الفشل المُبكّر للعاصمة الإدارية.. حالات تعثر وخروج مطوّرين ومشترون عالقون في مشروعات متأخرة

- ‎فيتقارير

خلف الأبراج والمباني الضخمة التي ارتفعت في سماء العاصمة الإدارية الجديدة، لنظام الانقلاب العسكرى الدموى  ،و التى أهدر عليها  السفيه  السيسى، عشرات المليارات ، من أموال المصريين ، تتكشف أزمة أخرى لا تظهر بسهولة في الصورة الرسمية للمشروع؛ مشروعات تعاني بطء التنفيذ، ومطورون خرجوا من المشهد، ومشترون ينتظرون تسليم وحداتهم منذ سنوات، فيما لا تزال بعض المشروعات في مراحل الحفر ودق الخوازيق رغم اقتراب أو تجاوز مواعيد التسليم المتفق عليها.

وتشير الوقائع والشكاوى التي جرى رصدها إلى 14 حالة ومشروعًا ارتبطت، خلال السنوات الماضية، بالانسحاب أو إنهاء التعاقد أو تعثر التنفيذ أو تأخر التسليم، بينها حالات خرج فيها مطورون من مشروعاتهم، وأخرى يواجه فيها المشترون تأخرًا في التنفيذ والتسليم.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية فسخ أو إنهاء تعاقدات 6 شركات، فيما أكدت الشركة أنه لا يوجد تعثر عام بين المطورين داخل العاصمة، وأن التعامل مع المشروعات المتأخرة يجري وفق ظروف كل حالة.

وفي الوقت نفسه، بدأت الحكومة حصرًا للمشروعات العقارية المتعثرة بهدف تحديد أعدادها وأسباب تعثرها وآليات التعامل معها، لتطرح الأزمة سؤالًا أساسيًا: ماذا يحدث للمشتري وأمواله عندما يتأخر المشروع أو يخرج المطور من المشهد؟

 

حالات لإنهاء التعاقدات

كشف خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية في 8 سبتمبر الجاري، عن وجود 6 حالات لإنهاء أو فسخ تعاقدات مرتبطة بأراضي العاصمة منذ نشأة المشروع.

وأوضح عباس أن هذه الحالات كانت في الأساس فسخًا للتعاقد بالتراضي، مشيرًا إلى أن المطور الذي يواجه صعوبة في استكمال مشروعه يمكنه تسليم الأرض واسترداد أمواله وفق الأطر القانونية.

وأرجع عباس حالات التأخير إلى الظروف الاقتصادية والحروب العالمية وما خلفته من ضغوط على تكاليف التنفيذ والسيولة، مؤكدًا عدم وجود تعثر عام بين المطورين داخل العاصمة، وأن الشركة تتعامل مع المشروعات المتأخرة بحسب ظروف كل حالة، وليس باعتبار كل تأخير تعثرًا ماليًا أو فشلًا للمشروع.

وبحسب تصريحات رئيس الشركة، يبلغ حجم أصول العاصمة الإدارية نحو 400 مليار جنيه، فيما سددت الشركة للدولة نحو 40 مليار جنيه خلال السنوات العشر الماضية.

ولم تعلن الشركة أسماء الشركات التي جرى فسخ أو إنهاء تعاقداتها.

الدولة لا تبدأ بسحب الأرض

وفي المقابل، تؤكد وزارة الإسكان أن تأخر المشروع لا يعني تلقائيًا سحب الأرض من المطور.

وأوضح الدكتور وليد عباس، نائب وزير الإسكان لشؤون هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، أن تقييم كل مشروع يرتبط بجدية المطور ونسب التنفيذ، مع إمكانية منحه مهلة إضافية، أو إعادة تقييم وضع المشروع، أو إدخال مطور شريك قبل الوصول إلى مرحلة سحب الأرض.

وبحسب الوزارة، يمكن في حال تعذر استمرار المطور إسناد استكمال المشروع إلى شركة أخرى، أو تولي هيئة المجتمعات العمرانية استكماله، مع الحفاظ على حقوق المشترين وفق الأطر القانونية.

لكن هذا المسار يظل مرتبطًا بكل حالة على حدة، فيما لم تعلن الحكومة حتى الآن رقمًا نهائيًا لعدد المشروعات المتعثرة في السوق العقارية، انتظارًا لنتائج الحصر الذي بدأ في سبتمبر.

14 حالة تفتح ملف التعثر

يكشف رصد الحالات المرتبطة بالعاصمة الإدارية عن سلسلة من الوقائع الممتدة منذ السنوات الأولى للمشروع.

