ليس ظهور ضابط سابق برتبة فريق، مثل "عبدالمنعم ألتراس" أو عضو سابق بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو وزير داخلية أسبق، مثل محمد إبراهيم يوسف مجرد استضافة لشخصية عامة تملك ذكريات عن أحداث مضت، نحن أمام شخصيات شغلت مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة، وكانت قريبة من دوائر صنع القرار، وبعض الملفات التي تتحدث عنها يرتبط بوقائع لا يزالون مسؤولون عنها وأسمائهم ضمن سجل عام للمتهمين.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق بما يقوله هؤلاء في لقاءاتهم، وإنما أيضًا بكيفية عودتهم إلى المشهد الإعلامي، والجهات التي تستضيفهم، والموضوعات التي يُطلب منهم تناولها، والرسائل التي تنتقل إلى الجمهور عبر شهاداتهم.
فحين يظهر الفريق عبد المنعم التراس للحديث عن الاتصالات السابقة لفض رابعة، ويظهر اللواء محمد إبراهيم يوسف، وزير الداخلية الأسبق، للحديث عن أحداث يناير وفترة حكم الرئيس الشهيد د.محمد مرسي، يصبح من المشروع فحص ما إذا كانت هذه اللقاءات تعكس اهتمامًا إعلاميًا متفرقًا، أم اتجاهًا أوسع لإعادة تقديم روايات المسؤولين السابقين عن مراحل شديدة الحساسية.
ولا يمكن فصل هذه المسألة عن طبيعة النظام الإعلامي الذي تتحرك داخله هذه الشخصيات. فالسؤال عن إتاحة المنابر الإعلامية المتحدة وتسليط الضوء عليهما لمسؤولين سابقين، (ألتراس وإبراهيم يوسف وآخرين متوقع ظهورهم)وعن حدود ما يستطيعون تناوله، وعن الملفات التي تعود إلى الواجهة في توقيتات بعينها، هو سؤال عن البيئة التي تنتج الرواية العامة للأحداث، وليس اتهامًا تلقائيًا بوجود تعليمات مباشرة من جهة بعينها.
سيناريو الدراما
ويصبح حضور شهادات مسبقة اللواءات السابقين عملًا دراميًا جديدًا، وهل تقتصر عودة قيادات عسكرية وأمنية سابقة إلى الشاشات والبودكاست على تقديم شهادات متأخرة عن أحداث مضى عليها أكثر من عقد، أم يمكن أن تكون جزءًا من إعادة تهيئة الرأي العام لرواية مزيفة جديدة يجري الإعداد لتقديمها لاحقًا.
السؤال يكتسب أهمية إضافية عند وضع هذه اللقاءات بجوار الاحتمال المتداول بشأن عودة مسلسل «الاختيار» بجزء رابع، يتناول ادعاءات جديدة وتزييف للحقائق على هوى قائد الانقلاب.
فإذا ظهر عمل درامي جديد يتناول تلك الأحداث، فإن الشهادات الصادرة عن مسؤولين كانوا داخل دوائر القرار العسكري والأمني قد تصبح جزءًا من السياق الإعلامي الذي يستقبل به الجمهور العمل، سواء كان ذلك نتيجة تنسيق مسبق أو مجرد تزامن بين مسارات إعلامية ودرامية.
ويبرز سؤال يستحق المتابعة: هل يجري بالفعل إعداد رواية إعلامية ودرامية متكاملة عن تلك المرحلة، تبدأ بإعادة تقديم شهادات مسؤولين سابقين، ثم تنتقل إلى الشاشة عبر عمل درامي واسع الانتشار؟ أم أن الربط بين الأمرين مجرد احتمال فرضه تقارب الموضوعات وتوقيت ظهور الشهادات؟
خمس فرضيات تفسر توقيت استدعاء الشهادات
أولًا: إعادة تأطير رواية فض رابعة
فقد يكون الهدف تقديم رواية مضادة للاتهامات الموجهة إلى العسكر المجلس والقيادات، عبر التركيز على وجود مفاوضات ومحاولات للحل السلمي، وتحميل أطراف أخرى مسؤولية فشلها.
وهذا ليس افتراضًا بلا سوابق؛ ففي أغسطس 2016، وبعد ثلاث سنوات من الفض، أعلن محمد حسان وعبد الله شاكر وجمال المراكبي عن "شهادات" عن الوساطة السابقة للعملية، وركزت التغطية الإعلامية وقتها على رفض الإخوان للمصالحة.
ثانيًا: إعادة تدوير الرواية عند تجدد الاهتمام الشعبي
إذا كان الواقع المبكر يشير إلى أرشيف ضخم من الصور والفيديوهات فضلا عن البث الحي لما يحدث في رابعة بعدسة الجزيرة وعربة البث من شهادات العائلات المكلومة والناجين والضحايا والأسئلة المتعلقة بمسؤولية المجلس العسكري، فإن استضافة شخصيات من داخل المؤسسة العسكرية قد تكون وسيلة لإعادة توجيه النقاش نحو رواية تحاول نفي الراوية الأولى .
ثالثًا: الاستفادة من صفة الشاهد من داخل المؤسسة
شهادة اللواء أو الفريق السابق تحمل لدى قطاعات من الجمهور وزنًا مختلفًا عن تصريح سياسي صادر عن مسؤول حالي. فالشخص الذي شغل موقعًا قياديًا يستطيع الحديث عن الاجتماعات والاتصالات وتسلسل القرارات من موقع القرب من الأحداث. وفي المقابل، تظل شهادته بحاجة إلى المقارنة بشهادات الأطراف الأخرى والوثائق، خصوصًا إذا كان قد شغل مناصب في المؤسسة نفسها التي يتناول دورها.
