استيقظ ملايين المصريين صباح الأربعاء 1 يوليو الجاري على تحريك جديد هو الثاني من نوعه خلال 3 أشهر فقط في أسعار تذاكر قطارات السكك الحديدية بمختلف خطوطها الطويلة والقصيرة.
وتأتي هذه الزيادة لتفتح من جديد النقاش المجتمعي والاقتصادي حول جدوى وحقيقة المبررات التي تسوقها وزارة النقل عقب كل زيادة، والبحث في دفاتر المرفق المالية عن المبرر الحقيقي الذي يدفع بالحكومة إلى تحميل المواطن الكلفة الكاملة لتحديث منظومة النقل والمواصلات.
وأعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر بدء التطبيق الفعلي للتعريفة الجديدة للركوب اعتبارات من الساعات الأولى لصباح اليوم الأربعاء، وجاءت نسب الزيادة وآلياتها مقسمة جغرافياً وحسب نوع الخدمة لتشمل:
وشهدت الخطوط الطويلة والدرجات المكيفة (الأولى والثانية) زيادة بنسبة 12.5%، مع تطبيق آلية تقريب قيمة التذكرة بعد الزيادة إلى أقرب 10 جنيهات صحيحة تحسيناً لمعاملات الكاش.
كما نالت الخطوط القصيرة وقطارات "تحيا مصر" النصيب الأكبر من التحريك بنسبة بلغت 25%، وجرى تقريب القيمة لأقرب جنيه للرحلات القصيرة جداً (من 1 إلى 103 كم)، ولأقرب 5 جنيهات للمسافات التي تزيد عن ذلك.
ولحقت الدرجة الثالثة المكيفة بركب الزيادة بنسبة 12.5% مع تقريب التذكرة لأقرب 5 جنيهات.
وأرجعت وزارة النقل والهيئة تحريك الأسعار إلى الارتفاع المضطرد في ميزانية التشغيل الصيانة، وخاصة الارتفاع المتتالي في أسعار المواد البترولية (السولار) والكهرباء، وتوفير العملة الصعبة لقطع الغيار المستوردة، فضلاً عن الوفاء بالزيادات الدورية المخصصة لرفع أجور العاملين بالهيئة.
غضب واحتقان
في مارس 2026، رفعت الوزارة الأسعار بذات المبررات (الأجور والوقود)، لتعود اليوم، 1 يوليو 2026، وتفرض زيادة جديدة (12.5% للمكيف والطويل و25% للقصيرة)، مما يعكس تسارع وتيرة الحاجة لسيولة نقدية لسداد أقساط القروض التي حان وقت استحقاقها.
ويبدو أن الغضب والاحتقان مسيطران تماماً على الشارع مع تطبيق الزيادة الثانية خلال 3 أشهر فقط؛ فالأمر بات يمثل ضغطاً معيشياً حقيقياً على المواطن الذي يستخدم هذه المرافق بشكل يومي.
والربط بين "الزيادات المتتالية" و"سياسة الاقتراض" لم يعد مجرد استنتاج، بل هو ما تثبته الأرقام الصادرة عن وزارة المالية نفسها، والتي كشفت كيف تحولت الأرباح التشغيلية للمرفق إلى خسائر دفترية بسبب انفجار بند فوائد الديون التي بلغت نسبة زيادتها قرابة 677%، والتي استدانها كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية السابق ووزير النقل بحكومة السيسي الذي وافق عل القرض بشكل يبدو طبيعيا.
الطريف أن الفريق كامل الوزير خلال الاحتفال بتدشين كتاب "رجل الأقدار" الذي يتناول السيسي قال: "ثورة 30 يونيو أسست لنهضة تنموية شاملة انعكست آثارها الإيجابية على حياة المواطنين في جميع المحافظات" وهو ما لمحه الشعب من الزيادة.
وقالت ريهام الرشيدي @RRasheedy94535: " كان من كذا يوم كامل الوزير له تصريحات بيرد ع اللي بيقولوا إن وزارة النقل هي اخدة اكتر القروض فبيقول إنه وزارته قادرة ع سداد القروض بدون تحميل الميزانية جنيه.
عرفتوا الزيادة ليه ولا لسه؟.
ما هو أخذ قروض بالعبيط هيسددها إزاي؟ هل مثلا هيتبرع بجنيه من مرتبه الخيالي عشان يساهم في السداد؟".
وقال البـاز أفـــنــدي @kaled7amxkrffo: ".. كامل الوزير كان في مواجهة مع مجلس الشعب من كم يوم بسبب القروض اللي نسفتها وزاره النقل، فرد قائلا أنا هرجع الفلوس وزيادة، رجع البيت وقعد يفكر تجيب الفلوس منين يا واد يا كامل، هوب شقلب ارفع أسعار التذاكر 12% إلى 25% ، الناس بقت تخاف تنام، لأنها تعودت تصحى على رفع الأسعار بشكل يومي".
وهذا الواقع يضع وزارة النقل في مواجهة تساؤلات مشروعة وصعبة من الشارع والخبراء الاقتصاديين حول جدوى التوسع الهائل في الاقتراض لتمويل مشروعات كبرى وعملاقة، طالما أن فاتورة سداد هذه القروض وأقساطها وفوائدها المليارية ستؤول في النهاية إلى جيوب الركاب عبر تذاكر السفر، بدلاً من أن تتحملها الخزانة العامة للدولة كخدمة أساسية وحق أصيل للمواطن.
