بعد فشل برامج صندوق النقد.. 3 سيناريوهات أمام الاقتصاد المصري مع اقتراب نهاية البرنامج الحالي

- ‎فيتقارير

مع اقتراب نهاية البرنامج الحالي بين حكومة الانقلاب وصندوق النقد الدولي في ديسمبر المقبل، تدخل العلاقة بين سلطة الانقلاب والمؤسسة المالية الدولية مرحلة مفصلية، بعد نحو عقد من البرامج المتتالية التي حصلت مصر بموجبها على قروض تجاوزت قيمتها الإجمالية 26 مليار دولار، مقابل تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والنقدية والمالية.

ومنذ أكتوبر 2016، ارتبطت برامج الصندوق بإجراءات شملت تعويم الجنيه ثم تبني مرونة أكبر في سعر الصرف، ورفع أسعار عدد من السلع والخدمات، وتقليص الدعم المقدم لخدمات حيوية، وزيادة الضرائب والرسوم، ورفع أسعار الفائدة، إلى جانب برنامج لبيع أصول الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص، فضلاً عن تعهد الحكومة بسداد مستحقات شركات الطاقة الأجنبية والحد من الاقتراض المباشر من البنك المركزي.

ومع اقتراب موعد انتهاء البرنامج الحالي، تبرز ثلاثة مسارات محتملة للمرحلة المقبلة: طلب برنامج تمويلي جديد من صندوق النقد، أو تنفيذ برنامج اقتصادي وطني بعيداً عن الصندوق، أو التوسع في البحث عن مصادر اقتراض خارجية أخرى.

 

برنامج جديد.. استمرار وصفة الإصلاحات

السيناريو الأول يتمثل في تقدم حكومة الانقلاب  بطلب للحصول على قرض جديد من صندوق النقد، وإبرام اتفاق جديد قد لا تختلف ملامحه بصورة كبيرة عن البرامج السابقة، سواء فيما يتعلق بسعر الصرف والدعم والإنفاق العام، أو تسريع برنامج الخصخصة وبيع أصول الدولة، وإعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر في النشاط الاقتصادي، إلى جانب تنفيذ إصلاحات نقدية ومالية وتقليص دور المؤسسات الحكومية والسيادية في الاقتصاد.

وفي حال اللجوء مجدداً إلى هذا المسار، قد تستمر الضغوط التي تواجه الاقتصاد والأسواق والمواطن، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار الضغوط على الطبقة الوسطى، فضلاً عن أعباء الفقر والبطالة وتدني الأجور.

كما قد يفتح الاتفاق الجديد الباب أمام بيع حصص إضافية في البنوك الحكومية والشركات الكبرى، إلى جانب طرح أصول وهيئات مملوكة للدولة، بما يعني استمرار مسار التخارج الحكومي وتوسيع نطاق الملكية الخاصة في الاقتصاد.

وعلى المستوى الخارجي، قد يُساهم استمرار برنامج الصندوق في الحفاظ على خريطة التمويل الحالية، بما في ذلك تجديد بعض الودائع الخليجية لدى البنك المركزي، واستمرار الدعم الإقليمي والدولي، وفتح قنوات جديدة أمام الحكومة للحصول على قروض خارجية.

كما يمكن أن يوفر استمرار البرنامج سيولة دولارية تساعد  حكومة الانقلاب في الوفاء بالتزاماتها، وسداد جزء من مستحقات صندوق النقد، التي تزيد على 9 مليارات دولار، إلى جانب المساهمة في سد جانب من الفجوة التمويلية وعجز الموازنة.

لكن استمرار هذا المسار يُبقي الاقتصاد تحت ضغوط الديون والإصلاحات، خصوصاً مع ارتفاع حجم الدين الخارجي إلى أكثر من 168 مليار دولار، في وقت تصل فيه الالتزامات المطلوب سدادها خلال 12 شهراً، من أبريل 2026 حتى مارس 2027، إلى نحو 62.8 مليار دولار، بينها 55.8 مليار دولار أقساط قروض و7 مليارات دولار فوائد، وفق أرقام البنك الدولي.

وتبرز هنا مخاوف مرتبطة بتأثير استمرار برامج الإصلاح على أولويات الإنفاق العام، ومستويات الدعم والإنفاق على الخدمات الأساسية، فضلاً عن الضغوط الرامية إلى تسريع بيع أصول الدولة، في وقت تواجه فيه المالية العامة أعباء متزايدة لخدمة الدين.

 

برنامج اقتصادي "مصري خالص"

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في إعداد برنامج اقتصادي وطني للمرحلة التي تلي انتهاء البرنامج الحالي مع صندوق النقد. وكان مسئولون مصريون قد أعلنوا في أكثر من مناسبة أن الحكومة لا ترى، في الوقت الراهن، حاجة إلى برنامج تمويلي جديد مع الصندوق بعد انتهاء الاتفاق الحالي في ديسمبر 2026، وأنها تعمل على إعداد برنامج اقتصادي شامل للمرحلة المقبلة، وصفه مسئولون بأنه برنامج "مصري خالص".

