أثارت الرسوم التى فرضتها وزارة العدل بحكومة الانقلاب على الدعاوى القضائية انتقادات من جانب المحامين وأساتذة القانون، مؤكدين أن هذه الرسوم تحرم الكثير من المواطنين غير القادرين من حق التقاضى .
وأكد المحامون أن فرض هذه الرسوم لا يقوم على سند قانونى وتشوبها عدم الدستورية، محذرين من تأثير تراكم هذه المصروفات على قدرة المواطن، خاصة محدود الدخل، على الاستمرار في إجراءات التقاضي.
كانت وزارة عدل الانقلاب قد أعلنت عن رسوم خدمات منصة التقاضي الجنائي عن بُعد، التى تضمنت مبالغ مقابل بعض الخدمات الرقمية، وسط مخاوف من انتقال هذه التكلفة في النهاية إلى المتقاضين.
وبحسب الرسوم المعلنة على منصة وزارة عدل الانقلاب، تبلغ قيمة الاشتراك السنوي للمحامي على المنظومة 500 جنيه، فيما تصل خدمة حضور جلسة الجنايات عن بُعد إلى 500 جنيه، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، إلى جانب 10 جنيهات مقابل تصوير كل صفحة من ملفات الجلسات والدعاوى، و5 جنيهات للرسالة الخاصة بتحديثات القرارات، مع إتاحة باقة رسائل بقيمة 2500 جنيه.
أعباء مالية
تعليقًا على هذه الرسوم قال محمد راضي مسعود، عضو مجلس نقابة المحامين، إن النقابة ترفض الرسوم القضائية الباهظة التي تم فرضها، مؤكداً أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء مالي يحول دون وصول المواطنين إلى حقوقهم.
وأوضح مسعود فى تصريحات صحفية أن نقابة المحامين سبق أن طالبت وزارة العدل بحكومة الانقلاب بالتريث في فرض مثل هذه الرسوم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف التقاضي أصبح يمثل عبئاً كبيراً على المحامين والمتقاضين على حد سواء.
وأضاف أن بعض الرسوم مبالغ فيها إلى حد كبير، قائلاً إن المحامي عندما يضطر إلى دفع مبالغ عن كل ورقة أو مستند يقدم في الدعوى، فإن الأمر يتحول إلى عائق أمام إقامة الدعاوى ومتابعتها.
وتابع مسعود أن المحامي لا يستطيع تحميل موكله أعباء مالية متزايدة دون حدود، خاصة أن الكثير من المتقاضين من أصحاب الدخول المحدودة.
وأشار إلى أن الأمر لم يتوقف عند الرسوم المرتبطة بإجراءات التقاضي، بل امتد أيضاً إلى المنظومة الإلكترونية، موضحاً أن تسجيل المحامي على المنظومة التابعة لوزارة عدل الانقلاب أصبح يتطلب دفع رسوم، إلى جانب الرسوم التي يتم سدادها عند رفع الدعوى أو تقديم المستندات.
شريعة الغاب
وأكد مسعود أن تراكم هذه المصروفات قد يدفع بعض المواطنين إلى التراجع عن المطالبة بحقوقهم، محذرا من أن المواطن قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إنفاق مبالغ تفوق قيمة الحق الذي يسعى للحصول عليه، وهو ما قد يدفعه في النهاية إلى التخلي عن الدعوى.
وحذّر من أن استمرار ارتفاع تكلفة التقاضي قد يؤدي إلى آثار اجتماعية خطيرة، قائلاً إن المواطن إذا لم يجد طريقاً ميسراً إلى القضاء للحصول على حقه، فقد يلجأ إلى الحصول عليه بطرق أخرى، وهو ما وصفه بخطر العودة إلى «شريعة الغاب».
وفيما يتعلق بموقف نقابة المحامين، قال مسعود إن النقابة تواصل رفع صوتها إلى المسئولين، وفي مقدمتهم وزير عدل الانقلاب ومساعدوه والنائب العام، للمطالبة بالحد من الرسوم المجحفة بحقوق المتقاضين والمحامين.
