يتساءل المراقبون عن استدعاء عبد الرحيم علي الهارب والعفو عنه لِيَسُبَّ "الإخوان"، ثم استدعاء محمد إبراهيم يوسف وزير داخلية طنطاوي لِيَسُبَّ "الإخوان"، وتمجيد الزند المخلوع الهارب الذي كان يَسُبَّ "الإخوان" لتشعر أنك في ما أطلق عليه الفنان الراحل محمد باكوس "عِب الزِبْلاوي" فكلما وضعت يدك سيخرج معك كذاب بأذنين طويلتين.
واللواء محمد إبراهيم يوسف، وزير الداخلية في حكومة كمال الجنزوري خلال فترة المجلس العسكري، وليس اللواء محمد إبراهيم مصطفى الذي تولى وزارة الداخلية في عهد الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي وكان وزير الداخلية أثناء فض اعتصام رابعة.
وعاد "محمد إبراهيم يوسف" إلى الواجهة بعد ظهوره في بودكاست «شهادة للتاريخ» مع مصطفى بكري، متحدثًا عن مرحلة ما بعد ثورة يناير، وعلاقته بالمشير محمد حسين طنطاوي، والرئيس محمد مرسي، وكواليس وزارة الداخلية، وأحداث استاد بورسعيد.
الهروب من السجون وعناصر حماس وحزب الله
وتتضمن "شهادة" محمد إبراهيم يوسف رواية مباشرة عن اقتحام السجون، وتهريب أعداد ضخمة من السجناء في يناير 2011، وقال محمد إبراهيم يوسف: "إن اقتحام السجون بدأ بعد سقوط الشرطة، وتحدث عن دخول عناصر عبر الحدود، و إن اللواء عمر سليمان أبلغه بوجود عناصر من حماس وحزب الله".
ونقلت "صدى البلد" عنه قوله: "إن مسلحين وصلوا ليلًا ومعهم جرافات، وكسروا بوابات السجون، وكانوا يسألون عن سجناء حماس وحزب الله، ثم قاموا بكسر الزنازين وتهريبهم"، وأضاف أن من بين الذين خرجوا محمد مرسي وسعد الكتاتني، وأن عدد من خرجوا من السجون وصل، بحسب روايته، إلى نحو 23 ألف مسجون.
وفي تغطية أخرى ل"المصري اليوم"، قال يوسف: "إن اقتحام السجون بدأ مع انهيار الشرطة صباح 29 يناير 2011، وإن ما وصفه ب"الخلايا النائمة" للإخوان تحركت بعد ذلك، رابطًا بين انهيار الجهاز الأمني واقتحام السجون".
ووفق الرواية التي يطرحها فإن عملية منظمة استهدفت السجون التي كان يوجد بها قيادات الإخوان وعناصر تابعة لحماس وحزب الله، مع استخدام جرافات وأسلحة لفتح بوابات سجون وادي النطرون وأبو زعبل، وعن وجود عناصر فلسطينية في بعض عمليات الاقتحام.
شهادة عمرو الدرديري التي نقلها حافظ المرازي
وأعاد نشطاء في 2018 نشر شهادة عمرو الدرديري التي كان قد أدلى بها في برنامج يقدمه حافظ المرازي على قناة دريم، ووفق العرض المنشور للشهادة، قال الدرديري: "إنه رفض تنفيذ تعليمات بتسهيل هروب المساجين، وإنه أصر على وقف عملية الهروب، ثم نُقل من موقعه بعد ذلك"، كما ربطت الرواية بين ما حدث ومقتل اللواء محمد البطران.
والأهم أن «مصراوي» نقلت عن طلبات دفاع المتهمين في قضية اقتحام السجون أن المحامي طلب تحديدًا سؤال عمرو الدرديري عمّا قاله في برنامج حافظ المرازي، ومنه أن مدير أمن المنيا آنذاك اللواء محسن مراد طلب فتح سجن المنيا لخروج المساجين، وهو ما استخدمه الدفاع للقول: "إن فتح السجون كان «أمرًا مدبرًا» وليس نتيجة اقتحام خارجي كما في الرواية الأخرى التي تبناها ويتبناها المجرم محمد إبراهيم يوسف".
