يروّج إعلام النظام تحذيرات مستمرة من أن "خروج الناس وتخريب البلاد سيؤديان إلى وصول الدمار لكل البيوت"، في محاولة مكشوفة لثني المواطنين عن التظاهر وربط أي حراك سلمي بالتخريب الممنهج لحماية مصالح المستفيدين من بقاء النظام.
حالة غير مسبوقة من الاحتقان والغليان المجتمعي، وسط تصاعد وتيرة دعوات الخروج والتظاهر ضد سياسات عبد الفتاح السيسي وحكومته، التي أسفرت عن تجويع الشعب وإذلاله، وتدمير قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، ومصادرة أبسط حقوق الإنسان في الحرية والكرامة والحكم الرشيد.
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية الطاحنة وتهاوي مستويات المعيشة إلى قاع لم يشـهده التاريخ المصري الحديث، يقف النظام العسكري عارياً ومرعوباً أمام شبح الثورة والغضب الشعبي، مستخدماً آلات القمع والأحكام العسكرية والقضائية القاسية استباقاً لأي تحرك شعبي محتمل، بينما ترتفع الأصوات الشعبية والنخبوية في كل مكان مطالبة برحيل السيسي وحكومة مصطفى مدبولي، ورفع الشعار الأبرز والأوحد: "ارحل يا سيسي.. لازم ثورة إنقاذ كبرى".
تتعدد القراءات والنقاشات بين النخب الفكرية والإعلامية حول مآلات الأوضاع الراهنة ومخاوف الصدام الحتمي بين الشعب والسلطة، ويبرز في هذا السياق عدد من الأصوات المعبرة عن اتجاهات متباينة تكشف عمق الأزمة وبنيتها المعقدة.
الصحفي سليم عزوز (@selimazouz1): كتب عبر إكس "هناك تخويف من خروج الناس، يصدر من داخل دوائر السلطة… مصر لا تتحمل ثورة أخرى، وفي الوقت نفسه فقد أخذت جرعة مكثفة من الاستبداد فوق الطاقة. ولا يستطيع أي نظام في الكون أن يحكم سنوات طويلة ويده على الزناد".
ويرى أن السلطة تُروج باستمرار لمخاوف الخروج الشعبي وتستثمر في فزاعة الفوضى لتبرير استمرار القمع، مؤكداً أن الاستبداد بلغ مداه الأقصى، وأن الجلاد والضحية يكتويان بنار القمع، معتبراً أن مصر بحاجة ماسة إلى انتقال ديمقراطي هادئ يجنبها الكوارث التي يحذرون منها، وأن استمرار تغييب الرأي الآخر وسجون الرأي يُعجل بالانهيار الشامل.
وتحاول دوائر السلطة والأذرع الإعلامية التابعة لها باستمرار استنباط وتخليق صور مشوهة ومضللة لإجهاض أي تحرك شعبي مرتقب. ويروج إعلام النظام، على غرار ما يطرحه الإعلامي المقرب من السلطة مصطفى بكري وغيره، تحذيرات مستمرة وممنهجة من أن "خروج الناس وتخريب البلاد سيؤديان إلى وصول الدمار لكل البيوت"، في محاولة مكشوفة لثني المواطنين عن التظاهر وربط أي حراك سلمي بالتخريب الممنهج، لحماية مصالح المستفيدين من بقاء النظام.
ويوضح عزوز أن السلطة تلتف حول الحقيقة وتستثمر في فزاعة الفوضى لتبرير استمرار القمع، ومؤكداً أن الاستبداد بلغ مداه الأقصى، وأن الجلاد والضحية يكتويان بنار القمع، وأن مصر بحاجة إلى انتقال ديمقراطي هادئ يجنبها الكوارث التي يحذرون منها، وأن استمرار تغييب الرأي الآخر وسجون الرأي يعجل بالانهيار الشامل.
ولذلك كتب الإعلامي شريف منصور (@Mansour74Sh): "من يعرف جحور البلطجية والحرامية وحمايتها ويوفر لهم كل سبيل الوجود والانتشار، هو من سيُطلقهم إذا خرج الناس. عموماً، الشعب إذا خرج هو من سيحمي كل شيء في بلده، ولنا في 2011 المثل والقدوة".