رابعًا: اختبار أثر الرواية على الجمهور
وقد تساعد البرامج المطولة والبودكاست على تقديم روايات تفصيلية تتجاوز الخبر القصير، وتسمح بتكرار الرسائل نفسها بصيغ مختلفة، ضمن هدف جهة أمنية بعينها والأدلة على التنسيق أو توجيه المحتوى هو تكرار ادعاءات مزيفة يعرفها الجميع.
خامسًا: احتواء أثر الذكرى بدلًا من تركها على رواية الضحايا
وإذا استمرت شهادات الناجين والحقوقيين في الانتشار، فقد يكون من مصلحة الأطراف المدافعة المجلس العسكري أو بلطجية الحكومات وزارة الداخلية الدفاع عن الرواية الانقلابية وطرح شهادات مقابلة تستعيد الحديث عن المفاوضات والبدائل السلمية، والسؤال هنا ليس فقط من ظهر على الشاشة، بل ما الذي ركز عليه، وما الذي أغفله، وما إذا كانت الرواية الجديدة تجيب عن الأسئلة المتعلقة بمن أصدر قرار الفض ومن أشرف على تنفيذه.
مبادرات فردية، أم مسار لترتيب رواية كاذبة
التقارب في توقيت الظهور، بين أتراس ويوسف وتشابه الموضوعات، وإعادة فتح ملفات محددة، كلها مؤشرات تستحق الفحص والمقارنة، ويتطلب الوصول إلى إجابة موثقة تتبع الجهات المنتجة للقاءات، وتواريخ إعدادها وبثها، وطبيعة الأسئلة الموجهة إلى الضيوف، وما إذا كانت هناك صلات أو ترتيبات معلنة تربط بينها.
والأهم هو فحص مضمون الشهادات نفسها: هل تكشف معلومات لم تكن معروفة؟ هل تقدم أدلة يمكن التحقق منها؟ هل تواجه التناقضات في الروايات السابقة، أم تكتفي بإعادة عرض وجهة نظر واحدة؟ وهل يُتاح المجال لأصحاب الروايات المخالفة للرد؟
إن صفة الشاهد من داخل المؤسسة تمنح الرواية أهمية، لكنها لا تمنحها حصانة من النقد. وإذا كانت هذه اللقاءات تستهدف كشف الحقيقة، فإن معيارها يجب أن يكون الوثيقة والدليل والمساءلة، لا الرتبة السابقة للضيف وحدها.
أما إذا أظهرت المتابعة وجود نمط متكرر في اختيار الضيوف والتوقيت والموضوعات، فسيكون من حق الصحافة أن تبحث في دلالته، وأن تسأل عن الجهات المستفيدة من إعادة تقديم هذه الروايات، من دون تحويل الشكوك إلى وقائع قبل إثباتها.
الفكرة التي تطرحها تستحق المعالجة بوصفها سؤالًا عن توقيت الشهادات العسكرية والإعلامية، والجهة المستفيدة من إعادة فتح ملف فض رابعة بعد مرور 13 عامًا، لا باعتبارها مجرد لقاءات تلفزيونية تستعيد أحداثًا قديمة.
فحين تظهر شهادات من قيادات عسكرية وأمنية سابقة بعد سنوات طويلة، وتتزامن مع عودة النقاش حول أحداث رابعة على منصات التواصل الاجتماعي، يصبح من المشروع التساؤل عن سبب اختيار هذا التوقيت، ولماذا تُستدعى روايات بعينها الآن، وما الرسالة التي يُراد إيصالها إلى الجمهور.
دور الشؤون المعنوية
تعلن إدارة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة أن من مهامها الإعداد المعنوي والتأهيل النفسي وتنمية مشاعر الولاء والانتماء لدى أفراد القوات المسلحة، كما تتضمن مهامها مراجعة الأعمال الفنية والدرامية المتعلقة بالمؤسسة العسكرية، وأعلنت وزارة الدفاع في يناير 2025 توقيع بروتوكول تعاون بين الإدارة والهيئة الوطنية للإعلام لتبادل الخبرات وتطوير منظومة الخدمات الإعلامية.
كما نشرت الجزيرة نت في يوليو 2019 تقريرًا عن وثائق قالت إنها حصلت عليها، تتعلق بآليات تعامل المركز الإعلامي العسكري مع وسائل الإعلام وتحليل المحتوى المنشور في وسائل الإعلام المحلية والإقليمية ومواقع التواصل الاجتماعي.
هذه المعطيات وغيرها مثل توظيف لجان بمقابل مادي وبأماكن وقيادات ورموز لصياغة الرسائل العامة وقيادة الحملات على التواصل للتعامل مع الملفات الداخلية والاقليمية والخارجية.
والشؤون المعنوية ليس منفردا بل ربما شاركت ألوية اللجان من جهاز أمني آخر ربما يكون استدعى الفريق عبد المنعم التراس ووزير الداخلية وهناك قائمة للاستدعاءات ضمن تعليمات بإطلاق حملة متزامنة حول رابعة.
كل ما تفتح الجراب تطلع حيّة
وكل من يظهر في هذه الشهادات "تعابين"، تعبيرًا عن انعدام الثقة، لكنه لا يغني عن فحص كل شهادة على حدة ومقارنتها بالأدلة وبشهادات الشهود وآراء المحللين.
وتوظيف الشهادة لتثبيت رواية بعينها وإعادة تدوير شخصيات من داخل المؤسسة لقربها السابق أو الحالي من دوائر القرار (العصابة) لا يجعل شهادتها مستقلة تلقائيًا فضلا عن إعادة تحريك شخصيات كانت بعيدة عن المشهد في "الثلاجة" ربما أُجبرت على الظهور أو تعرضت لضغط ما.