حظر وتبني في آن واحد.. قرارات متناقضة تكشف ارتباك حكومة الانقلاب في ملف العملات الرقمية

- ‎فيتقارير

سياسات مزدوجة بين التجريم والتوجه للإصدار الرسمي تثير تساؤلات حول الرؤية الاقتصادية

البنك المركزي يرفض "المشفرة" ويستعد لإطلاق عملة رقمية وسط أزمة ثقة عميقة

 

في مشهد يعكس تضارب القرارات الاقتصادية، تواصل حكومة الانقلاب إدارة ملف العملات الرقمية بسياسة مزدوجة تجمع بين الحظر والتبني في الوقت ذاته، حيث تصر على تجريم التعامل بالعملات المشفرة، بينما تمضي بالتوازي نحو إعداد عملة رقمية رسمية، في خطوة تكشف غياب رؤية واضحة للتعامل مع التحولات المالية العالمية.

 

وخلال ندوة نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية في القاهرة، أقر مسؤولون مصرفيون وخبراء بأن العالم يتجه نحو نظام مالي هجين يجمع بين التكنولوجيا الحديثة والأنظمة التقليدية، لكن التعاطي الحكومي في مصر بدا أقرب إلى الارتباك، مع الإصرار على المنع الكامل من جهة، والسعي للحاق بركب الرقمنة من جهة أخرى.

 

رفض كامل للعملات المشفرة رغم الانتشار

 

وأكد نائب رئيس البنك الأهلي يحيى أبو الفتوح تمسك البنك المركزي بحظر العملات المشفرة خلال السنوات المقبلة، مبرراً ذلك بمخاطر التذبذب السعري وصعوبة تتبع السيولة، إلى جانب مخاوف الاحتيال وضعف حماية المستثمرين.

 

غير أن هذه المبررات، وفق مراقبين، تعكس عجزاً تنظيمياً أكثر من كونها سياسة مدروسة، خاصة في ظل الانتشار المتزايد لهذه العملات عالمياً، واتجاه العديد من الدول إلى تنظيمها بدلاً من حظرها، وهو ما يضع مصر خارج مسار التطور المالي.

 

كما أقر المسؤول المصرفي بأن الاقتصاد المصري يعاني "مشاكل عميقة"، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على إدارة أدوات مالية أكثر تعقيداً، في وقت تعاني فيه الأسواق المحلية من اضطرابات مستمرة.

 

عملة رقمية حكومية.. بديل أم اعتراف متأخر؟

 

في المقابل، كشف أبو الفتوح عن توجه لإصدار عملة رقمية مصرية بالتعاون مع بنوك مركزية عالمية، ضمن خطة تمتد حتى 2028 و2030، على أن تكون مدعومة بالدولار أو اليورو أو الذهب، وتخضع لرقابة كاملة.

 

هذا التوجه، رغم أهميته، يعكس – بحسب خبراء – اعترافاً متأخراً بأهمية الرقمنة المالية، لكنه يأتي في إطار مركزي صارم قد يحد من الابتكار، ويعيد إنتاج نفس القيود التي تعاني منها المنظومة التقليدية.

 

فجوة بين الواقع والسياسات

 

اللافت أن النقاشات داخل الندوة نفسها كشفت عن تناقض واضح، حيث دعا خبراء إلى دمج العملات المشفرة داخل الاقتصاد الرسمي بدلاً من تركها في الظل، مؤكدين أن تجاهلها لن يمنع انتشارها، بل سيحرم الدولة من أدوات رقابية وفرص اقتصادية.

 

وأشار خبراء إلى أن نحو 70% من البنوك المركزية حول العالم تدرس إصدار عملات رقمية، في وقت تتعامل فيه الأسواق مع العملات المشفرة كواقع مالي ضخم تتجاوز قيمته تريليونات الدولارات، ما يجعل سياسة الحظر الكامل أقرب إلى الانعزال عن الاقتصاد العالمي.

 

ارتباك يعكس فشل الإدارة الاقتصادية

 

ويعكس هذا التضارب في السياسات، بحسب محللين، نمطاً متكرراً في إدارة حكومة مدبولي للملفات الاقتصادية، حيث يتم اللجوء إلى قرارات متناقضة تفتقر إلى الاتساق، في ظل غياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمات.

 

فبينما تسعى الحكومة إلى فرض السيطرة الكاملة على النظام المالي، تتجاهل في الوقت ذاته التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، ما يهدد بتوسيع الفجوة بين الاقتصاد المصري ونظرائه الدوليين.

 

وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال المطروح: هل تمثل العملة الرقمية الحكومية خطوة نحو التطوير، أم مجرد محاولة متأخرة لاحتواء واقع لم تعد الحكومة قادرة على تجاهله؟