وهو تحذير تام من لجوء السلطة إلى أساليب ترويع المواطنين عبر تحريك العصابات والبلطجية واستخدام المخدرات لإثارة الفوضى الممنهجة، مؤكداً في الوقت ذاته قدرة الشارع المصري الأكيدة على حماية مقدراته ومنشآته كما حدث في ثورة يناير المجيدة.
حتى أن حازم يوسف (@Hazemmontasser): الذي يعتبر "يناير نكسة" كما هو شعاره على إكس كتب أنه "برغم سياسة الإفقار والإذلال المتعمد للشعب، النظام ده أكثر نظام مرعوب حرفياً من خروج الناس للشارع…".
ويسلط الضوء على الهشاشة النفسية والأمنية العميقة للنظام رغم آلته القمعية الضخمة، مبيناً حجم الرعب الحقيقي الذي تعيشه دوائر صنع القرار من غضبة الجياع وتكدس الملايين على حافة الهاوية المعيشية.
في حين يؤكد آخرون قدرة الشارع المصري الأكيدة على حماية مقدراته ومنشآته كما حدث في ثورة يناير. ورغم تحفظات بعض الشخصيات مثل حازم يوسف (@Hazemmontasser) على مسار الثورات السابقة، إلا أنه أقر بواقع الحال.
رعب السلطة وقرارات القمع
وتستبق السلطات الأمنية في مصر أي تحركات شعبية مرتقبة بحملات مسعورة من الاعتقالات والأحكام القضائية القاسية لإرهاب المواطنين؛ حيث كشفت التقارير الحقوقية عن سلسلة من الإجراءات القمعية الواسعة، فقد صدرت في السابق أحكام عسكرية قاسية بالسجن والعزل ضد ضباط وجنود شاركوا أو تعاطفوا مع الاحتجاجات المعيشية المحدودة (مثل قضية ضابط القوات الجوية حسن صبري).
وأصدرت محاكم أمن الدولة أحكام إعدام ومؤبد بحق معارضين بقضايا ملفقة مثل "حرس الثورة" لترهيب كل من تسول له نفسه الاعتراض على سياسات الإفقار.
وتطال حملات الاعتقال العشوائي والإخفاء القسري التي تطال النشطاء والفنانين والمواطنين لمجرد التعبير عن السخط عبر وسائل التواصل الاجتماعي استباقاً لدعوات "ثورة الكرامة" ومطالب "طوفان مصر" بتنحي السيسي ومدبولي وحل البرلمان، وتشكيل فترة انتقالية وحكومة تكنوقراط.
الاتهام المباشر لرأس الانقلاب
وتضج منصات التواصل الاجتماعي بنداءات الغضب التي توجه أصابع الاتهام مباشرة إلى سياسات السفيه عبدالفتاح السيسي، معتبرة أن بقاءه يعني هلاك الشعب وموت الوطن. وفي هذا السياق، كتب حساب جمال مبارك رئيساً للجمهورية (@gamal_mubaraak):، "كل ثانية تأخير ف خروج الشعب المصرى ف ثورة معناه موت وهلاك للشعب هتموت انت واسرتك من الجوع والمرض والقمع الوضع ف مصر اسوأ مما تتخيل السيسي أفلس الدولة وباعها وعايز يموت ملايين المصريين ويحتل الحكم للابد هو واسرته #لازم_ثورة إنقاذ كبرى ف كل شوارع مصر #ارحل_يا_سيسي".
وعلقت الناشطة هند المصرية (@hind_selim22) بلهجة شديدة قائلة: "تعتبر هذا الكلام من اخطر المكاشفات التي تتبناها دولة العميل الصهيوني #السيسي.. هنا تكشف دولة #السيسي عن وجهها القبيح في احتضان وتختزن وتنسق وتستعد وتدرب مجموعات إرهابية (بلطجية) ولصوص لترويع الشعب في حالة القيام بانتفاضة أو ثورة ضد تسونامي الفساد غير المسبوق الذي ينهش جسد الوطن والمواطن… السيسي نفسه أعلنها امام مجموعة من رعاع القضاه عندما قال انه ممكن يخرب البلد بشريط ترامادول وباكيه مخدرات.. الشعب يعلم تماما المخطط المرسوم لاسقاط الوطن".