ففي يناير 2016، أعلن رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة «إعمار» العقارية، وقف خططه لإقامة مشروع في العاصمة الجديدة، مؤكدًا عدم التوصل إلى اتفاق مع الجانب المصري «يرضي الطرفين»، وكشف مسؤول حكومي آنذاك أن العبار رفض طلبًا بوضع وديعة تصل إلى 5 مليارات دولار في أرصدة البنك المركزي.

وفي أغسطس 2018، انسحبت شركة «نوفاذا استانزا» من تنفيذ مشروعها في العاصمة، وقال مسؤول التسويق بالشركة وقتها إن مقدمات الحجز جرى ردها إلى العملاء.

وفي 2019، انسحبت شركة فواز الحكير السعودية من تنفيذ مشروع على مساحة 100 فدان، كانت قد تعاقدت عليها في 2016 بنظام حق الانتفاع لمدة 50 عامًا، مع رد 100 مليون جنيه كانت الشركة قد سددتها كدفعة مقدمة للتعاقد على الأرض.

أما في 2021، فدخل مشروع «سيتي أوفال» التابع لشركة «ماستر جروب» في أزمة مالية وتنفيذية، انتهت بالتنازل عن قطعة الأرض، بعد بيع وحدات بالمشروع بالمخالفة لاشتراطات شركة العاصمة الإدارية، بحسب الوقائع الواردة في المادة.

وفي يناير 2025، ظهرت واقعة مختلفة، عندما قررت شركة «الشمس للإسكان والتعمير» فسخ تعاقدها مع شركة «أوليف تري» للمقاولات والاستثمار العقاري بشأن تطوير قطعة أرض في العاصمة الجديدة، مع إعلانها نيتها استكمال المشروع ذاتيًا أو من خلال آلية أخرى.

"جنوب".. تعاقدات منذ 2018 وانتظار مستمر

ولا تتوقف الأزمة عند خروج المطورين؛ فهناك مشروعات لا يزال المشترون ينتظرون استكمالها وتسليم وحداتهم.

ومن أبرز الحالات مشروع «كمبوند جنوب» في منطقة R7، الذي بدأت تعاقدات عدد من ملاكه في 2018، وكان مقررًا تسليم الوحدات في ديسمبر 2022.

وبحسب روايات عدد من الملاك، لم يتم التسليم حتى الآن، بينما لا تتجاوز نسبة التنفيذ، وفق تقديراتهم، 25%، مع فترات توقف في الأعمال.

وتقول نجوى عزب، إحدى المتضررات: «شقي عمرنا وأموالنا ليست محلًا للتأخير أو الإهدار».

وتكشف هذه الحالة جانبًا من الفجوة بين الموعد الذي يتضمنه العقد وبين واقع التنفيذ على الأرض، خصوصًا بالنسبة إلى المشترين الذين التزموا لسنوات بسداد الأقساط في انتظار وحدة سكنية كان يفترض تسلمها في موعد محدد.

«East Tower».. سنوات من الانتظار

وفي يناير 2022، تعاقد عدد من المشترين على وحدات في مشروع «East Tower» التابع لشركة UC Developments، على أن يبدأ التسليم في يناير 2026، وفق رواية المتضررين.

لكن الموعد مر دون تسليم، وامتد التأجيل، فيما يقول المشترون إن المشروع لا يزال في مراحل الحفر ودق الخوازيق.

ويقول ياسر برهام، أحد المشترين، إنهم ينتظرون منذ سنوات، واصفًا وضع المشروع بقوله: «إحنا بقالنا 4 أو 5 سنين في حفرة تحت الأرض، لا تراخيص ولا تصميم معتمد».

كما يقول مشترون إنهم لم يحصلوا، بحسب روايتهم، على تصميم نهائي يحدد وحداتهم.

وتتضمن شكاوى بعض العملاء اتهامات للشركة باستخدام أموال العملاء في استثمارات أخرى، وهي اتهامات لا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة دون رد موثق من الشركة ومستندات مستقلة.

ومن بين المتضررين مصريون في الخارج، بينهم الدكتور عبد الكريم رزق المقيم في السعودية منذ عام 1975، والذي يقول إنه استثمر مدخرات سنوات الغربة في المشروع بعدما قدمته الحملات التسويقية باعتباره فرصة استثمارية.

وبالنسبة إليه، لم يعد الأمر مجرد تأخر في التسليم، وإنما تحول إلى أزمة ثقة في المشروع وفي الوعود التي صاحبت عملية البيع.

