“سوخوي “35 لإثيوبيا وممنوعة عن مصر.. كيف تقيد واشنطن خيارات القاهرة العسكرية؟

- ‎فيتقارير

بينما تعزز أديس أبابا قدراتها الجوية والدفاعية بأسلحة روسية متطورة، تعود إلى الواجهة صفقة «سوخوي 35» المصرية التي تعطلت بفعل التهديدات الأميركية بالعقوبات، لتكشف عن مفارقة في ميزان التسليح الإقليمي، وحدود استقلال القرار العسكري المصري، وتأثير حسابات واشنطن وتل أبيب على خيارات القاهرة.

أعاد إعلان إثيوبيا امتلاك مقاتلات روسية متطورة، بالتزامن مع زيارة  المنقلب عبد الفتاح السيسي إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فتح ملف التسليح الروسي الذي ظل معلقاً في القاهرة لسنوات. فبينما كانت مصر من أوائل الدول التي سعت إلى اقتناء مقاتلات «سوخوي 35»، تتجه إثيوبيا إلى تعزيز قدراتها العسكرية بالطائرات نفسها، إلى جانب ترتيبات معلنة للحصول على منظومات الدفاع الجوي "إس 400"

ويضع هذا التطور الشراكة العسكرية المصرية الروسية أمام اختبار جديد، ويطرح تساؤلات بشأن قدرة القاهرة على تنويع مصادر تسليحها بعيداً عن القيود الأميركية، في وقت تتحرك فيه أديس أبابا لتطوير قدراتها النوعية، بالتوازي مع استمرار الخلاف حول سد النهضة وتصاعد التنافس على النفوذ في حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

 

إثيوبيا تدخل سباق التسليح النوعي

أعلنت إثيوبيا، الأربعاء الماضي، تسلمها 12 مقاتلة من طراز «سوخوي 35»، مع الإشارة إلى ترتيبات لتسلم أربعة أنظمة دفاع جوي من طراز "إس 400" من روسيا، في خطوة تستهدف تعزيز قدرات القوات المسلحة الإثيوبية.

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية عن رئيس الحكومة أبي أحمد قوله إن امتلاك هذه المقاتلات ومنظومات الدفاع الجوي يعزز قدرة بلاده على حماية مجالها الجوي والتصدي للتهديدات المحتملة، والدفاع عن مصالحها الأمنية، بما يسهم في استقرار المنطقة.

وجاء الإعلان بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية الأفريقية الثالثة في موسكو، وفي توقيت تواجه فيه حكومة أبي أحمد تحديات داخلية وإقليمية متشابكة، تشمل تجدد المواجهات في إقليم تيغراي، واستمرار الاضطرابات في إقليم أمهرة، فضلاً عن تصاعد التوتر مع إريتريا.

ولا يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد صفقة تسليح تقليدية، إذ تأتي في سياق سعي إثيوبيا إلى تثبيت موقعها قوة إقليمية مؤثرة، وتطوير أدواتها العسكرية بما يتناسب مع طموحاتها السياسية والاستراتيجية، التي لا تقتصر على ملف سد النهضة، بل تمتد إلى السعي للحصول على منفذ بحري وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

سد النهضة وتوازنات القوة في الجنوب

تكتسب الصفقة حساسية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة تتحكم في مصدر رئيسي من مصادر أمنها المائي، بينما تعمل أديس أبابا على توظيف قدراتها الاقتصادية والعسكرية لتعزيز نفوذها الإقليمي.

وبذلك، لم يعد الخلاف بين البلدين محصوراً في قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، وإنما أصبح جزءاً من تنافس أوسع على النفوذ وموازين القوة في حوض النيل وشرق أفريقيا والبحر الأحمر.

ويمثل إدخال مقاتلات "سوخوي 35" إلى الخدمة الإثيوبية تطوراً نوعياً في القدرات الجوية لأديس أبابا، فيما قد يشكل استكمال صفقة "إس 400" عاملاً إضافياً في حسابات الدفاع الجوي بالمنطقة، بالنظر إلى قدرات هذه المنظومة بعيدة المدى.

لكن تأثير هذه الأسلحة لا يمكن قياسه بمجرد أعداد الطائرات أو المنظومات المعلنة؛ إذ يرتبط بمواقع نشرها، ومدى تغطيتها الفعلية، وكفاءة الأطقم، وتوافر الصيانة وقطع الغيار والتسليح، فضلاً عن قدرتها على العمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة متكاملة.

