لا يكاد يمر يوم الا ونسمع عن قضية فساد في جهاز من الأجهزة او وزارة من الوزرات، وثد صارت رائحة الفساد تزكم الانوف، ولما لا والنظام في مجمله قام على الفساد من البداية، فالانقلاب العسكري كان بداية فساد الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى شبه دولة المنقلب السيسى.
أحالت نيابة أمن الدولة العليا 9 مسئولين وموظفين ورجلي أعمال إلى المحاكمة، على خلفية اتهامات تتعلق بتلقي وطلب رشاوي، والتلاعب في تقارير معاينة مصانع، واستخدام مستندات مزورة، مقابل تسهيل إجراءات استخراج السجلات الصناعية والتراخيص.
وتحمل القضية رقم 1769 جنايات أمن الدولة العليا، ومن المقرر أن تنظر محكمة جنايات الجيزة أولى جلساتها في 27 سبتمبر 2026، فيما تعود الوقائع محل التحقيق إلى الفترة من أغسطس 2017 وحتى 21 فبراير 2018.
وبحسب أمر الإحالة وأقوال الشهود وأدلة الإثبات، فإن القضية تدور حول إجراءات استخراج السجلات الصناعية لمصنعين في محافظتي دمياط والجيزة، وتضمنت اتهامات لموظفين بالهيئة العامة للتنمية الصناعية باستغلال وظائفهم للحصول على مبالغ مالية مقابل تسهيل الإجراءات والتلاعب في بيانات فنية ومستندات رسمية.
9 متهمين في القضية
تضم القضية عددًا من العاملين بالهيئة العامة للتنمية الصناعية، بينهم إسلام محمد ومحمد فوزي، أخصائيان بالهيئة، وسيد إمام ومحمد مصلحي، أخصائيا هندسة، ومحمد عبد الحميد، كاتب شئون مالية وإدارية.
كما تضم زينب علي، مهندسة بالوحدة المحلية لمركز ومدينة الزرقا بمحافظة دمياط، وزينب شرف الدين، مديرة إدارة بالهيئة وقت وقوع الأحداث، إلى جانب رجلي الأعمال محمد لبيب والسيد عبد الرحمن.
وتتضمن الاتهامات طلب وتلقي مبالغ مالية على سبيل الرشوة، والتوسط في تقديمها إلى موظفين عموميين، إلى جانب تغيير بيانات في تقارير معاينة رسمية، واستعمال أوراق مزورة، وتزوير إفادة منسوبة إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي.
160 ألف جنيه مقابل سجل صناعي لـ "نانين جلاس"
ارتبط المسار الأول من القضية بمصنع "نانين جلاس" لصناعة الزجاج، المملوك لرجل الأعمال محمد لبيب. وبحسب التحقيقات، اتهمت النيابة إسلام محمد ومحمد فوزي بطلب وتلقي مبلغ 160 ألف جنيه، بوساطة زينب شرف الدين، مقابل إجراء المعاينة اللازمة للمصنع وإثبات طاقة إنتاجية مخالفة للحقيقة في تقرير المعاينة، بما يسمح باستكمال إجراءات إصدار سجل صناعي.
ولم تتوقف الاتهامات عند التلاعب في بيانات المعاينة، إذ تضمنت التحقيقات واقعة أخرى تتعلق بمستند تأمينات اجتماعية قُدم ضمن ملف المصنع.
وقالت النيابة إن المستند كان إفادة منسوبة إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، وإنه جرى اصطناعها ووضع أختام مزورة عليها، ثم استخدامها لاستكمال ملف المصنع لدى الهيئة العامة للتنمية الصناعية.
واتهمت النيابة إسلام محمد وزينب شرف الدين بالاشتراك مع مجهولين في تزوير المستند واستخدامه، فيما تضمنت الأوراق أقوالًا لرجل الأعمال محمد لبيب بشأن واقعة دفع الرشوة.
100 ألف جنيه لمصنع "الحياة"
أما المسار الثاني، فتعلق بمصنع "الحياة لتصنيع الألوميتال والأستانليس ستيل"، المملوك لرجل الأعمال السيد عبد الرحمن. واتهمت النيابة أربعة من موظفي الهيئة العامة للتنمية الصناعية بطلب مبلغ 100 ألف جنيه على سبيل الرشوة، مقابل إجراء معاينة للمصنع وإثبات طاقة إنتاجية على خلاف الحقيقة، وصولًا إلى إصدار سجل صناعي.
وبحسب التحقيقات، حصل المتهمون بالفعل على 85 ألف جنيه من قيمة المبلغ المطلوب. وتكشف أقوال رجل الأعمال الواردة في التحقيقات عن تفاصيل بدأت عندما كان يمتلك مصنعًا لتصنيع الأبواب والنوافذ في نطاق مركز الزرقا بمحافظة دمياط، ويمارس نشاطه دون ترخيص منذ عام 2008.
