كشفت أحدث البيانات الصادرة عن مؤشرات مديري المشتريات (PMI) الصادرة عن مؤسسة "ستاندرد آند بورز غلوبال" (S&P Global) لشهر يونيو، عن حالة متباينة للغاية في أداء القطاعات الخاصة غير النفطية في منطقة الشرق الأوسط. وفي حين استمرت المملكة العربية السعودية في الحفاظ على وتيرة نموها الإيجابي بدعم من مشروعات رؤية 2030، واجهت دولة الإمارات العربية المتحدة تباطؤاً حرجاً هو الأدنى لها منذ أكثر من 5 سنوات كاد أن يهوي بها إلى منطقة الانكماش. وعلى الجانب الآخر، واصل القطاع الخاص غير النفطي في مصر وتيرة هبوطه الحاد، مسجلاً أسرع معدل انكماش له منذ مطلع عام 2023.
ورغم قتامة قراءة شهر يونيو بالنسبة لمصر والشرق الأوسط، فإن دراسة ستاندرد آند بورز غلوبال تشير إلى أن القراءة الحالية تتوافق مع نمو سنوي متوقع للناتج المحلي الإجمالي المصري يبلغ نحو 3.8% في نهاية الربع الثاني. وثمة تفاؤل حذر مشروط بين الشركات بعودة النشاط وتحسن سلاسل التوريد والتوظيف، شريطة هدوء حدة التوترات الجيوسياسية الإقليمية المرتبطة بملف إيران، واستقرار أسعار الطاقة والوقود محلياً وإقليمياً.
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي تحليلات معمقة من خبراء ومختصين فككوا خلالها الأزمات الهيكلية التي تمنع قطاعات كالمصري من الاستفادة الكاملة من الصادرات، أو تجعلها هشة أمام الصدمات الخارجية.
ووجه الخبير الاقتصادي والمستشار مراد علي نقداً لاذعاً للسياسات الاقتصادية المتبعة عبر شاشة قناة الحوار @alhiwarchannel، محذراً من الإفراط في مشروعات البنية التحتية غير الإنتاجية في الدول الناشئة ذات الكثافة السكانية العالية مثل مصر، وكتب قائلاً: "يُحذر علماء الاقتصاد من إفراط الدول الناشئة في مشروعات البنية التحتية الإنشائية التي لا ترتبط مباشرة بزيادة الإنتاج أو خلق فرص العمل… مصر لا تحتاج إلى مزيد من الإسمنت بقدر ما تحتاج إلى مصانع، ومزارع، ومدارس، ومستشفيات، واقتصاد ينتج قبل أن يستدين. لقد تم إنفاق مئات المليارات على مشروعات مثل العلمين، والجلالة، والعاصمة الإدارية… وهي مشروعات تبدو مبهرة في الصورة، لكنها لا تحقق عائداً إنتاجياً كافياً، والنتيجة الطبيعية تتزايد القروض وتتضخم أعباء خدمة الدين".
عجز الميزان التجاري
من جانبه، فكك الدكتور أحمد سليمان عبر معرفه الشخصي @Ahmad96969 أزمة الاستهلاك في الاقتصاد المصري ومكونات الصادرات عبر تدوينة قال فيها: "أحد أكبر المشكلات في مصر هي أن الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات والاستهلاك أكثر من اعتماده على الصناعة والإنتاج. نسبة كبيرة من الصادرات المصرية مواد خام أو منتجات قليلة القيمة، بينما تستورد سلعاً صناعية كثيرة (آلات، إلكترونيات، سيارات)، مما يؤدي لعجز دائم في الميزان التجاري".
