تحت شعارات "التطوير، التطهير، وإعادة التوازن البيئي"، سلطت الدولة الضوء طوال السنوات الماضية على بحيرة البرلس في محافظة كفر الشيخ، مُروّجة لجهود رسمية ضخمة لإزالة الحشوش، وتعميق البواغيز، ومنع التعديات، لكن خلف هذه الواجهة البيئية البراقة، تتكشف على أرض الواقع استراتيجية مغايرة تماماً؛ حيث تحوّل هذا المورد الطبيعي الهام إلى ساحة نفوذ جديدة لـ جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة (الكيان السيادي القوي)، وسط اتهامات بفرض منظومة جباية خانقة واحتكار غير مسبوق يقوض معيشة آلاف الصيادين البسطاء.
"تطهير البحيرة" كغطاء للتمدد السيادي
وفي أحدث عرض رسمي منشور في سبتمبر 2026، قالت الحكومة: "إن نسبة تنفيذ مشروع التطهير والتعميق بلغت نحو 99%، وإن الأعمال تشمل البوغاز والقنوات الشعاعية وإزالة الهيش والتكريك وإنشاء مراسٍ للصيادين ومراسي لشرطة المسطحات وحرس الحدود".
وفي أحدث تفقد حكومي للمشروع، أوضحت وزارة الإسكان أن المراحل الثلاث تشمل مساحات تبلغ 1808 أفدنة، ثم 1500 فدان، ثم 3746 فدانًا، بإجمالي كميات تكريك تصل إلى ملايين الأمتار المكعبة، كما أكدت أن المشروع ينفذه الجهاز المركزي للتعمير، وتتولى شركة المقاولون العرب الأعمال التنفيذية.
ولسنوات، سوق الإعلام الرسمي مشاريع تنظيف بحيرة البرلس كإنجاز قومي لحماية الثروة السمكية وتوفير فرص العمل. لكن المشهد تغير جذرياً مع دخول جهاز "مستقبل مصر" على خط إدارة البحيرة وتطويرها.
وفقاً لتقارير وشهادات ميدانية، تم تمرير قرارات تمنح هذا الجهاز السيادي المستقل حق الاستحواذ والسيطرة الكاملة على عمليات الإدارة والتطوير والتشغيل بالبحيرة، والحصول على أصول ومساحات شاسعة بأسعار بخسة لا تتعدى 5% من قيمتها السوقية الحقيقية، هذا الاستحواذ المالي الشبه مجاني تم تبريره تحت لافتة "تطوير الأصول غير المستغلة ودعم الاقتصاد القومي"، بينما يراه مراقبون واقتصاديون عملية استحواذ قسري وممنهج على مقدرات البحيرة لصالح الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية والسيادية.
40% من الصيد مقابل السماح بالبقاء
الوجه الأكثر قتامة لهذا التحول تمثل في الإجراءات الصارمة والتعسفية المفروضة على الصيادين التقليديين، الذين تشكل البحيرة مصدر رزقهم الوحيد منذ عقود، لم يعد الصياد يواجه أمواج البحيرة فقط، بل أصبح مواجهاً بـ منظومة جباية واحتكار غير مسبوقة.
وتشير الروايات الميدانية وشكاوى الصيادين إلى فرض آليات إجبارية تلزمهم بتوريد ما يصل إلى 40% من حصيلة صيدهم اليومي لصالح المنظومة الجديدة أو منافذ تابعة للجهاز السيادي تحت مسميات "رسوم تطوير" أو "حصص تشغيل"، وهي نسبة جباية وصفت بأنها الأقسى في تاريخ البحيرة، هذا الإجراء يحرم الصياد البسيط من ثمرة تعبه الشاق، ويجبره على بيع ما تبقى من صيده بأسعار يحددها الاحتكار الجديد، مما تسبب في إفقار آلاف العائلات ودفع الكثيرين منهم إلى هجر المهنة أو التفكير في الهجرة غير الشرعية.
الجهاز نفسه دخل في قطاعات عديدة تتجاوز النشاط الزراعي الذي بدأ به، وهو ما يفسر القلق الذي عبّر عنه الصحفي علي بكري @AliBakry ويطرح السؤال من زاوية توسع المؤسسة العسكرية في الملفات المدنية: الزراعة، الألبان، العقارات، الثروة السمكية، وغيرها.
وهو لا يقول "إن المشكلة في تنفيذ المشروعات ذاتها، بل في طريقة إدارة الدولة لهذه المشروعات، وفي انتقال ملفات كثيرة من الوزارات والمؤسسات المدنية إلى كيان ذي طبيعة استثنائية".
https://x.com/_AliBakry/status/1929469241314451957
في أغسطس 2025 نُفذت صفقة نقل نحو 89.66% من أسهم الشركة العربية لاستصلاح الأراضي إلى جهاز مستقبل مصر، عبر البورصة، بقيمة إجمالية بلغت 23.311 مليون جنيه، وبسعر 5 جنيهات للسهم.
تدمير اقتصادي
المفارقة الحادة هنا تكمن في الفجوة الهائلة بين خطاب "التنمية المستدامة" الذي يرفعه جهاز مستقبل مصر، وبين الواقع المعيشي المرير؛ فالتنمية التي تقتلع ابن الأرض والصياد التقليدي من بيئته لتحل محله أجهزة بيروقراطية وعسكرية مستحوذة، ليست سوى "إعادة هندسة للمجال الاقتصادي" لصالح حيتان السلطة.
