بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي كان يفترض أن يضع حداً للحرب ويفتح الطريق أمام تدفق المساعدات الإنسانية وبدء إعادة إعمار القطاع، تتحدث الأرقام المعلنة في غزة عن واقع مختلف، عنوانه استمرار القتل والتدمير، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتعثر وصول المساعدات، وسط دمار واسع طال المنازل والمنشآت الصحية والتعليمية والبنية التحتية.
وبحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، جرى توثيق 5,304 خروقات عسكرية إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار خلال العام الماضي، أسفرت عن استشهاد 1,460 فلسطينياً وإصابة 5,116 آخرين، فضلاً عن اعتقال نحو 200 مواطن.
وقال مدير المكتب، إسماعيل الثوابتة، إن عمليات التوثيق أظهرت، بعد مرور عام كامل على سريان الاتفاق، عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي ببنوده، مشيراً إلى أن الخروقات طالت المدنيين وحقوقهم الأساسية، وحوّلت اتفاق التهدئة، بحسب وصفه، إلى غطاء لاستمرار الاعتداءات.
أكثر من 5 آلاف خرق خلال عام
وتعكس حصيلة الخروقات، وفق الأرقام التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي، استمراراً للأعمال العسكرية رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال الثوابتة في تصريحات صحفية إن الاحتلال لم يلتزم بالتعهدات الواردة في الاتفاق، ولم تتوقف الاعتداءات على القطاع، فيما استمر سقوط الضحايا بين الفلسطينيين.
وبحسب المكتب، فإن الاعتقالات شكلت جانباً آخر من الانتهاكات المسجلة، بعدما طالت 200 مواطن خلال الفترة التي يفترض أن تكون قد شهدت تثبيت التهدئة وتحسين الظروف الإنسانية داخل القطاع.
المساعدات.. فجوة بين المعلن والاحتياجات
وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة، يقول مكتب الإعلام الحكومي إن الكميات التي دخلت القطاع ظلت أقل بكثير من الأرقام المتفق عليها.
ونفى الثوابتة ما وصفها بمزاعم الاحتلال بشأن دخول المساعدات الإنسانية بصورة كافية، مشيراً إلى استمرار استخدام التجويع كوسيلة ضغط على السكان.
وأوضح أن 74,283 شاحنة مساعدات دخلت القطاع خلال العام، من أصل 214,800 شاحنة كان يفترض دخولها وفق الالتزامات المعلنة، بما يعني أن نسبة التنفيذ لم تتجاوز 35 بالمئة.
ويشير هذا الفارق إلى استمرار أزمة الاحتياجات الأساسية في قطاع يعاني أصلاً من دمار واسع ونقص حاد في المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء.
قيود على مغادرة القطاع
ولا تقتصر الفجوة، وفق مكتب الإعلام الحكومي، على دخول المساعدات، وإنما تمتد إلى حركة السكان ومغادرتهم القطاع.
وقال الثوابتة إن 14,012 مسافراً فقط تمكنوا من مغادرة غزة، من أصل نحو 36 ألف شخص كان يُفترض السماح لهم بالمغادرة، لتصل نسبة التنفيذ، بحسب الأرقام التي أعلنها، إلى نحو 39 بالمئة.
وتزداد أهمية هذه الأرقام في ظل وجود أعداد كبيرة من المرضى والجرحى والحالات الإنسانية التي تحتاج إلى العلاج خارج القطاع، إلى جانب الفلسطينيين الذين يسعون إلى مغادرة منطقة تعاني من دمار واسع وانهيار في قطاعات أساسية.
١.٥ مليون نازح أمام شتاء قاسٍ
ومع اقتراب فصل الشتاء، تتفاقم أزمة النازحين في القطاع، في ظل تدمير أعداد كبيرة من المنازل ومراكز الإيواء.
وحذر الثوابتة من كارثة إنسانية تهدد السكان، خصوصاً مع تدمير المنظومة الصحية والتعليمية والبنية التحتية على نطاق واسع خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وقال إن أكثر من ١.٥ مليون نازح يعيشون في خيام بالية لا توفر حماية كافية من البرد والأمطار.
وبحسب البيانات التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي، يبلغ إجمالي عدد الخيام في القطاع نحو 270 ألف خيمة، بينها 162 ألف خيمة أصبحت مهترئة وغير صالحة للاستخدام الآدمي، أي أن أكثر من 60 بالمئة منها تحتاج إلى استبدال.
وتضع هذه الأرقام مئات الآلاف من النازحين أمام ظروف معيشية شديدة القسوة، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء، في ظل نقص وسائل التدفئة ومستلزمات الإيواء وتضرر شبكات الصرف الصحي والخدمات الأساسية.
مبانٍ آيلة للسقوط تهدد الناجين
ولا تتوقف المخاطر عند الخيام، إذ حذر مكتب الإعلام الحكومي من مأساة أخرى تتعلق بالمباني المتضررة والمتصدعة التي ما زال عشرات الآلاف يعيشون داخلها أو بالقرب منها.
وقال الثوابتة إنه جرى حصر أكثر من 255 بناية متصدعة وآيلة للسقوط، بما يجعلها عرضة للانهيار في أي لحظة، ويحمل مخاطر سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
واستحضر في هذا السياق حادثة انهيار بناية السعادة في مدينة غزة، باعتبارها نموذجاً للمخاطر التي يواجهها السكان في المباني التي تعرضت لأضرار بالغة خلال الحرب.
وقف إطلاق النار بلا إعادة إعمار
وبعد عام من اتفاق وقف إطلاق النار، تبدو عملية إعادة الإعمار بعيدة عن مستوى الاحتياجات التي خلفتها الحرب، وفق المعطيات الواردة من قطاع غزة.
فبدلاً من انتقال القطاع إلى مرحلة التعافي وإعادة بناء المنازل والمنشآت المدمرة، لا تزال أعداد ضخمة من السكان تعيش في ظروف النزوح، بينما تواجه المباني المتضررة خطر الانهيار، وتحتاج الخيام المتهالكة إلى استبدال عاجل.
وفي ظل استمرار الخلاف حول مدى الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، تكشف الأرقام المعلنة في غزة عن أزمة إنسانية متشعبة، تتداخل فيها الخروقات العسكرية مع نقص المساعدات وقيود الحركة وتدمير البنية التحتية وأزمة السكن.
وبينما كان الاتفاق يفترض أن يكون بداية لمسار ينهي معاناة سكان القطاع ويمهد لإعادة الإعمار، تشير الأرقام التي أعلنها مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى أن عاماً كاملاً من التهدئة لم يضع حداً لتداعيات الحرب، فيما لا يزال أكثر من ١.٥ مليون نازح يواجهون ظروفاً قاسية، ويترقبون حلولاً عاجلة تقيهم برد الشتاء ومخاطر المباني المتصدعة ونقص الاحتياجات الأساسية.