ويمنح هذا المسار الحكومة مساحة أكبر في وضع السياسات الاقتصادية وتحديد أولويات الإنفاق والإصلاح، بعيداً عن الالتزامات المباشرة المرتبطة باتفاقات التمويل مع صندوق النقد.

كما قد يتيح هذا الخيار تجنب بعض إجراءات التقشف التي ارتبطت ببرامج الإصلاح السابقة، وتطبيق سياسات تُراعي بدرجة أكبر الظروف الاجتماعية وقدرة المواطنين على تحمل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول الحقيقية.

لكن البرنامج الوطني سيواجه تحديات ثقيلة، في مقدمتها كيفية التعامل مع أعباء الديون الخارجية والداخلية، وردم الفجوة التمويلية، وضمان تدفق العملة الأجنبية، فضلاً عن إقناع المقرضين الدوليين بالاستمرار في تمويل مصر في ظل غياب مظلة صندوق النقد.

ويُضاف إلى ذلك تحدي كلفة الاقتراض، وإمكانية إعادة جدولة بعض الالتزامات أو مد آجال السداد وتحويل جانب من الديون قصيرة الأجل إلى متوسطة وطويلة الأجل.

كما أن نجاح هذا السيناريو سيتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة البرنامج نفسه؛ فإذا تضمن الإجراءات التقشفية ذاتها التي جرى تطبيقها في ظل برامج صندوق النقد، إلى جانب مواصلة الاقتراض وتحميل المواطنين كلفة الاختلالات الاقتصادية، فلن يكون الفارق كبيراً عن البرامج السابقة، حتى في غياب الصندوق عن المشهد.

 

البحث عن قروض خارج مظلة الصندوق

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في محاولة حكومة الانقلاب فتح قنوات جديدة للاقتراض الخارجي بعيداً عن صندوق النقد والبنك الدوليين.

ويبدو هذا المسار أكثر تعقيداً، في ظل غياب الضمانة التي توفرها برامج صندوق النقد للمقرضين، إلى جانب احتمالات ارتفاع كلفة الاقتراض مع استمرار الضغوط التضخمية وأسعار الفائدة عالمياً.

وتواجه الدولة في الوقت نفسه أعباء متزايدة مرتبطة بخدمة الدين الخارجي وفاتورة الواردات، خاصة السلع الغذائية ومشتقات الوقود والغاز، وهو ما يزيد الحاجة إلى موارد دولارية مستدامة وليس مجرد تدفقات اقتراضية مؤقتة.

وبالتالي، فإن الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض من مصادر بديلة قد يؤدي إلى زيادة تكلفة التمويل ورفع أعباء خدمة الدين، ما لم يتزامن مع تحسن مستدام في موارد النقد الأجنبي وزيادة القدرة الإنتاجية والصادرات والاستثمارات المباشرة.

 

الاقتصاد والمواطن أمام اختبار المرحلة المقبلة

وبين هذه السيناريوهات الثلاثة، يظل الاقتصاد المصري تحت ضغوط مالية ونقدية كبيرة إلى حين حسم شكل المرحلة المقبلة، وما إذا كان صندوق النقد سيظل أحد مكونات المشهد الاقتصادي أم ستختار الحكومة مساراً وطنياً مستقلاً.

فبعد نحو عقد من برامج الإصلاح والاقتراض، لا يرتبط السؤال فقط بمصدر التمويل المقبل، وإنما بقدرة الاقتصاد على التعامل مع أعباء الديون، وتوفير العملة الأجنبية، وتحسين الإنتاج والصادرات، واحتواء التضخم، وفي الوقت نفسه تخفيف الضغوط عن المواطنين.

وتبقى معضلة المرحلة المقبلة في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الدائنين والأسواق الدولية من جهة، والقدرة الاجتماعية للمواطنين على تحمل المزيد من إجراءات رفع الأسعار والضرائب وتقليص الدعم من جهة أخرى، في ظل أعباء مالية كبيرة تفرض نفسها على الموازنة والاقتصاد خلال السنوات المقبلة.

وبذلك، فإن نهاية البرنامج الحالي مع صندوق النقد لن تعني بالضرورة نهاية الضغوط الاقتصادية، وإنما قد تمثل بداية مرحلة جديدة يتحدد شكلها وفق الخيار الذي ستتبناه الحكومة، وقدرتها على إدارة الديون والموارد الدولارية والإصلاحات الاقتصادية دون نقل التكلفة بصورة متزايدة إلى المواطن.