https://www.youtube.com/watch?v=fMq9V9w1m9M
أما قصة اللواء محمد البطران، فهي أكثر تعقيدًا، فبحسب التحقيق الاستقصائي الذي نشرته «الجزيرة» عن مقتل البطران، هناك رواية تقول إنه توجه إلى سجن القطا بعد اضطرابات داخله، وأنه قُتل هناك، بينما أصدرت وزارة الداخلية وقتها رواية مختلفة عن مكان مقتله، وتقول الجزيرة: "إن التحقيق عرض شهادات سجناء وضباط وتسجيلات صوتية ومصورة قدمتها شقيقة البطران، منال البطران". االجزيرة نت
لكن الأهم أن تقرير لجنة تقصي الحقائق قدم رواية مختلفة أيضًا؛ فقد نقلت بوابة الأهرام عن التقرير أن البطران قُتل برصاص أفراد الشرطة الموجودين في أبراج الحراسة، وليس برصاص سجناء كما كانت الرواية الأمنية تقول، التقرير نسب إلى ضباط وجنود في سجن القطا شهادات بأن الحراسة أطلقت النار أثناء حالة الفوضى، وأن البطران أصيب بطلقات من أحد الأبراج. ببوابة الأهرام
وهذا يتوافق جزئيًا مع ما قاله عمر مروان، الأمين العام للجنة تقصي الحقائق، والذي صرح لـ«مصراوي» بأن اللجنة لم تجد دليلًا يثبت تورط الإخوان في اقتحام السجون، وقال إن البطران قُتل برصاص الشرطة، وإن إطلاق النار عليه لم يكن ـ وفق روايته ـ مقصودًا
كما أدلى بعض المساجين بشهادتهم- في سجون مختلفة- أن رجال الشرطة العاملين في السجن أطلقوا في اتجاه العنابر والحجرات قنابل مسيلة للدموع مما أشعر نزلاء السجن بالاختناق ومحاولة الخروج من العنابر، وهو ما يشير إلى تعمد إثارة المسجونين و دفعهم إلى التمرد والظهور بمقاومة التمرد حتى تبدو الصورة بأن خروجهم كان نتيجة إخفاق الحراسة في منعهم.
وقالت الدكتورة منال البطران شقيقة المرحوم اللواء محمد البطران: "إنه حادثها تليفونيا قبل مقتله وقال: "حبيب العادلي أحرق البلد وأن هناك ثمانية عشر قسم شرطة تم فتحها وخرّج منها المساجين وإن تكرر الأمر في السجون فستكون كارثة، وإنه لن يسمح بذلك".
https://x.com/SaheehMasr/status/1635324112708026368
https://x.com/KillednEgypt/status/1256978848400490499
طنطاوي وأمن الدولة بعد الثورة
يروي محمد إبراهيم يوسف أن المشير محمد حسين طنطاوي كان من أوائل الشخصيات التي تعامل معها بعد توليه وزارة الداخلية، وأن الدولة كانت وقتها أمام وضع أمني بالغ الصعوبة.
وفي رواية أعاد نشرها حساب MazidNews، يقول يوسف عن ضباط أمن الدولة بعد الثورة: "ضباط أمن الدولة بعد الثورة كانوا متوقفين، وكانوا خايفين جدا إن الإخوان هتحبسهم، فالمشير طنطاوي كلمني، فقعدت معاهم وطمنتهم، وقولتلهم: بس المهم نشتغل الفترة دي بالقانون".
https://x.com/MazidNews/status/2107102993606684849
وفي شهادته الجديدة، يقدم يوسف نفسه باعتباره الرجل الذي تولى إعادة تشغيل الجهاز الأمني في ظروف شديدة الاضطراب، فيما يرى منتقدوه أن هذه الرواية تظل بحاجة إلى وضعها في سياق مسؤولية وزارة الداخلية نفسها عن وقائع تلك المرحلة، وتكشف أن مسؤولية العمل وفق القانون كان من غير ما اعتاد عليه ضباط أمن الدولة (الأمن الوطني حاليا) كما شهد أيضا تبعية مباشرة لطنطاوي رئيس المجلس العسكري وقتئذ والأمر المهم عدم إخبار الثوار في الميادين بالمعلومة رغم أن عناصر أمن الدولة بنظام المخلوع مبارك مجرمون .
تفاصيل داحضة
وفي فبراير–مارس 2011 كان موضوع أمن الدولة علنيًا جدًا. الثوار كانوا يحاصرون مقراته ويطالبون بحله؛ وفي 5 مارس 2011 اقتحم متظاهرون مقرات الجهاز في مدينة نصر و6 أكتوبر والإسكندرية، وسط اتهامات للضباط بإحراق أو إتلاف مستندات.