ومع رغبته في توريد منتجاته إلى جهات حكومية من خلال المناقصات العامة، لجأ في يوليو 2017 إلى زينب علي، المهندسة بالوحدة المحلية لمركز ومدينة الزرقا، لمساعدته في استخراج سجل صناعي مؤقت.
وبحسب التحقيقات، عرّفته المهندسة على زينب شرف الدين، مديرة إدارة بالهيئة العامة للتنمية الصناعية وقتها، وعلى ابنها العامل بالهيئة. وخلال لقاء جمع الأطراف، طُلب من رجل الأعمال، وفق أقواله، مبلغ 45 ألف جنيه مقابل استخراج سجل صناعي مؤقت.
وبعد انتهاء صلاحية السجل المؤقت، سعى إلى الحصول على سجل صناعي دائم، ليُطلب منه مبلغ آخر قدره 45 ألف جنيه مقابل استكمال الإجراءات.
التلاعب في الطاقة الإنتاجية
أظهرت التحقيقات أن الاتهامات لم تقتصر على طلب الأموال مقابل إنهاء الإجراءات، وإنما امتدت إلى الجانب الفني من عملية منح السجلات الصناعية. فوفقًا لأمر الإحالة، تضمنت الوقائع إثبات طاقات إنتاجية في تقارير المعاينة تخالف الحقيقة، بما يساعد المصانع على استيفاء المتطلبات اللازمة للحصول على السجل الصناعي.
وتعد تقارير المعاينة من الإجراءات الأساسية التي تعتمد عليها الجهات المختصة في تقييم أوضاع المنشآت الصناعية، والتحقق من طبيعة النشاط والطاقة الإنتاجية ومدى استيفاء الاشتراطات المطلوبة.
ومن ثم، فإن التلاعب في هذه البيانات، حال ثبوته أمام القضاء، لا يتعلق فقط بالحصول على منفعة مالية، وإنما يؤثر أيضًا في دقة البيانات التي تعتمد عليها الجهات الحكومية في تنظيم النشاط الصناعي.
مستندات مزورة لاستكمال ملف مصنع
وفي واقعة "نانين جلاس"، اتجهت التحقيقات إلى اتهام بعض الموظفين بالاشتراك في اصطناع مستند رسمي واستخدامه ضمن ملف المصنع.
وقالت النيابة إن الإفادة المنسوبة إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي استُخدمت لاستيفاء المستندات المطلوبة لدى الهيئة العامة للتنمية الصناعية، رغم عدم استيفاء المصنع النموذج التأميني المطلوب. وتشير الأوراق كذلك إلى اتهامات بتغيير بيانات في تقارير رسمية وإثبات معلومات مخالفة للحقيقة بشأن الطاقة الإنتاجية.
أدلة الاتهام
اعتمدت النيابة في القضية، بحسب المستندات، على مجموعة من الأدلة شملت أقوال المتهمين والشهود، والمستندات المتعلقة بالمصنعين، إلى جانب تسجيلات لبعض المكالمات التي تتعلق بالاتفاق على مبالغ الرشوة.
كما تضمنت التحقيقات اعترافات من رجال الأعمال بشأن دفع مبالغ مالية، فضلًا عن أقوال أخرى تناولت تفاصيل التواصل بين أطراف القضية ومسار استصدار السجلات الصناعية.
ومن المقرر أن تبدأ محكمة جنايات الجيزة نظر القضية في 27 سبتمبر المقبل، لتبدأ معها مرحلة المحاكمة العلنية وتقييم الأدلة والاتهامات أمام القضاء.
القضية تفتح ملف الفساد الإداري
وتسلط القضية الضوء على واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين الدولة والمستثمرين، وهي الإجراءات الإدارية والفنية المرتبطة بالحصول على التراخيص والسجلات الصناعية. فالهيئة العامة للتنمية الصناعية تمثل جهة محورية أمام أصحاب المشروعات والمصانع، ومن خلالها تمر إجراءات تتعلق بالمعاينات والسجلات والتراخيص.
وفي حال ثبوت الاتهامات أمام المحكمة، فإن وقائع القضية تكشف عن استغلال موظفين لمواقعهم الوظيفية للحصول على منافع مالية، إلى جانب التلاعب في مستندات وبيانات يفترض أن تكون أساسًا لاتخاذ قرارات إدارية.
كما تطرح القضية تساؤلات حول آليات الرقابة على الموظفين المسzولين عن معاينة المنشآت الصناعية، ومدى قدرة الإجراءات الحالية على منع التلاعب أو ابتزاز المستثمرين وأصحاب المصانع.