البحيرة التي كانت تستوعب آلاف المراكب الصغيرة وتضمن توازناً اجتماعياً واقتصادياً لقرى كفر الشيخ، تحولت إلى نموذج مصغر لـ "اقتصاد الجباية والاحتكار"، حيث تستخدم موارد الدولة لـ "تطهير" البحيرة من الحشائش، ثم تُسلم هذه البحيرة النظيفة على طبق من ذهب للجهات السيادية لتجني الأرباح، بينما يُترك المواطن العادي ليدفع فاتورة التطوير من قوته وقوت عياله.
وحتى مارس 2025 كتب أحمد بيومي عن البحيرة @ahmed123bayoumi وأشار إلى أن بحيرات (المنزلة – البرلس – البلاح –ماريوط – إدكو – قارون.. إلخ)، أصبحت مجاري للصرف الصحي، وتعرضت للتجفيف بالاعتداءات، ولم يتم تطهيرها، وانغلقت بواغيزها على البحر، ولم يبق لنا نظيفا سوى بحيرة البردويل وأخذها الجيش، والحل إزالة التعديات، ومنحها للقطاع الخاص ولن نستورد.
ويقدم أيمن @hdaalah صورة مختلفة وأكثر تركيبًا وفي منشوراته يقول: "إن تطهير البحيرة حقق تحسنًا كبيرًا في شكلها وحالتها، لكنه في الوقت نفسه يتحدث عن صيد جائر، وسيطرة مجموعات على الزريعة، وتأجير أجزاء من البحيرة لأصحاب نفوذ، وتراجع أعداد الصيادين والإنتاج مقارنة بما كان عليه قبل التطوير".
وفي منشور آخر يقول: "إن البحيرة «بعثت بعد الممات» وإن حركة المياه أصبحت أفضل، لكنه يضيف أن أسعار السمك تضاعفت، وأن هناك اتهامات بوجود نفوذ وبلطجة في مجال الزريعة والصيد، وتأجير أجزاء من البحيرة".
https://x.com/hdaalah/status/1972712507808151875
حتى الأرقام الرسمية التي قدمتها صحيح مصر @SaheehMasr تفتح بابًا مهمًا للنقاش فالمنصة صححت تصريحًا منسوبًا إلى مصطفى مدبولي بشأن ترتيب بحيرة البرلس من حيث المساحة، وقالت: "إن مساحتها نحو 300 كيلومتر مربع وفق الكتاب الإحصائي لعام 2025، ما يجعلها الرابعة بين البحيرات المصرية من حيث المساحة، والثالثة بين البحيرات المالحة".
وفي الوقت نفسه أشارت إلى أن البرلس تحتل المرتبة الأولى في إنتاج الأسماك بين البحيرات المصرية، بإنتاج بلغ 104 آلاف طن وفق أحدث إحصاءات متاحة لديها عن عام 2023.
هذه الأرقام تجعل البرلس ليست مجرد «بحيرة» وإنما أصلًا اقتصاديًا وبيئيًا بالغ الأهمية.
ومن ثم فإن السؤال عن إدارتها ليس شأنًا محليًا يخص مجموعة صيادين فقط؛ إنه سؤال عن كيفية إدارة مورد طبيعي عام ذي قيمة غذائية واقتصادية واجتماعية.
لماذا تصبح السيطرة على البحيرة قضية أكبر من الصيد؟
لأن البحيرة تجمع بين ثلاثة أشياء في مكان واحد: مورد طبيعي، ومصدر رزق مباشر لآلاف السكان، وأصل اقتصادي يمكن أن تتولد منه عوائد كبيرة.
ويستخدم الموقف المصري @AlmasryAlmawkef تعبير «حكومة بديلة» لوصف اتساع أدوار جهاز مستقبل مصر ويتساءل: ماذا يحدث عندما يصبح كيان واحد قادرًا على العمل في مجالات كانت موزعة تقليديًا بين وزارات وهيئات متعددة؟
الوجه الآخر المحتمل هو ضعف وضوح المسؤولية: إذا نجح المشروع، فمن ينسب إليه النجاح؟ وإذا فشل، من يحاسَب؟ وإذا حدث خلاف بين الوزارة والجهة المنفذة، من صاحب القرار؟ وإذا كان الكيان يجمع بين الطبيعة الحكومية والنشاط الاقتصادي، فما قواعد تضارب المصالح والمنافسة والإفصاح؟
وليس السؤال فقط: هل طُهرت بحيرة البرلس؟ أو هل أصبحت البحيرة أفضل بيئيًا؟ ولكن السؤال الأكثر أهمية هو: من استفاد من التحسن؟
إذا كانت البحيرة أصبحت أنظف وأعمق وأكثر إنتاجية، ثم أصبح الصياد التقليدي أقل قدرة على الوصول إليها أو أقل نصيبًا من عوائدها، فإننا أمام نجاح بيئي لا يعني بالضرورة نجاحًا اجتماعيًا.
أما إذا أدى التطوير إلى زيادة المخزون السمكي، وتحسين دخل الصيادين، والقضاء على الصيد الجائر، ومنع التعديات، ورفع جودة الإنتاج، مع قواعد شفافة للرسوم والاستغلال، فسيكون من الصعب وصفه بأنه مجرد عملية استحواذ.