وفي التاريخ نفسه 5 مارس، أعلن وزير الداخلية محمود وجدي تجميد عمل مباحث أمن الدولة إلى حين إعادة هيكلتها، بحسب المصري اليوم.
ثم في 15 مارس 2011 صدر قرار وزير الداخلية منصور العيسوي بإلغاء مباحث أمن الدولة رسميًا وإنشاء قطاع الأمن الوطني بدلًا منه، مع إعلان أن اختصاصه سيكون الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب وفق القانون.
وكان السؤال مطروحًا بالفعل في 2011 و2012، فالثوار لم يكونوا غافلين عن احتمال استمرار البنية البشرية للجهاز القديم، بل إن تقرير كارنيجي المنشور في أغسطس 2012، أي في نهاية فترة محمد إبراهيم يوسف وزيرًا للداخلية، تحدث عن أن المجلس العسكري كان يعمل على إعادة تأهيل مباحث أمن الدولة وقوات الأمن المركزي، وأن هناك اتجاهًا لإعادة دمج أجهزة الأمن وإعادة بناء قدراتها، مع بقاء نفوذ المؤسسة العسكرية حاسمًا.
والأهم أن «المصري اليوم» نشرت في فبراير 2012 أن ضباط شرطة كانوا قد أُحيلوا للمعاش بعد الثورة أقاموا دعاوى قضائية للطعن في قرارات إحالتهم، ومن بينهم ضباط استُبعدوا في مرحلة ما بعد الثورة.
لكن "شهادة" يوسف الكاذبة تضيف شيئًا مختلفًا، "فإن ضباط أمن الدولة كانوا متوقفين بالفعل بعد الثورة، وكانوا خائفين من ملاحقة الإخوان لهم، ثم تحدث طنطاوي معه، فجلس معهم وطمأنهم، وقال لهم إن عليهم العمل "بالقانون".
بورسعيد.. الرواية الجديدة
الجزء الأكثر إثارة للجدل في تصريحات يوسف يتعلق بأحداث استاد بورسعيد.
فاللواء محمد إبراهيم يوسف كان وزير الداخلية وقت وقوع المذبحة في فبراير 2012، وهو اليوم يقول: "إن لديه قناعة بأن جماعة الإخوان كانت وراء الأحداث، وإن «عنصر المفاجأة» أربك القوات، وإن ما جرى لم يكن مجرد شغب عادي".
وقد نشر حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats التصريح تحت عنوان:
«كاد المريب أن يقول خذوني…» في إشارة لكذبه البواح ثم نقل عن يوسف: "الإخوان كانوا وراء أحداث مباراة الأهلي والمصري في بورسعيد".
https://x.com/egy_technocrats/status/2107358315319574597
أما عبدالرحمن العيساوي @Elessawyy99، فقد ركز على نقطة مختلفة، وهي أن يوسف كان نفسه وزير الداخلية وقت الأحداث، وكتب: "محمد إبراهيم طالع بعد 14 سنة يقول: "إن الإخوان وراء مجزرة بورسعيد، هو نفسه كان وزير الداخلية وقتها، وقبل المباراة بأيام نقل مدير أمن بورسعيد اللواء سامي الروبي وعيّن اللواء عصام سمك مكانه، والذي أُدين لاحقًا في القضية".
https://x.com/Elessawyy99/status/2107359507189789154
من أبرز من اعترضوا على الرواية الجديدة عمر عاشور @omarashour67، الذي كتب: " للعلم ياجدعان ده كان وزير داخلية اسمه محمد إبراهيم برضوا وكان في فترة المجلس العسكري قبل حكم الإخوان بس هو زيه زي بقية الكدابين القتلة".
https://x.com/omarashour67/status/2107163448568394206
أما محمود سلماني @Mahmoud_salmani، فأعاد التذكير في منشور سابق بضحايا أحداث سجن بورسعيد، وكتب: "النهارده عدى الذكري الثانية لاستشهاد 53 بني آدم قدام سجن بورسعيد، المسؤول محمد مرسي، مبيتحاكمش عشان المسؤول اللي تحته مباشرة محمد إبراهيم".
وهنا تظهر إحدى أهم النقاط التي ينبغي التفريق فيها بين مذبحة استاد بورسعيد، وأحداث سجن بورسعيد التي وقعت لاحقًا، إذ تختلط الواقعتان في كثير من منشورات السوشيال.
