كشف تقرير مُطوّل نشرته صحيفة "ذا أثليتك" (The Athletic)، القسم الرياضي لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عن احتمالية فرض عقوبات تأديبية صارمة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بحق المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، واللاعب مصطفى زيكو.
جاء هذا التوجه عقب التصريحات النارية التي أدلى بها الثنائي لوسائل الإعلام وفي المؤتمرات الصحفية التي تلت مواجهة مصر والأرجنتين، حيث وجّها اتهامات صريحة للمنظومة التحكيمية بغياب العدالة والمحاباة لصالح المنتخب الأرجنتيني.
ومن ملامح العقوبات المتوقعة؛ غرامات مالية مغلظة على الاتحاد المصري لكرة القدم واللاعبين بشكل شخصي، وإيقاف دولي لحسام حسن المدير الفني لعدد من المباريات الدولية القادمة بسبب تجاوزه اللفظي واتهامه للمنظومة بالانحياز الممنهج، ويميل الاتحاد الدولي عادةً إلى تأجيل الإعلان الرسمي عن العقوبات التأديبية المرتبطة بالإساءة للعبة إلى ما بعد إسدال الستار على البطولة لتفادي زيادة الاحتقان الجماهيري.
وتُعد هذه التصريحات خرقاً مباشراً للوائح الفيفا الصارمة التي تحظر تماماً التشكيك في نزاهة الحكام أو اتهامهم بالتحيز المتعمد والفساد دون أدلة مادية.
الشكوى وغضب "الفار"
على الجانب الآخر، لم يقف الاتحاد المصري لكرة القدم مكتوف الأيدي؛ إذ تقدم بشكوى رسمية عاجلة إلى الفيفا يطالب فيها بفتح تحقيق موسع مع طاقم تحكيم المباراة بقيادة الفرنسي فرانسوا ليتكسييه (François Letexier). واستندت الشكوى المصرية إلى ما وصفته بـ "الأخطاء الفادحة والكيل بمكيالين"، وركزت على حالتين رئيسيتين.
- إلغاء هدف مصطفى زيكو: تم إلغاء الهدف بعد العودة إلى تقنية الفيديو (VAR) واحتساب مخالفة سابقة ومثيرة للجدل على اللاعب مروان عطية في بداية الهجمة.
- عدم احتساب ركلة جزاء لمحمد صلاح: تجاهل الحكم مطالب المنتخب المصري باحتساب ركلة جزاء لصالح قائد الفريق محمد صلاح كانت كفيلة بتغيير مجرى المباراة تماماً.
وطالب الجانب المصري باستبعاد طاقم التحكيم بالكامل وعدم إسناد أي مباريات أخرى له في البطولة. وفي هذا الصدد، دافع بييرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الفيفا، عن قرارات الطاقم مؤكداً استقلالية الحكام وصحة القرارات المتخذة ضد مصر، ورافضاً كل اتهامات التحيز.
معاقبة الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه
وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات العربية شائعات تَدعي أن الفيفا عاقب الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه بغرامة قيمتها 2 مليون يورو أو بالإيقاف والاستبعاد الفوري نتيجة شكوى مصر.
والحقيقة التي أكدها الفيفا ووسائل الإعلام الفرنسية أن ليتكسييه ومواطنه كليمان توربان غادرا معسكر الحكام تلقائياً وبشكل روتيني عقب تأهل منتخب بلادهم (فرنسا) إلى الدور نصف النهائي للبطولة. تمنع لوائح الفيفا الصارمة استمرار حكام الساحة في البطولة إذا تأهلت منتخبات بلدانهم للأدوار الحاسمة تجنباً لتضارب المصالح وضماناً للحياد التام.
وأغلق الحكم الفرنسي حسابه الشخصي على موقع "إنستجرام" نتيجة الضغط الرهيب وحملات الانتقاد الواسعة من الجماهير المصرية، وهو قرار شخصي تماماً ولا علاقة له بأي عقوبات إدارية من الفيفا.
اتهامات بالانحياز
وفتحت الأزمة المصرية الباب لتقرير واسع نشرته صحيفة "ديلي ميل" (Daily Mail) البريطانية قبيل مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف النهائي، رصدت فيه تراكم الشكوك والقرارات التحكيمية المثيرة للجدل التي صبت في مصلحة المنتخب الأرجنتيني طوال البطولة، وإن أكدت الصحيفة غياب الأدلة القاطعة على وجود تلاعب مسبق.
ففي مباراة الجزائر حدث إفلات ليونيل ميسي من بطاقة حمراء مستحقة بعد تدخل عنيف على قائد الجزائر عيسى ماندي، دون تدخل من الـ VAR، مما دفع الجزائر لتقديم شكوى رسمية.
وفي مباراة النمسا جاء عدم إلغاء هدف ميسي رغم وجود مخالفة واضحة ارتكبها أليكسيس ماك أليستر ضد لاعب النمسا تشافي شلاجر قبل لقطة الهدف.
