نقاش كاشف لاستيراده بالدولار.. خبراء يفتحون الصندوق الأسود للاستثمار الإماراتي في قمح مصر

- ‎فيتقارير

وضع الخبير الاقتصادي المعروف الدكتور هاني توفيق، يده على ملف زراعة القمح وتوريده من قبل قوى إقليمية داخل الحدود المصرية وتساءل مستنكراً عبر حساباته الرسمية: «مطلوب شرح السبب! القمح اللي بندفع ثمنه للإمارات مزروع في أرضنا، والمياه من نيلنا، والفلاحون مصريون، فماذا قدمت الإمارات لمصر مقابل هذا القمح؟»

وهو ما فتح حالة من الجدل الكثيف في الأوساط الأكاديمية عن ملف الاستثمار الزراعي العربي والأجنبي في الأراضي المصرية، ولا سيما مشروع "توشكي". وقد تحول هذا الملف من مجرد قضايا استثمارية فنية إلى ساحة مفتوحة للنقاش حول السيادة الوطنية، والأمن المائي، وجدوى السياسات الحكومية في إدارة الموارد الإستراتيجية للدولة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة ونقص العملة الأجنبية.

 

الرد المنحاز للرواية الرسمية: دفاع نادر نور الدين عن "الظاهرة الإماراتية"

وكان سبب الجدل انحياز البعض للراوية الرسمية للدفاع عن السياسات الحكومية ومثلها الدكتور نادر نور الدين، الأستاذ بجامعة القاهرة وخبير الشئون الزراعية، الذي قدم ما وصفه بـ "شهادة حق" تبنى فيها بالكامل مبررات الحكومة ومصالح الشركات الأجنبية المستثمرة في توشكي كشركة "الظاهرة" الإماراتية.

وقال إن الشركة الإماراتية دفعت قيمة الأرض كاملة للحكومة المصرية. وأنها تدفع الثمن المخصص للمياه، وقامت وزارة الري بمضاعفة فئات استهلاك المياه لتغطية تكاليف التشغيل محليّاً وإقليميّاً. وأن العمل في منطقة توشكي يتميز بمناخ صعب وحرارة عالية تؤدي لارتفاع استهلاك المياه، وهو أمر تجب مراعاته.

وأضاف أن الشركة الاماراتية التزمت بتوريد كامل محصول القمح للحكومة المصرية بدلاً من إرساله لبلدها التي تستورد القمح أيضاً، موضحا أنه في ضوء خبرته السابقة بوزارة التموين فالتوريد يتم بالجنيه المصري فقط، سواء كان المنتج محليّاً أو عبر مستوردين.

وفي رده على تعقيب للمهندسة المعمارية والأكاديمية جليلة القاضي  Galila El Kadi، التي تساءلت باستنكار عن سبب بيع الأراضي لمستثمرين أجانب قائلة: "ومصر تبيع ليه أراضي توشكي لمستثمرين أجانب، ما تستثمرش الدولة ليه ويبقى قمحنا في أرضنا وزيتنا في دقيقنا، شيء غريب"، رد الدكتور نادر نور الدين مبرراً الموقف الحكومي بقوله: "لم تتقدم أي شركات مصرية والأمر يتطلب رأس مال ضخم لمنطقة نائية".
 

عمق الخلل الاقتصادي

وأثار منشور نادر نور الدين موجة عارمة من الردود والتعقيبات من خبراء ومواطنين، فككوا من خلالها الرواية الرسمية

https://www.facebook.com/nadr.nwr.aldyn.619593/posts/pfbid02pozUe7XRwtcs7iiJmtpTjdKsuYeKSpp4yC7q73ABJUTjyDY6nigHMV1rUo3JAnDPl?comment_id=1019860077606299.

 

وانتقد حساب (أبو سفيان) التوجه الحكومي السائد، معتبراً أن "الشركات والدولة المصرية مشغولة ببيع الأراضي والعقارات.. زرع إيه وكلام فاضي إيه.. إحنا بتوع السريع واللقطة والسبوبة"، ملمحاً إلى التوسع في خصخصة القطاعات الإستراتيجية كالصحة والتعليم وقناة السويس والموانئ.