وشدد على أن النقابة تتمسك بالطرق القانونية في اعتراضها، ولا تسعى إلى التصعيد، مشيراً إلى وجود أحكام قضائية صادرة من محكمة القضاء الإداري بشأن الرسوم محل الاعتراض، وأن هناك أحكاماً قضائية أبطلَت فرض بعض هذه الرسوم .
وحذّر مسعود من أن تحويل التقاضي إلى عملية مرهقة ومكلفة قد يضعف ثقة المواطنين في قدرتهم على الوصول إلى حقوقهم عبر القضاء، قائلاً: «إذا فسد الملح، فمن يصلح الملح؟».
حق التقاضي
وأكد المحامي بالنقض زكريا عبد المطلب، أن فرض الرسوم القضائية بالشكل الحالي لا يتوافق مع المبادئ الدستورية التي تكفل حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، مشدداً على أن حق التقاضي يجب أن يكون متاحاً للجميع دون أن يتحول المقابل المالي إلى عبء يحول دون الوصول إلى العدالة.
وأوضح عبد المطلب فى تصريحات صحفية أن الأصل أن يكون حق اللجوء إلى القضاء مكفولاً لجميع المواطنين، ولا يجوز أن تؤدي الرسوم والمصروفات المرتبطة بإقامة الدعاوى ومباشرتها إلى إرهاق المتقاضين أو منعهم من المطالبة بحقوقهم، خاصة أصحاب الدخول المحدودة.
وأشار إلى أن فرض الرسوم لا يمكن أن يتم بصورة منفردة، مؤكداً أن الرسوم لا يجوز فرضها إلا استناداً إلى قانون، باعتبار أن تنظيم الأعباء المالية المفروضة على المواطنين يجب أن يتم وفق الإطار القانوني والدستوري المقرر.
وأضاف عبد المطلب أن الإشكالية لا تتعلق بمجرد وجود رسوم على الإجراءات القضائية، وإنما بمدى تأثير قيمتها وتعددها على قدرة المواطن على الوصول إلى القضاء، موضحاً أن الرسوم عندما تصبح مرتفعة إلى درجة تمثل عائقاً أمام المتقاضي، فإنها تثير تساؤلات جدية حول مدى توافقها مع حق التقاضي المكفول دستورياً.
وأكد أن الوضع الحالي جعل الرسوم تمثل «عائقاً كبيراً» أمام اللجوء إلى القضاء، لافتاً إلى أن التأثير يكون أكثر وضوحاً على محدودي الدخل الذين قد يجدون أنفسهم أمام أعباء مالية تفوق قدرتهم على التحمل، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى التراجع عن اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة للحصول على حقوقهم.
الجلسات العرفية
وحذر عبد المطلب من أن استمرار ارتفاع تكلفة التقاضي قد يؤدي إلى اتجاه المواطنين للبحث عن طرق أخرى لحل النزاعات بعيداً عن ساحات المحاكم، مشيراً إلى أن هناك اتجاهاً حالياً لدى البعض نحو اللجوء إلى اللجان العرفية "الجلسات العرفية" لحل المشكلات بدلاً من سلوك الطريق القضائي.
وأشار إلى أن اللجان العرفية نفسها قد أصابها، بحسب تعبيره، نوع من الانحراف عن دورها، وهو ما يزيد من خطورة الاعتماد عليها كبديل عن القضاء الرسمي في حسم المنازعات.
وشدد عبد المطلب على أن ضمان وصول المواطنين إلى القضاء لا يرتبط فقط بوجود المحاكم والقوانين، وإنما أيضاً بقدرة المتقاضي على تحمل تكاليف إجراءات التقاضي، مؤكداً أن العدالة يجب أن تظل متاحة للجميع، وألا تتحول الرسوم إلى حاجز أمام أصحاب الحقوق، خصوصاً الفئات الأكثر محدودية في الدخل.