«طاهر» و«تاون رايترز».. النزاع يصل إلى القضاء

وفي فبراير 2022، بدأت تعاقدات ملاك مشروعات «طاهر» و«تاون رايترز»، قبل أن يصل النزاع إلى ساحات القضاء.

وفي 31 أغسطس 2026، أقام عدد من الملاك دعاوى ضد الشركتين للمطالبة بكشف الموقف التنفيذي والقانوني للمشروعات.

وبحسب رواية الملاك، كان التسليم مقررًا بعد ثلاث سنوات، أي في فبراير 2025، مع فترة سماح حتى فبراير 2026، إلا أن معدلات التنفيذ لم تتناسب، من وجهة نظرهم، مع المواعيد المتفق عليها.

وطالب أصحاب الدعاوى بتوضيح الموقف القانوني والتراخيص ونسب التنفيذ والجدول الزمني النهائي للتسليم.

«ERG».. سداد 80% وانتظار اكتمال المشروعات

وفي أحدث دوائر الشكاوى، امتد الأمر إلى عملاء شركة «إعمار رزق للتطوير العقاري» ERG، الذين اشتكوا من تأخر تنفيذ وتسليم خمس مشروعات، هي «Diamond 1» و«Diamond 2» و«Ri8» و«Monorail Tower» و«Elyaf».

وبحسب الشكاوى الواردة، سدد العملاء نحو 80% من قيمة وحداتهم، بينما لا تزال المشروعات تنتظر الاكتمال والتسليم.

وتعيد هذه الحالة طرح السؤال الأكثر حساسية في سوق التطوير العقاري: هل يظل المشتري قادرًا على حماية أمواله عندما يكون قد دفع الجزء الأكبر من قيمة الوحدة، بينما لم يصل المشروع إلى مرحلة التسليم؟

من يحمي المشتري؟

عند هذه النقطة، تنتقل الأزمة من مجرد تأخر في التنفيذ إلى قضية قانونية ومالية أكثر تعقيدًا.

فالمشتري لا يواجه فقط خطر الانتظار، وإنما قد يجد نفسه أمام عقد طويل الأجل، وأموال دفعت بالفعل، ومشروع لم يكتمل، ومطور يواجه صعوبات مالية أو تنفيذية.

ويرى المحامي رضا المنشاوي أن العقود المتداولة في السوق لا توفر، في كثير من الحالات، حماية كافية للعملاء، مطالبًا باعتماد عقد موحد أو نماذج معتمدة تضع حدًا أدنى من الضمانات وتحدد بوضوح التزامات المطور وحقوق المشترين.

كما يدعو إلى تفعيل «حساب الضمان»، بحيث تتجه أموال العملاء إلى المشروع الذي دفعوا فيه، بدلًا من استخدامها في شراء أراضٍ جديدة أو تمويل مشروعات أخرى بما قد يؤثر في معدلات التنفيذ.

ويطرح حسام جرامون، الشريك المؤسس لشركة «أدسيرو» للاستشارات القانونية، ربط التدفقات المالية بنسبة الإنجاز الفعلي، بحيث تتحرك حصيلة المبيعات بالتوازي مع تقدم الأعمال، بما يقلل مخاطر التعثر ويحد من استخدام أموال المشترين خارج المشروع محل البيع.

أما المحامي عمرو نظير، فيوضح أن العقد يظل المرجع الأساسي للعلاقة، وأن العميل يستطيع، بحسب شروط التعاقد وظروف كل حالة، المطالبة بالفسخ والتعويض والغرامات عند إخلال المطور بالتزاماته.

لكن المشكلة قد لا تنتهي عند الحصول على حكم؛ إذ يشير نظير إلى أن بعض المتضررين قد يواجهون صعوبة في تنفيذ الحكم إذا لم تتوافر لدى المطور أصول أو أموال كافية.

ماذا يحدث إذا خرج المطور؟

تسعى وزارة الإسكان إلى تقديم أكثر من مسار للتعامل مع المطور الذي يعجز عن استكمال مشروعه.

وبحسب الدكتور وليد عباس، يمكن أن تبدأ المعالجة بمنح المطور مهلة إضافية، أو إعادة تقييم مساحة الأرض، أو إدخال مطور شريك، بينما يمكن في الحالات التي يتعذر فيها استمرار الشركة سحب الأرض وإسناد استكمال المشروع إلى مطور عقاري آخر.

