كشف تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة في مصر عن موجة واسعة من الجدل، بعدما أعلنت وزارة الثقافة بحكومة السيسي عن أسماء جديدة تضم شخصيات من مجالات متعددة، بعضها بعيد عن الحقل الثقافي التقليدي، وضمن التوسع في ضم مثل هذه الشخصيات من خارج الوسط الثقافي التقليدي ما أثار انتقادات تتعلق بأن بعض التعيينات تبدو أقرب إلى مجاملات أو ترتيبات شخصية، مستشهدة بتجارب سابقة مثل ترشيح إيمان عبد الدايم لجائزة التفوق في ظل وجود شقيقتها الوزيرة إيناس عبد الدايم في المنصب آنذاك أو اختيارات اللجنة العامة للمجلس الأعلى للثقافة والتي شهدت فريق كان أقلهم سنا يبلغ من العمر 70 عاما.
أسماء مثيرة للجدل في التشكيل الجديد
وضم التشكيل أسماء مثل الصحفية دعاء جمال البادي، والمصرفية لميس نجم، وهالة عبد الودود من قطاع العلاقات الخارجية بشركة عقارية، إضافة إلى نجلاء نصير مستشار الرئيس التنفيذي لشركة WE، التي انضمت إلى لجنة الاستثمار الثقافي، كما تولى الإعلامي عمرو الليثي رئاسة لجنة الإعلام (وهو رئيس الإعلام بالتعاون الإسلامي) بقرار من جيهان زكي، صاحبة قضية السرقة العلمية الشهيرة، بينما استمرت أسماء معروفة مثل سماح أبو بكر عزت في مواقعها كمقررة للجنة الطفل.
وعاب مراقبون في التشكيل الجديد (يوليو 2025) من عناصر كوادر التنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر، معتبرًا أن ذلك يعكس عودة أنماط قديمة من التمكين السياسي داخل المؤسسات الثقافية، وهو ما دل برأي البعض على “شيخوخة” المؤسسة الثقافية.
وووصف "المجلس الثوري المصري" المجلس بأنه “ثمانيني” في أعضائه وفكره، متسائلًا كيف تعجز مصر، بكل ثقلها الثقافي، عن تقديم مفكرين شباب بدلًا من “بقايا عهود سابقة”، وذهب طارق سلامة إلى وصف الصورة الأحدث للمجلس بأنها غير معبرة عن مجتمع تعداده 114 مليون نسمة، معتبرًا أن الأسماء المختارة لا تمتلك ارتباطًا حقيقيًا بالثقافة، بل تمثل مجرد موظفين بلا تأثير.
أبرز الانتقادات
غياب الشفافية في آليات الاختيار
وتباينت ردود الفعل بين الترحيب ببعض الأسماء والاعتراض على آليات الاختيار، لكن الغلبة كانت للانتقادات التي ركزت على عدة محاور أساسية وأبرزها كان : غياب الشفافية في آليات الاختيار، حيث أشارت تقارير صحفية إلى أن عملية تشكيل اللجان اتسمت بدرجة من الغموض، خصوصًا بعد تأخر الإعلان الرسمي رغم انتهاء المدة القانونية للجان منذ نوفمبر الماضي. وبحسب ما نشرته "اليوم السابع"، فإن الوزير أحمد هنو السابق كان قد أعد التشكيل بنفسه مع اعتماد آلية جديدة تعتمد على اختياراته المباشرة بدلًا من الترشيحات التقليدية، لكن التشكيل لم يُعلن قبل مغادرته المنصب، مما خلق فراغًا تنظيميًا وطرح تساؤلات حول معايير الاختيار.
تهميش الأصوات المستقلة والحراك الثقافي الحقيقي
وانتقد مثقفون غياب الأصوات الفاعلة في المشهد الثقافي المستقل، معتبرين أن التشكيل لا يعكس التنوع الحقيقي في الساحة الثقافية المصرية والتمثيل العام داخل المجلس لا يعبر عن الحراك الثقافي المعاصر.