المثير أن اسم محمد إبراهيم ارتبط سابقًا بشهادات أمام القضاء حول أحداث بورسعيد ففي 16 نوفمبر 2015 نشر حساب الأخبار – بالعربي @Arab_Brk: قال وزير الداخلية المصري السابق محمد إبراهيم في شهادته أمام محكمة جنايات بورسعيد اليوم: "إن #مرسي لم يأمر بإطلاق النار في أحداث #بورسعيد".
https://x.com/Arab_Brk/status/666315827055079424
ونقل عن محمد إبراهيم وزير داخلية الفض قوله: "الإخوان ليس لهم علاقه بأحداث سجن بورسعيد ، و حزب الحرية والعدالة لم يتدخل في السياسة الأمنية".
فساد قديم من 2011 والمجلس العسكري لم يتحرك
https://x.com/osgaweesh/status/666315827055079424
مرسي في مواجهة وزير الداخلية
القضية الثانية التي أثارت اهتمامًا كبيرًا هي قضية الضباط الملتحين وبحسب رواية محمد إبراهيم يوسف، كان الرئيس محمد مرسي قد ناقشه في مسألة إعادة هؤلاء الضباط إلى العمل، بينما كان الوزير يرفض ذلك.
وهذه النقطة ناقشها عبدالحميد قطب @AbdAlhamed_kotb للرد على الرواية التي كانت تحمل مرسي مسؤولية عدم إعادة الضباط الملتحين، و كتب قطب: "كان حزب النور وبعض السلفيين يستغلون قضية الضباط الملتحين ويحملون الرئيس مرسي مسؤولية عدم عودتهم، ويستخدمون القضية في مهاجمته وإحراجه أمام التيار الإسلامي الذي دعمه في الانتخابات، لكن المفارقة أن وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم، الذي خرج الآن لمهاجمة الإخوان، يكشف في شهادته ما ينصف الرئيس مرسي: فقد طلب منه مرسي إعادة الضباط الملتحين إلى عملهم، لكنه رفض طلب الرئيس، ووقعت بينهما مشكلة بسبب ذلك".
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2107257320078000597
وهنا يتحول تصريح يوسف نفسه إلى مادة يستخدمها خصومه في الدفاع عن مرسي: فإذا كانت رواية الوزير صحيحة، فإنها تعني أن مرسي طلب إعادة الضباط الملتحين بالفعل، وأن وزير الداخلية هو الذي رفض تنفيذ الطلب.
«أنا رئيس الجمهورية».. و«أنا وزير الداخلية»
وتزداد أهمية الرواية إذا صحت تفاصيل الحوار الذي نقله يوسف عن مواجهته مع مرسي، فبحسب ما نُشر عن شهادته، قال مرسي لوزير الداخلية: "أنا رئيس الجمهورية"، ورد عليه يوسف بما معناه أنه يعرف ذلك، لكنه في الوقت نفسه "وزير الداخلية" وأنه لن يعيد الضباط الملتحين.
وهنا يظهر الصراع بصورة تتجاوز قضية اللحية نفسها: من يملك القرار داخل وزارة الداخلية؟ الرئيس المنتخب أم الوزير والمؤسسة الأمنية؟ وهي إحدى القضايا المركزية لفهم العلاقة المتوترة بين مؤسسة الشرطة وحكم الإخوان خلال تلك الفترة.
وفي أقسى التعليقات على ظهور يوسف، كتب د. مراد علي @mouradaly: "
نفسي أفهم:
كيف يحترم الكذاب نفسه؟
يملأ الدنيا كلامًا عن الشرف والوطنية والكرامة، ثم يقف في المحكمة فيزوّر الحقيقة، أو يخرج على الناس في الإعلام فيتحرى الكذب، أو يطلب من محاميه أن يكتب ادعاءات يعرف هو وموظفوه ومن حوله أنها باطلة».
ثم تابع متسائلًا:
«افترض أنك ربحت قضية بالتدليس، أو حصلت على امتياز بالنفاق، أو تقرّبت من صاحب سلطة بشهادة زور.
كيف تعود إلى بيتك وتنظر إلى نفسك في المرآة؟
كيف يراك أولادك؟
وكيف يحترمك من حولك وهم يعرفون حقيقتك؟
ألا تخجل من نفسك؟»
https://x.com/mouradaly/status/2107473670469779959