وفي ذات الاتجاه، أشار زكي محمود (@KadiKadari31171) إلى نفس المخاوف والتهديدات المبطنة من السلطة قائلاً: "لو هتعمل ثورة يبقى العرجاني ونخنوخ وعصابات محمود السيسي هيخرجوا من جحورهم وبشريط ترامادول يهدوا البلد، وقد أعذر من انذر. وطبعا ماحدش يقول جيش وشرطه عشان دول مشغولين بالصلصة والبسكوت واعتقال اي حد يرفع علم فلسطين".
هذه الأصوات تتقاطع مع طروحات إعلامية وسياسية أخرى يتقدمها هيثم أبو خليل (@haythamabokhal1) وأحمد ممدوح (@Ahmed_Mamdouh85) اللذان أكدا أن تحذيرات إعلام النظام من التظاهر ليست سوى تهديد مبطن وابتزاز رخيص للشعب، مشددين على أن الخروج والتظاهر ضد الظلم والفساد ليس تخريباً، وإنما هو محاولة حقيقية للتصحيح والتغيير وإنقاذ البلاد من الانهيار الشامل الذي قادها إليه رأس الانقلاب، لتظل صرخة الشارع مدوية وواضحة لا تقبل التراجع: "ارحل يا سيسي.. الشعب يريد إسقاط النظام والفساد".
كما تهاوت دعاية المشروعات الكبرى عند أول اختبار حقيقي؛ فكل المهرجانات الاستعراضية المرتبطة بافتتاح "الأكتاجون" وغيره سقطت في تقييم الرأي العام، حيث يُدرك الجميع أن فلسفة الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة وبناء مراكز القيادة الحصينة كانت للخروج من القاهرة تفادياً لثورة يناير جديدة، ولأن السيسي يدرك أن مؤشرات الانفجار تحيط به، وأنه أنفق مئات المليارات لحماية سلطته الشخصية ضد أي حراك شعبي، بينما ترك الأمن القومي للبلاد عرضة للتحديات الكبرى كأزمة سد النهضة الإثيوبي.
استعراض الوهم
في الوقت الذي يستمر فيه المنقلب وحكومته في استعراض المشروعات الوهمية وبناء الحصون والقصور والعواصم الإدارية لحماية السلطة على حساب الأمن القومي الحقيقي، تتكشف الحقائق الصادمة بالأرقام الرسمية والدولية. فقد كشف تقرير منصة "صحيح مصر" (@SaheehMasr) زيف تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن تحقيق نهضة مزعومة في التنمية البشرية والصحة والتعليم والبطالة.
وأظهرت قراءة موازنة 2026/2027 تراجع نسبة الدعم داخل الموازنة العامة من 26.8% في عام 2016/2017 إلى 16.3%، فضلاً عن تحايل الحكومة الممنهج على النسب الدستورية المقررة للإنفاق على الصحة (البالغة فعلياً 1.5% مقابل 3% دستورياً) والتعليم (1.72% مقابل النسبة المقررة) عبر إدراج فوائد الديون لتستيف الأرقام زوراً وخداع الرأي العام.
وتؤكد بيانات البنك الدولي واليونيسف أن 56% من أطفال المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة وفهم نص بسيط، وأن 55% من التلاميذ لا يحققون الحد الأدنى العالمي لمهارات القراءة، مما يترجم احتلال مصر المرتبة 105 عالمياً في مؤشر التنمية البشرية وغياب أي قفزة حقيقية.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والبنك الدولي إلى أن نحو 33.5% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، بفعل سياسات تحرير سعر الصرف والتضخم المدمر الذي قاده صندوق النقد الدولي، وسط محاولات أمنية لإخفاء النشرات الرسمية للفقر وتجميل الصورة القاتمة.
وتفند الأرقام ادعاءات تراجع البطالة، موضحة أن عدد المتعطلين ارتفع إلى 2.136 مليون متعطل في 2025، في ظل عجز الاقتصاد عن استيعاب مئات آلاف الخريجين سنوياً وفجوة واسعة بين الداخلين لسوق العمل والوظائف المتاحة.
https://x.com/Hazemmontasser/status/2085715979179336170