تعدد العضويات وشبكات المصالح
وطرح الكاتب أشرف الصباغ، انتقادًا لافتًا يتعلق بظاهرة “تعدد العضويات” داخل اللجان، محذرًا من شبكات المصالح التي قد تنشأ نتيجة مشاركة نفس الأسماء في أكثر من لجنة. ودعا إلى ضرورة إتاحة الفرصة لعدد أكبر من الكفاءات بدلًا من تركّز الأدوار في أيدي مجموعة محدودة.
غياب التنوع الفكري وضعف التمثيل
ورأى مراقبون أن التشكيل لا يعكس التنوع الفكري المطلوب، وأنه يميل إلى نمط تقليدي في الاختيارات، دون تمثيل كافٍ للتيارات الفكرية المختلفة أو للمبدعين من خارج المؤسسات الرسمية. هذا الانتقاد ظهر في تصريحات الشاعرة أماني خليل التي رحبت بخلو التشكيل من بعض الأسماء “غير المرغوب فيها”، لكنها لم تُبدِ ارتياحًا كاملًا للتشكيل.
غياب الحوار المجتمعي
وأشار مثقفون إلى أن تشكيل اللجان تم دون حوار مجتمعي أو مشاركة واسعة من الفاعلين الثقافيين، رغم أن هذه اللجان تُعد أحد أهم الأذرع الاستشارية لوزارة الثقافة، واعتبروا أن غياب المشاركة يعمّق الفجوة بين المؤسسات الرسمية والمشهد الثقافي الحقيقي، بحسب مراقبين.
ولا تركز اللجان في صيغتها الحالية على تقديم رؤية واضحة للتعامل مع القضايا الثقافية والاجتماعية الراهنة، مثل التحول الرقمي، وتحديات حرية التعبير، ودعم الأعمال الإبداعية.
ودأبت وزارات الانقلاب على هذا النمط من توزيع الأدوار، فقبل سنوات استُحضر متابعون تعيين تهاني الجبالي (توفيت) في المجلس عام 2014 رغم عدم امتلاكها إنتاجًا ثقافيًا كما هو تعيين شخصيات مجهولة مثل عواطف عبد الكريم دون سجل ثقافي معروف.
ولذلك كان من أبرز الانتقادات التي برزت في النقاش العام حول تشكيل لجان المجلس الأعلى للثقافة، ما يتعلق بدور شبكات العلاقات الاجتماعية المغلقة في عملية الاختيار، حيث أشار مثقفون إلى أن بعض التعيينات تعكس نفوذ دوائر اجتماعية مثل أعضاء نوادي الروتاري والليونز، الذين باتوا يظهرون في مواقع ثقافية لا ترتبط بخبراتهم المهنية المباشرة. ويُنظر إلى هذا النمط باعتباره امتدادًا لثقافة “الاختيار بالعلاقات” لا بالكفاءة، خاصة مع تزايد حضور شخصيات من خلفيات مصرفية أو عقارية أو اتصالية داخل لجان يفترض أن تكون متخصصة في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية.
وهذا الربط بين النوادي الاجتماعية والنفوذ الثقافي أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التعيينات تعكس رؤية ثقافية حقيقية أم مجرد امتداد لشبكات مصالح تتقاطع فيها السلطة والمال والمكانة الاجتماعية، وهو ما عمّق شعورًا عامًا بأن عملية الاختيار لا تعبّر عن المشهد الثقافي المصري بقدر ما تعبّر عن دوائر النفوذ المحيطة بصنّاع القرار.
ويتكون المجلس الأعلى للثقافة في مصر من 24 لجنة نوعية متخصصة مثل: السينما، المسرح، الموسيقى، الفنون التشكيلية، الكتاب والنشر، الترجمة، التاريخ والآثار، التراث، الفلسفة، علم النفس، وفنون الطفل ٬ الشباب و لجنة الجغرافيا و البيئة و العلوم القانونية و الملكية الفكرية و الإعلام.