تتوالى موجات الغلاء مذ انقلاب السفيه السيسي ، قبل 13 سنة، بوتيرة متسارعة، في وقت تبدو فيه ردود الفعل الشعبية أقل بكثير من حجم الضغوط الاقتصادية التي يتحملها المواطنون.
فبينما كان كثير من المصريين يتوقعون أن يؤدي تراجع أسعار النفط العالمية وانخفاض سعر الدولار محليًا إلى انفراجة نسبية في الأسواق، جاءت قرارات رفع أسعار عدد من السلع والخدمات لتبدد تلك التوقعات وتؤكد استمرار النهج القائم على زيادة الأعباء المعيشية.
ومع بداية العام المالي الجديد 2026-2027، أقرت الحكومة زيادة أسعار تذاكر القطارات بنسب تراوحت بين 12.5% و25%، بعد سلسلة زيادات طالت الوقود والكهرباء والخبز والمواصلات والمواد الغذائية والاتصالات وغيرها، لتتواصل بذلك موجة التضخم التي أنهكت دخول الأسر المصرية.
ورغم اتساع نطاق الغلاء، فإن الشارع المصري لا يشهد احتجاجات واسعة كتلك التي كانت تخرج في أزمات اقتصادية سابقة.
ويرى مراقبون أن هذا الغياب لا يعكس بالضرورة حالة من الرضا الشعبي، وإنما يرتبط بعوامل سياسية وأمنية تراكمت خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها المخاوف من التعامل الأمني مع أي تحركات احتجاجية.
وتستند هذه المخاوف، بحسب معارضين ومنظمات حقوقية، إلى ما جرى عقب أحداث عام 2013، ولا سيما فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، وما أعقبهما من حملات أمنية واسعة واعتقالات ومحاكمات طالت آلاف الأشخاص، وهو ما خلق لدى قطاعات من المصريين قناعة بأن تكلفة الاحتجاج أصبحت مرتفعة للغاية مقارنة بفرص إحداث تغيير في السياسات الاقتصادية.
وفي المقابل، تنفي السلطات المصرية اتهامات باستخدام القوة بشكل غير قانوني ضد المحتجين، وتؤكد أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها جاءت في إطار تطبيق القانون وحفظ الأمن والاستقرار، بينما تصف جماعات حقوقية دولية بعض تلك الأحداث بأنها شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
اقتصاديًا، كان من المتوقع أن يسهم انخفاض أسعار النفط عالميًا وتراجع سعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب هبوط أسعار عدد من السلع الأساسية في الأسواق الدولية، في تخفيف الضغوط التضخمية داخل السوق المصرية، إلا أن ذلك لم ينعكس بصورة ملموسة على الأسعار المحلية.
ويرجع خبراء هذا التباين إلى عدة عوامل، من بينها استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج، واتساع أعباء خدمة الدين، وسياسات رفع الدعم، وضعف المنافسة في بعض الأسواق، فضلًا عن التزامات الحكومة ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، والتي تتضمن إعادة هيكلة أسعار الطاقة والخدمات العامة.
وبين استمرار موجات الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الاحتجاجات الشعبية الواسعة، تبدو الأزمة الاقتصادية في مصر مرشحة للاستمرار، في ظل غياب مؤشرات على انفراجة قريبة، بينما يزداد العبء على المواطنين الذين يواجهون ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف المعيشة دون تحسن موازٍ في مستويات الدخل.
إذا كان الهدف هو نشر المقال بصيغة رأي أو تحليل سياسي، يمكن أيضًا جعله أكثر حدة في الطرح مع الحفاظ على الفصل الواضح بين الوقائع الموثقة والآراء أو تقييمات المحللين.