجه الشركة اتهامات بيئية وحقوقية خطيرة. تقارير «Shipbreaking Platform» و«هيومن رايتس ووتش» كشفت أن CMA CGM كانت ترسل سفنها المتهالكة إلى شواطئ الهند وبنجلاديش لتفكيكها بطرق بدائية تُعرف بـ«Beaching»، ما يؤدي إلى تسرب مواد سامة إلى البحر، ويعرض العمال — بينهم أطفال — لإصابات قاتلة وأمراض سرطانية. ورغم إعلان الشركة نيتها تحسين ممارساتها عام 2022، إلا أن سجلها البيئي ظل نقطة سوداء.
وتتهم الشركة بالتهرب الضريبي عبر تسجيل سفنها في ملاذات ضريبية مثل مالطا وجزر البهاما وليبيريا، ما يسمح لها بتعيين بحارة من دول فقيرة بأجور زهيدة. وعندما حاول البرلمان الفرنسي فرض «ضريبة أرباح استثنائية» عليها، قاوم رودولف سعادة بشدة، قبل أن يقدّم تخفيضات شكلية لتجنب التشريع.
هذه الخلفية تجعل توسع CMA CGM في الموانئ المصرية مسألة حساسة. فالشركة تمتلك تاريخًا من النفوذ السياسي، والارتباطات الصهيونية، والممارسات الاحتكارية، والاتهامات البيئية، والتهرب الضريبي. ومع دخولها إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس — أحد أهم الممرات البحرية في العالم — يصبح السؤال المطروح: هل تستفيد مصر من هذه الشراكة، أم تفتح الباب أمام نفوذ خارجي قد يهدد سيادتها على موانئها؟
وقالت إن وجود شركة بهذا الحجم داخل البنية التحتية في مصر قد يمنح القاهرة فرصًا اقتصادية، لكنه يحمل أيضًا مخاطر تتعلق بالسيادة، والشفافية، والارتباطات الجيوسياسية. فالشركة التي تتعاون مع الكيان في البحر الأحمر، وتتعرض سفنها لهجمات إيرانية، وتواجه اتهامات بالاحتكار في لبنان، قد تجد في مصر ساحة جديدة لتعزيز نفوذها، خاصة في ظل حاجة القاهرة للاستثمارات الأجنبية.
وفي ظل التوترات الإقليمية، يصبح التحكم في الموانئ والممرات البحرية جزءًا من لعبة النفوذ الكبرى. وإذا كانت CMA CGM قد تحولت إلى «دولة داخل الدولة» في فرنسا ولبنان، فإن دخولها العميق إلى الموانئ المصرية يستدعي رقابة صارمة، وضمانات واضحة، وتوازنًا بين جذب الاستثمار وحماية الأمن القومي.
https://x.com/SaheehMasr/status/2056079513625211284