وواجه تامر عزب     Tamer Alazab (مشرف الزراعة المحمية بوزارة الزراعة السعودية) "نور الدين" ببيانات فنية وسعرية صارمة، موضحاً أن القمح محصول شتوي لا يبرر حجة استهلاك المياه الصيفية الصعبة. وأضاف متسائلاً عن غياب العدالة التوزيعية: "الدولة تستلم الطن من الفلاح المصري بمتوسط 130 إلى 145 دولار، بينما اشترت قمح الشركات الأجنبية بـ 170 دولار، فلماذا هذا الفرق مع أن كله في مصر أرض وماء وعمالة؟"، مؤكداً أن الخبرات الفنية المصرية متوفرة ولا تحتاج لاستيراد استثمار أجنبي لزراعة القمح.

وركز محمد اسامة  Mohamed Osama Goda على الأثر النقدي والسيادي طويل الأمد، موضحاً أن المستثمر الأجنبي سيحول أرباحه في النهاية إلى دولار للخارج، مما يعني أن الدولة تستورد القمح فعليّاً. وأشار إلى أن البنك الدولي نفسه بات ينصح بمنح الأراضي للفلاحين المحليين لأن الأرض المباعة لا تعوض.

وتساءل خالد أحمد  Khaled Ahmed Habib عن غياب تكافؤ الفرص للمؤسسات الوطنية، قائلاً: "هل تم توفير نفس الامتياز والحماية لشركات مصرية أو هيئة التأمينات أو هيئة الأوقاف المصرية لديهما أموال كافية للقيام بنفس الاستثمار دون تغول أو تسلط جهات معروفة؟".

وكشف سمير ابو يوسف  Samir AboYosef عن كارثة بيئية ومائية تحدث في شرق العوينات، حيث تقوم الشركات بزراعة البرسيم الحجازي المستنزف للمياه الجوفية لسبع سنوات متواصلة لتصديره كأعلاف لبلادهم، مما أدى لهبوط منسوب المياه الجوفية من 8 أمتار إلى أكثر من 40 متراً، واصفاً ذلك بضياع حق الأجيال القادمة.

وأكد إبراهيم عبدو Hema Abdo عدم امتلاك مصر لرفاهية بيع الأراضي والمياه لشركات أجنبية، مشدداً على ضرورة إشراك الشباب المصري في هذه المساحات (الدولة بالأرض والماء، والشباب بالمجهود) ليعود العائد بالكامل للبلاد.

وتساءل بوب Bob Bob بتلقائية: "ما دام فيه شركات استثمارية بتزرع القمح في ظل تكاليف مرتفعة وظروف مناخية قاسية وبتحقق ربح، ليه الحكومة لا تعرض هذه الأراضي على صغار الفلاحين مع توفير مدخلات الإنتاج؟".

وشكك أحمد علي  Mohamed Ali  في آلية الدفع بالعملة المحلية متسائلاً: "طيب ينفع يا دكتور تبيع لمصر القمح بملايين الدولارات بالعملة الصعبة ولا تبيعه بالجنية المصري مع أنه يزرع على أرض مصرية؟".

وتحدث مراقبون عن الخلل في بلدنا من حيث تنظيم الأولويات وسط تساؤلات عن "وكيف تعجز مصر عما فعلته الإمارات والسعودية؟".

ولفت "ماهر بحيلق" الانتباه إلى التفاصيل المالية غير المعلنة والديون المقترنة بهذه المشروعات، قائلاً: "المشكلة إنه مع كل موسم جني القمح وتوريده من الشركة الإماراتية مصر بتاخد قرض بـ 500 مليون دولار من الإمارات"، مشيراً إلى بنود مجحفة مشابهة في صفقة جبل الزيت تلزم الحكومة بالشراء بالدولار، ومطالباً بنشر بنود الشراء علناً لإزالة اللغط.

وفي عدد كبير من التعليقات هاجموا هاني توفيق وبعض الرموز الفكرية، معتبراً تصريحاتهم مجرد محاولة "لأخذ اللقطة والهجص للغلابة"، معتبراً أنه لا فرق بين المستثمر الإماراتي والفلاح المصري الذي يصدر منتجاته المزروعة بمياه مصرية للخارج.