وفيما يخص الأسواق المستهدفة لهذه الصادرات، تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة الاستثمار والتجارة الخارجية إلى تقلبات مستمرة؛ حيث تصدرت السعودية قائمة الأسواق المستقبلة للسلع المصرية عام 2024 بقيمة 3.5 مليار دولار تلتها تركيا ثم الإمارات. بينما برزت الإمارات كأكبر سوق للصادرات غير النفطية في الفترات اللاحقة من عام 2025 بـ 5.9 مليار دولار، مما يوضح مدى الارتباط الوثيق والهشاشة في آن واحد أمام أي اضطراب يصيب أسواق الخليج.
حيلة تسعير التحويل (Transfer Pricing) والشركات الدولية
طرح المتخصص طارق سلامة عبر معرفه @tariksalama علامة استفهام مهمة حول جدوى الاستثمارات الأجنبية الكبرى داخل السوق المصري وضخامة أرقام تصديرها، مستشهداً بخبر إعلان جريدة المال @AlMalWeb عن تصدير 70% من إنتاج تلفزيونات "إل جي مصر" للأسواق العالمية، حيث علق سلامة قائلاً: "الحقيقة أن أغلب الشركات الدولية في مصر تعتمد على نمط كسياسة الـ Transfer pricing، وهو في الواقع تحميل أكبر قدر ممكن من المصاريف في الدول ذات الضرائب المرتفعة مثل مصر ثم تحويل الأرباح بطريقة غير مباشرة (للشركات الأم بالعملة الأجنبية). كسبنا إيه احنا بقى من كدة؟ منظره 'بنصنع؟' حكومة الهنود الحمر".
وأظهرت البيانات التي نشرها حساب الشرق للأخبار – مصر @AsharqNewsEGY تراجعاً حاداً في مؤشر مديري المشتريات بمصر، حيث هبط من 47.1 نقطة في مايو إلى 46.0 نقطة في يونيو، لتستقر القراءة دون مستوى الـ 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش للشهر السادس على التوالي، مسجلة أدنى مستوى لها منذ يناير 2023.
وتدهورت المبيعات والطلبات الجديدة، فانخفضت معدلات الطلب بأسرع وتيرة لها منذ أواخر عام 2022؛ حيث أفادت 27% من الشركات المشاركة في الاستبيان بانخفاض مبيعاتها، في مقابل 11% فقط أشاروا إلى تحسنها. وأرجعت الشركات الضعف الحاد في الطلب إلى مشكلات السيولة المستمرة، ونقص المواد الخام الأساسية، واضطرابات التوريد.
واستمر قطاع التوظيف في مساره التنازلي بفقدان المزيد من الوظائف، على الرغم من تباطؤ معدل التسريح قليلاً مقارنة بشهر مايو.
وتأثرت فترات تسليم الموردين سلباً بسبب اضطرابات الشحن الإقليمية الناتجة عن تداعيات حرب إيران والتصعيد في مضيق هرمز، إلى جانب الارتفاعات المتتالية في أسعار الوقود محلياً.
وعلى نحو غير متوقع، رصدت تقارير دولية ومحلية، من بينها منصة سيمافور وحساب غرفة الأخبار @NewsroomAR، تراجعاً حاداً في زخم الاقتصاد غير النفطي بدولة الإمارات؛ إذ انحدر المؤشر إلى 50.8 نقطة في يونيو، وهو مستوى يفصله خيط رفيع عن عتبة الانكماش، مسجلاً أسوأ أداء للقطاع الخاص منذ جائحة كوفيد-19 وتحديداً منذ فبراير 2021.
وعزت التقارير هذا التباطؤ الحرج إلى ضعف الطلب العالمي والإقليمي، وتعطل سلاسل الإمداد، والقفزة الكبيرة في التكاليف التشغيلية نتيجة التوترات العسكرية وحرب إيران في المنطقة. وعلى الرغم من أن المؤشر ما زال فوق الـ 50، إلا أن تسريح الموظفين وتراجع معدلات التوظيف في الإمارات سجلا أسرع وتيرة هبوط منذ عام 2020، وسط تحذيرات من أن التعافي الفعلي قد يستغرق وقتاً طويلاً.