تفكيك موازنة المرفق: لغة الأرقام تبرئ الأجور والوقود
الرواية الرسمية التي تتحدث عن "أعباء تشغيلية وخسائر ناتجة عن الوقود والأجور" تصطدم بصخرة الأرقام والحسابات الختامية الرسمية المنشورة من قبل وزارة المالية، بتحليل بنود ميزانية "السكك الحديدية" و"القومية للأنفاق" للعام المالي الأخير المتاح، يتبين بوضوح أن المرفق يحقق أرباحاً تشغيلية وافرة من نشاطه الأساسي (بيع التذاكر والاشتراكات والإعلانات والاستثمارات).
الأجور المتضائلة
في الحساب الختامي لهيئة السكك الحديدية، بلغ بند الأجور قرابة 4.88 مليار جنيه، هذا الرقم يمثل 46.5% فقط من إيرادات النشاط البالغة 10.49 مليار جنيه. وتتراجع هذه النسبة إلى 37.8% فقط من إجمالي إيرادات الهيئة الشاملة للاستثمارات (12.9 مليار جنيه).
أما في الهيئة القومية للأنفاق (المترو)، فإن المفاجأة أكبر؛ إذ لم يتجاوز بند الأجور 205 ملايين جنيه، وهو ما يعادل 5.3% فقط من إيرادات النشاط البالغة 3.86 مليار جنيه، هذا يعني محاسبياً أن الأجور بريئة تماماً من فكرة التسبب في خسائر للمرفق، بل إن هناك فائضاً تشغيلياً هائلاً قبل خصم البنود غير التشغيلية.
2. الوقود والخامات.. استهلاك ضمن الحدود الآمنة، الخامات والمواد والوقود وقطع الغيار في السكك الحديدية 1.59 مليار جنيه، أي ما نسبته 15.15% فقط من إيرادات النشاط، وفي المترو، سجل البند نفسه 647.47 مليون جنيه (16.8% من إيرادات النشاط)، هذه النسب تبرهن على أن عوائد التذاكر الحالية قادرة وزيادة على تغطية كلفة "تسيير" القطارات والوقود اليومي.
فخ "الفوائد والقروض"
وإذا كان المرفق يربح تشغيلياً، فما الذي يحوله إلى الخسارة الدفترية ويدفع بالوزارة لرفع التذاكر؟ الإجابة تكمن في التوسع الرهيب في الاقتراض الخارجي والمحلي لتمويل المشروعات الاستثمارية (كالقطار الكهربائي السريع، المونوريل، وتحديث الإشارات والعربات الروسية والتالجو)، وتحميل كلفة تلك القروض على تذكرة الراكب اليومية.
انفجار بند الفوائد: في السكك الحديدية
قفزت الفوائد المستحقة من 205 ملايين جنيه إلى 1.59 مليار جنيه، بنسبة زيادة إعصارية بلغت 677.5%. هذا الانفجار التهم فائض الربح (4 مليارات جنيه) لينخفض صافي الربح النهائي للهيئة إلى 880 مليون جنيه فقط بعد حساب الإهلاك البالغ 1.9 مليار جنيه.
خسائر المترو الدفترية: حققت هيئة الأنفاق ربحاً صافياً من النشاط بـ 3 مليارات جنيه، لكن بعد خصم فوائد ديون بقيمة 750.61 مليون جنيه ومصروفات أخرى غير محددة بقيمة 3.9 مليار جنيه، تحول الربح التشغيلي إلى خسارة نهائية قدرها 385.4 مليون جنيه.
رصد تاريخي: 13 عاماً من الزيادات المتتالية (2013 – 2026)
لم تكن زيادة اليوم وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسياسة اقتصادية بدأت ملامحها تتضح بقوة على مدار الـ 13 عاماً الأخيرة (منذ عام 2013 وحتى اليوم)، والتي تحول فيها المرفق من الدعم الاجتماعي المطلق إلى الهيكلة الاقتصادية الشاملة، نورد هنا محطات التحول عبر الـ 13 عاماً الماضية:
عام 2015: بداية تحريك المياه الراكدة
بعد فترة استقرار عقب أحداث 2011 و2013، أعلنت وزارة النقل في يوليو 2015 زيادة أسعار القطارات المكيفة بمقدار 20 جنيهاً للدرجة الأولى و10 جنيهات للثانية. تراوحت نسب الزيادة حينها بين 20% و33%، وكانت الحجة المباشرة مواجهة فروق أسعار السولار.
عام 2018: طفرة "القطارات العادية" وإلغاء دعم الغلابة
شهد هذا العام نقطة التحول الأعنف في تاريخ التسعير؛ حيث لم تعد الزيادة مقتصرة على الدرجات الفاخرة، بل طالت القطارات المميزة والمطورة (قطارات الغلابة) بنسب قفزت في بعض المسافات إلى 100% و150%، ليرتفع الحد الأدنى للتذكرة من جنيه وربع إلى 3 جنيهات، بينما زاد المكيف بنسب وصلت إلى 40%.
عام 2020: تسعير خدمات "الأسطول الجديد"
مع دخول العربات الروسية الجديدة الخدمة وتحديث المحطات، وضعت الهيئة تسعيرة مستحدثة لعربات "التهوية الديناميكية" كشريحة أعلى من القطارات العادية، بالتوازي مع تحريك أسعار قطارات الـ VIP والفرنسي بنسب بين 12.5% و25%.
عام 2024: عام الصدمات الثنائية وتحرير الصرف
تأثر المرفق بشدة بتحرير سعر الصرف الشامل وزيادة أسعار الوقود في 2024؛ فتم تطبيق زيادتين (في يناير وأغسطس) بمتوسطات تراوحت بين 12.5% و25% على القطارات الروسية والمكيفة، ودخول قطارات "تالجو" الإسبانية الفاخرة بتسعيرة رفعت سقف التذاكر ليتجاوز مئات الجنيهات للمرة الأولى.