وكان السياسي زهدي الشامي وعبر Zohdy Alshamy لفت إلى مستوى المعين من السيسي وزيرا للزراعة وتناول كيف أن "وزير  الزراعة المحاسب  يوبخ أستاذ الزراعة المتخصص ".

وقال إن "مسلسل تعجرف وغطرسة الوزراء والمسئولين المصريين الحاليين يتواصل وبشكل شبه يومى . اول أمس انشغلت مواقع التواصل بتقريع علاء فاروق وزير الزراعة أمام الجميع لأستاذ من هيئة البحوث  الزراعية كان يشرح فى حضوره مع سفيرة الاتحاد الأوربي  انجالينا آمخورست بعض الأمور عن محصول القمح بقرية دنشال بالبحيرة ، تضمنت أن تكلفة زراعة فدان  القمح 30 ألف جنيه، وهو ما لم يعجب الوزير وقال له : " انت مش عارف بتتكلم فى ايه ، لما تقف مع المزارعين اتكلم صح ".

وعلق "بغض النظر عن دقة أو عدم دقة الرقم ، فلا بد أن نشير إلى أن الذى يصحح لدكتور فى الزراعة هو وزير الزراعة الذى لم يدرس الزراعة فى اى يوم فى حياته ، لأنه خريج تجارة وعمل مصرفيا كرجل بنوك ، مثله مثل وزير الزراعة الذى سبقه سيد القصير. فهل خلت مصر من خبراء الزراعة حتى نسند إدارة الزراعة للمحاسبين ورجال البنوك ؟ .. نعيش كارثة فى معايير اختيار المسئولين وكارثة فى منهج إدارة البلاد ".

ولم تتوقف انتقادات توفيق عند هذا الحد، بل تجاوزتها لترصد ظاهرة نزيف الاستثمارات المحلية نحو الخارج، مستدلاً بهروب الشركات المصرية إلى بيئات استثمارية بديلة، حيث صرح قائلاً في وقت سابق "5300 شركة مصرية، وبقيمة 1.4 مليار دولار اتجهت للإمارات العام الماضي!!! وأكرر: قبل تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر هنا، فلنحاول معرفة السبب في خروجه من مصر أصلاً.. الأسباب في رأيي على رأسها مكتسبات الدولة العميقة وباقي المعوقات المعروفة، ويتبقى مواجهتها بشجاعة".

وحظيت آراء توفيق بتفاعل واسع من المنصات الإخبارية؛ إذ نقلت شبكة "مزيد" عبر حسابها الموثق @MazidNews في 12 يناير تثمينه لقرار حكومي كسر نمط التنازلات، حيث اعتبر أن "رفض بيع حصة حاكمة للإمارات في الشركة القابضة للنقل البحري خطوة موفقة، رغم تأخرها، لمواجهة أطماعهم وتوسعهم داخل مصر".

وفي سياق متصل، أعادت منصة "وطن. يغرد خارج السرب" عبر حسابها الرسمي @watanserb_news في 30 أكتوبر 2025 تسليط الضوء على الأبعاد الجيوسياسية الشائكة التي يثيرها الدكتور هاني توفيق، مشيراً إلى أن "تظل علامة الاستفهام الكبرى هي ما يقال عن دور الإمارات في رعاية المجازر في دارفور وتمويل سد النهضة.. فهل من تفسير لهذه المهازل؟".

وارتأى عديد من مراقبي السوق في بداية الموسم أن المستهدف البالغ 5 ملايين طن هو رقم طموح، لكنه بات الآن رقما متحفظا على ما يبدو. على الجانب الآخر، استوردت مصر 7.1 مليون طن من القمح خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، بزيادة قدرها 65%، مقارنة بـ 4.3 مليون طن في الفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يمثل رقما قياسيا للأشهر الخمسة الأولى من العام. وقفز متوسط معدل الاستيراد الشهري من 869 ألف طن إلى 1.43 مليون طن.