ومن ثم، لا يعني حصول إثيوبيا على هذه الأسلحة أنها حققت تفوقاً عسكرياً شاملاً على مصر، لكنه يكشف عن توجه واضح لتطوير قدراتها النوعية، بما يفرض على القاهرة إعادة تقييم بعض افتراضاتها المتعلقة بالتوازن العسكري في الجنوب.

 

تقديرات عسكرية: قدرات للمناورة لا تعني بالضرورة المواجهة

وفي قراءة سياسية للتطور، رأى السفير حسام عيسى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن حصول إثيوبيا على مقاتلات "سوخوي 35" وتوجهها لامتلاك منظومات دفاع جوي متقدمة مثل "إس 400" يعكسان رغبة القيادة الإثيوبية في تطوير قدراتها العسكرية وتعزيز موقعها الإقليمي.

وأشار إلى أن هذه الخطوة ينبغي فهمها في ضوء الحسابات السياسية والاستراتيجية لأديس أبابا خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أن امتلاك أدوات عسكرية أكثر تطوراً قد يمنح صانع القرار الإثيوبي مساحة أوسع للمناورة، لكنه لا يعني بالضرورة التوجه إلى المواجهة العسكرية.

وأضاف أن تعزيز القدرات العسكرية قد ينعكس على طريقة إدارة إثيوبيا علاقاتها الخارجية، وعلى تقديراتها لموازين القوى في محيطها الإقليمي، دون أن يكون ذلك دليلاً حتمياً على اتجاهها إلى التصعيد.

ومن الناحية العسكرية، اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج أن التحركات الإثيوبية يجب قراءتها في إطار أوسع من الخلاف مع مصر بشأن سد النهضة، إذ ترتبط أيضاً بالتوترات القائمة في محيط إثيوبيا، خصوصاً علاقاتها مع إريتريا والسودان، فضلاً عن طموحاتها لتعزيز مكانتها في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

وأوضح فرج أن امتلاك مقاتلات متطورة ومنظومات دفاع جوي بعيدة المدى لا يعني بالضرورة حدوث تغيير جوهري في ميزان القوى العسكرية مع مصر، مشيراً إلى أن تقييم القوة العسكرية لا يتوقف عند نوعية الأسلحة، وإنما يشمل حجم القوات المسلحة، وتنوع مصادر التسليح، ومستوى التدريب والخبرات القتالية، وكفاءة منظومات القيادة والسيطرة، والقدرات الفنية واللوجستية.

ولفت إلى أن "سوخوي 35" تنتمي إلى فئة مقاتلات الجيل الرابع المطور، وتمتلك قدرات قتالية متقدمة، لكن الاستفادة من إمكاناتها تتطلب منظومة متكاملة تشمل التسليح والصيانة وقطع الغيار والتدريب. كما تظل تكلفة هذه الصفقات ومدى قدرة الاقتصاد الإثيوبي على تحمل أعبائها من العوامل المهمة في تقييم مستقبل التوسع العسكري لأديس أبابا.

 

صفقة مصرية بملياري دولار عطلتها واشنطن

وتعيد الخطوة الإثيوبية إلى الواجهة مسار الصفقة المصرية الروسية لشراء مقاتلات "سوخوي 35"، التي بدأت مفاوضاتها عام 2018، وشملت وفق التقارير المتداولة أكثر من 20 مقاتلة، بقيمة قدرت بنحو ملياري دولار.

وفي مارس 2019، كشفت صحيفة "كوميرسانت" الروسية عن توقيع اتفاق لتوريد نحو 24 مقاتلة لمصر، قبل أن تتوالى التقارير بشأن بدء تصنيع الطائرات لصالح القاهرة. وفي مايو 2020، نقلت وكالة "تاس" الروسية عن بدء مصنع جاجارين للطائرات في كومسومولسك إنتاج المقاتلات بموجب العقد الموقع عام 2018.

لكن الصفقة اصطدمت منذ البداية باعتراض أميركي واضح، ففي أبريل 2019، حذر وزير الخارجية الأميركي آنذاك مايك بومبيو من أن إتمامها قد يؤدي إلى فرض عقوبات على مصر بموجب قانون مكافحة خصوم أميركا من خلال العقوبات «CAATSA»، الذي يستهدف التعاملات العسكرية المهمة مع قطاعات الدفاع والاستخبارات الروسية.