وأكد عباس أن حقوق المشترين تظل محفوظة في مختلف السيناريوهات، سواء تولت هيئة المجتمعات العمرانية استكمال المشروع أو جرى إسناده إلى مطور جديد، وفق الأطر التي تحددها الجهات المختصة.

غير أن مصير كل مشروع يظل مرتبطًا بوضعه القانوني والتنفيذي وبطبيعة التعاقدات المبرمة مع المشترين.

لماذا يتعثر المطورون؟

تتعدد التفسيرات التي يقدمها العاملون في القطاع العقاري لأسباب التعثر.

ويرى أنس الكيلاني، المسوق العقاري وأحد مؤسسي شركة «هب إمباير»، أن بعض المشروعات المتعثرة في العاصمة الإدارية دخلها مطورون استفادوا من التسهيلات التي جذبت الشركات إلى السوق، رغم عدم امتلاك بعضهم الملاءة المالية الكافية لتنفيذ مشروعات كبيرة.

أما الخبير العقاري عبد المجيد جادو، فيربط جانبًا من تأخر المشروعات بارتفاع التضخم وتكاليف البناء، موضحًا أن بعض المطورين لم تكن لديهم القدرة المالية الكافية على استيعاب الزيادات، فلجأوا إلى مقدمات الحجز والأقساط كمصدر لتمويل التنفيذ.

ومن زاوية أخرى، يرى محمود سامي، المتخصص في التطوير العقاري، أن السوق تحتاج إلى ضوابط تجعل صفة «المطور العقاري» مرتبطة بالملاءة المالية والاستدامة والقدرة على التخطيط والتنفيذ طويل الأجل، وليس بمجرد امتلاك الأرض وطرح الوحدات للبيع.

 اعادة فرز السوق

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تتجه وزارة الإسكان إلى إعادة تنظيم نشاط التطوير العقاري، من خلال إعداد مشروع قانون لإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، مع وضع معايير واضحة للعضوية تستهدف ضمان دخول الشركات القادرة على تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

وبحسب الوزارة، فإن الشركات التي يثبت تعثرها وعدم التزامها بتنفيذ تعاقداتها أو تسليم الوحدات وفق المواعيد والالتزامات المتفق عليها لن تتوافر فيها معايير الانضمام إلى الاتحاد المقترح.

كما تتجه الدولة إلى ربط تخصيص الأراضي الجديدة بعوامل من بينها الملاءة المالية وسابقة الأعمال والخبرة الفنية، بهدف تحسين عملية فرز المطورين قبل حصولهم على الأراضي وطرح الوحدات للبيع.

وفي العاصمة الإدارية نفسها، تقول شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية إنها تتابع معدلات التنفيذ بصورة دورية، فيما تمنح المطورين الجادين المتأخرين تيسيرات تساعد على استكمال مشروعاتهم، بينها مدد إضافية وإجراءات لتسوية المتأخرات وتحسين معدلات الإنجاز.

وتضم العاصمة الإدارية الجديدة أكثر من 550 مطورًا من القطاع الخاص ينفذون ما يزيد على 600 مشروع، وفق أحمد فهمي، مدير عام شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية.

العاصمة بين الأبراج وأزمة الثقة

تكشف حالات التعثر والتأخير والخروج من المشروعات عن جانب آخر من تجربة العاصمة الإدارية الجديدة؛ فخلف المشروعات الكبرى والأبراج التي أصبحت رمزًا للمشروع، توجد تعاقدات يمتد بعضها لسنوات، ومشترون ينتظرون وحداتهم، ومطورون واجهوا صعوبات في استكمال التزاماتهم.

ولا يعني ذلك أن جميع المطورين أو المشروعات داخل العاصمة متعثرة؛ فشركة العاصمة الإدارية تؤكد صراحة عدم وجود تعثر عام، وتتعامل مع حالات التأخير كل على حدة.

لكن استمرار شكاوى المشترين ووجود حالات فسخ وإنهاء تعاقدات، بالتوازي مع بدء الحكومة حصر المشروعات المتعثرة على مستوى السوق، يعيد فتح ملف قواعد دخول المطورين إلى السوق، وكيفية حماية أموال المشترين قبل وقوع الأزمة وليس بعدها.

وفي النهاية، لا يتوقف اختبار العاصمة الإدارية عند عدد الأبراج التي تُبنى، وإنما يمتد إلى قدرة منظومة التطوير العقاري على الوفاء بالعقود والمواعيد، وضمان حقوق المشترين، ووضع آليات واضحة للتعامل مع المطور المتعثر قبل أن تتحول مشكلته المالية إلى أزمة يتحمل كلفتها آلاف العملاء.