وفي مباراة سويسرا طرد لاعب سويسرا بريل إمبولو بعد مراجعة الـ VAR، وسط تذمر من اللاعبين السويسريين الذين اعتبروا أن الحكم منح الأرجنتين الأفضلية في جميع المشتركات.
وعن نظام القرعة والتسويق؛ أثيرت تساؤلات حول تعديل الفيفا لنظام القرعة لضمان عدم تصادم المصنفين الأربعة الأوائل قبل نصف النهائي، مما سهّل مسار الأرجنتين نسيباً، إلى جانب تصريحات حسام حسن بأن هناك رغبة تسويقية واضحة لخدمة بطل العالم.
إنفانتينو في مرمى النيران والتدقيق الأوروبي
تزامنت هذه الأزمات مع ضغوط سياسية ورقابية غير مسبوقة يواجهها رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، وقد انتشرت مؤخراً مزاعم واسعة النطاق حول فتح البرلمان الأوروبي تحقيقاً رسمياً معه.
وفقاً لتقرير استقصائي نشرته شبكة (فرانس 24) عبر
: France 24 – Infantino under fire as viral claims drag European Parliament into FIFA row
أن البرلمان الأوروبي كمؤسسة لم يفتح تحقيقاً رسمياً بعد، ولكن الأزمة الحقيقية تكمن في قيام 72 عضواً في البرلمان الأوروبي بتوقيع رسالة موجهة إلى الاتحادات الوطنية الـ 27 في الاتحاد الأوروبي، لحثها على مطالبة لجنة الأخلاقيات بالفيفا بفتح تحقيق مستقل.
وكانت أسباب الهجوم والشكوك حول إنفانتينو تتعلق ب(قضية بالوغون وتدخل ترامب) حيث قرار الفيفا المثير للجدل بإلغاء إيقاف المهاجم الأمريكي فولارين بالوغون بعد تواصل مباشر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإنفانتينو، مما أثار شكوكاً حول الرضوخ للضغوط السياسية.
وعن التدقيق من اللجنة الأولمبية الدولية واجه إنفانتينو شكوى من منظمة غير حكومية بريطانية أمام اللجنة الأولمبية الدولية تتهمه بالتدخل السياسي ومنح ترامب جائزة "فيفا للسلام" في ديسمبر الماضي.
وأمام التصريح الأرجنتيني العاطفي زاد إنفانتينو من حدة اتهامات الانحياز للأرجنتين بعدما صرح علناً للتلفزيون الأرجنتيني بأنه "عانى معهم" خلال مباراتهم الصعبة ضد الرأس الأخضر، وهو تصريح يضرب مبدأ الحياد المفترض لرأس الهرم الكروي في مقتل.
تعيين "الحكم المفضل لميسي"
ولم تقتصر الإثارة على ما فات؛ بل صب الفيفا الزيت على النار مجدداً بإعلانه تعيين الحكم الأمريكي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفاتح لإدارة مواجهة نصف النهائي المرتقبة بين إنجلترا والأرجنتين.
وفي هجوم من صحيفة "ديلي ميل"، شنت الصحيفة البريطانية هجوماً لاذعاً على قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث وصفت الحكم الأمريكي إسماعيل الفاتح بأنه "الحكم المفضل لليونيل ميسي"، في إشارة واضحة إلى وجود علاقة ودية قد تؤثر على حيادية التحكيم خلال المباراة المرتقبة.
ومن جانبها، ركزت صحيفة "ذا أثلتيك" على الجانب الإحصائي المثير للقلق بالنسبة للإنجليز، حيث أشارت إلى أن قائد المنتخب الأرجنتيني ليونيل ميسي لم يتلقَ أي خسارة تاريخياً في جميع المباريات التي أدارها الحكم إسماعيل الفاتح، سواء كانت تلك المواجهات مع منتخب بلاده الأرجنتين أو مع ناديه الحالي إنتر ميامي الأمريكي.
أما صحيفة "ذا صن"، فقد رصدت ردود الفعل الجماهيرية الغاضبة، مؤكدة أن تعيين الفاتح لإدارة هذه القمة الكروية أثار موجة غضب عارم وحالة من القلق وعدم الارتياح بين صفوف الجماهير الإنجليزية قبل ساعات معدودة من انطلاق اللقاء الحاسم والمصيري.
ورغم هذه الانتقادات العنيفة، دافع الفيفا عن خياره بالإشارة إلى أن إسماعيل الفاتح يُعد من نخبة حكام أمريكا الشمالية ونال التعيين بناءً على تقييمه الفني المميز ومستوياته الرفيعة خلال مباريات البطولة السابقة.
في النهاية، تظل بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أكثر النسخ إثارة للجدل التحكيمي والسياسي؛ ورغم خروج المنتخب المصري برأس مرفوعة وأداء نال احترام الجميع، فإن كبوة الخروج أمام الأرجنتين ستبقى محفورة في الأذهان كشاهد على الصراع الأبدي بين دقة التكنولوجيا "VAR" وتقدير العنصر البشري الذي يعتريه الهوى والخطأ دائماً.