وكشف الموقف الأميركي عن حدود حرية القاهرة في تنويع مصادر تسليحها، إذ لم يكن الاعتراض متعلقاً فقط بطبيعة السلاح الروسي، وإنما أيضاً بتداعيات امتلاك مصر منظومات عسكرية متقدمة خارج دائرة الموردين الأميركيين، في ظل اعتماد جانب مهم من تسليح الجيش المصري على التعاون العسكري مع واشنطن.

وهكذا، وجدت القاهرة نفسها أمام معادلة صعبة: المضي في صفقة روسية قد تفتح الباب أمام عقوبات أميركية، أو التراجع عنها تفادياً لتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية محتملة.

 

"إف 15".. تسليح مصري محكوم بحسابات التفوق الإسرائيلي

ولا تتوقف إشكالية التسليح المصري عند الضغوط الأميركية لمنع شراء الأسلحة الروسية، وإنما تمتد إلى حرمان القاهرة من الحصول على بعض المنظومات الأميركية المتقدمة نفسها.

ويبرز في هذا السياق ملف مقاتلات "إف 15"، التي سعت مصر إلى اقتنائها مراراً منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن طلباتها ظلت تواجه الرفض الأميركي.

ورغم إعلان قائد القيادة المركزية الأميركية آنذاك، الجنرال كينيث ماكنزي، في مارس 2022، أن الولايات المتحدة ستزود مصر بمقاتلات "إف 15"، فإن الإعلان لم يتحول إلى صفقة معلنة رسمياً أو تسليم فعلي للطائرات.

وفي الفترة نفسها، كشفت تقارير أميركية عن ضغوط إسرائيلية على إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لعدم الموافقة على الصفقة، في سياق المخاوف المرتبطة بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة.

وتعكس هذه الوقائع مفارقة في علاقة القاهرة بواشنطن؛ فمصر مطالبة بمراعاة القيود الأميركية عند التفكير في شراء السلاح الروسي، لكنها في الوقت نفسه لا تحصل بالضرورة على جميع المنظومات الأميركية التي تسعى إلى امتلاكها، بما يجعل خياراتها التسليحية مرتبطة بحسابات سياسية تتجاوز احتياجاتها العسكرية المباشرة.

 

موسكو بين القاهرة وأديس أبابا

ويضع حصول إثيوبيا على مقاتلات روسية متطورة، بالتزامن مع تعثر الصفقة المصرية، موسكو أمام مشهد إقليمي معقد، إذ ترتبط بعلاقات عسكرية وسياسية مع أطراف تتباين مصالحها في ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة وتوازنات القرن الأفريقي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن روسيا تتبنى موقفاً ضد مصر أو تعمل على ترجيح كفة إثيوبيا، لكنه يكشف أن التعاون العسكري الروسي لا يتحرك بالضرورة وفق حسابات القاهرة وحدها، وأن موسكو تضع مصالحها وعلاقاتها المتعددة في المنطقة ضمن معادلة أوسع.

كما يطرح التطور تساؤلات بشأن نتائج الشراكة العسكرية المصرية الروسية، ومدى قدرة القاهرة على تحويل علاقاتها السياسية مع موسكو إلى صفقات تسليح مكتملة، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية التي قد تعرقل تنفيذ بعض الاتفاقات.

وفي النهاية، لا تكمن خطورة التطور الإثيوبي في امتلاك طائرات "سوخوي 35" أو الترتيبات المتعلقة بمنظومة "إس 400" وحدها، وإنما في دلالته السياسية والاستراتيجية: إثيوبيا تتحرك لتوسيع خياراتها العسكرية وتعزيز نفوذها الإقليمي، بينما لا تزال مصر تواجه قيوداً خارجية على تنويع تسليحها، إلى جانب تعثر بعض الصفقات التي سعت إليها منذ سنوات.

وبينما تتصاعد المنافسة في حوض النيل والقرن الأفريقي، يصبح السؤال المطروح أمام القاهرة ليس فقط كيفية التعامل مع الأسلحة الجديدة التي تدخل الترسانة الإثيوبية، بل أيضاً مدى امتلاكها قراراً مستقلاً لتنويع مصادر تسليحها، وبناء استراتيجية متكاملة تحمي أمنها القومي ومصالحها المائية والإقليمية.