يتساءل مراقبون عن الجدوى الاقتصادية لضخ أموال طائلة، 5.3 مليار دولار، تعتمد على الاقتراض الخارجي والديون من الصين ودول العالم لإنشاء صروح طبية جديدة، في وقت تعاني فيه المستشفيات الحكومية القائمة في المحافظات والقرى والمراكز من نقص حاد في المستلزمات الأساسية، وتراجع كفاءة البنية التحتية، وهجرة الكوادر الطبية بسبب ضعف الأجور وظروف العمل المأساوية.
ويبدو أن إعطاء الأولوية للتوسع الأفقي وبناء مدن طبية جديدة تمول بالديون، بدلاً من التركيز على التطوير الرأسي وإصلاح ورفع كفاءة المنظومة الصحية الحالية التي تخدم الغالبية الساحقة من المواطنين، يفتح الباب أمام نقاش واسع حول أولويات الإنفاق العام، وعدالة توزيع الموارد الصحية، والعبء المستقبلي الذي تفرضه هذه القروض على الموازنة العامة للدولة.
وتعتزم حكومة السيسي في طور تنفيذ خطة لإنشاء مدن طبية متكاملة بالتعاون مع تحالفات عالمية من القطاع الخاص ومؤسسات دولية، بإجمالي استثمارات أجنبية مباشرة ومحلية ضخمة تتجاوز 5 مليارات دولار، وسط نقاشات حكومية ومجتمعية واسعة حول أولويات التنمية الصحية في البلاد. فالضخ الإعلامي الذي يُرافق هذه المشروعات بوصفها نقلة نوعية في مستوى الرعاية الصحية، إلا أن هذا التوجه يثير تساؤلات نقدية واقتصادية بالغة الأهمية.
وتُمثل آراء المراقبين نموذجاً حياً لاتجاهات الرأي العام والشارع المصري (من أطباء وكتاب ومواطنين) تجاه مشروعات المدن الطبية الجديدة، حيث اختلفت الرؤى بين المطالبة بإصلاح الهيكل الصحي الحالي وبين التشكيك في جدول الأولوية الاقتصادية والاجتماعية.
وعبرت منى مينا (وكيلة نقابة الأطباء السابقة) عن رفضها لتوجيه هذه المليارات نحو إنشاء مدن طبية جديدة بهذا التوقيت، متسائلة باستنكار: "أليس من الأولى توجيه هذه المليارات لتوفير الإمكانيات بالمستشفيات الحالية وتحسين أحوال الكوادر الطبية الذين يطفشون من مصر لسوء أحوالهم؟".
وتُمثل "مينا" صوت القيادات النقابية والمهنية التي ترى أن الأزمة الحقيقية تكمن في انهيار المنظومة القائمة وتسرب العنصر البشري لا في نقص الإنشاءات المبنية.
وانتقد الكاتب أحمد رءوف إبراهيم عبر فيسبوك بشدة فكرة التوسع في مشروعات عملاقة بالقروض والاستثمارات في وقت يعاني فيه المواطن العادي من نقص الدواء والعلاج في المستشفيات الحكومية، معلقاً بحدة: "مليار دولار قرض علشان مدينة طبية في مدينة الأشباح والناس مش لاقية دوا ولا علاج.. هو الجنان وصل لأخره؟ انعدم الفكر وساد التخلف وبقي العناد والسبوبة!".
وعبر عن الغضب الشعبي المباشر تجاه أولويات الإنفاق الحكومي في ظل الأعباء المعيشية والضغط الاقتصادي على المواطنين.
وسلط الطبيب (محمد عاطف – Mohamed Atef) الضوء على المأساة الحقيقية للطبيب المصري عبر مقارنة رمزية بين شخصية "عاطف" من مسلسل بالطو (التي تعكس واقع الإهانة، وضعف الإمكانيات، ووحدة صحية بلا قطن ومرتب زهيد) وبين الطبيب المصري المهاجر "عبد الرحمن السيد" الذي أصبح مديراً لصحة ديترويت ومرشحاً سياسياً بارزاً في أمريكا.
ووثّق لما وصفه بـ "جريمة السيستم" الذي يدفع الكفاءات للهجرة، مؤكداً أن الأزمة ليست في كفاءة الطبيب المصري بل في بيئة العمل الطاردة بمصر مقابل الأنظمة الداعمة بالخارج.
وأمام عاطف؛ نموذجين لأطباء "عاطف" (شخصية من مسلسل بالطو): يرمز لدكتور الداخل الذي يُجسد "كابوس" الواقع الصحي في مصر؛ حيث يعاني من وحدة صحية خالية من المستلزمات (مثل القطن)، مرتب زهيد يبلغ 3500 جنيه، نبطشية شاقة لمدة 36 ساعة على الأرض، مدير يتخلى عنه بجملة "اتصرف"، وضغط جماهيري تصويري أثناء العمل. يعتبر عاطف أن مسلسل "بالطو" لم يكن كوميدياً بل كان "يوثق جريمة" وواقعاً حقيقياً.
والنموذج الثاني "عبد الرحمن السيد" (الطبيب المصري في أمريكا): يرمز لنجاح الطبيب المصري خارج البلاد عندما يجد بيئة داعمة؛ فقد أصبح مديراً لصحة مدينة ديترويت في سن الثلاثين، مؤلفاً، يظهر على شبكة CNN، وترشح لحاكم ولاية ميشيجان عام 2018، وأصبح مرشحاً ديمقراطياً لمجلس الشيوخ لعام 2026، مع إمكانية أن يصبح أول مسلم مصري رئيسًا لأمريكا.
جذور الأزمة
ويؤكد عاطف أن "الفرق ليس في الدكتور نفسه، بل في السيستم (النظام)": سيستم في مصر يجبر الطبيب على لبس البالطو والتعرض للإهانة وضيق الحال، وسيستم في أمريكا يتيح له لبس البدلة وصنع القرار وقيادة ولاية.
واستعرض عبر فيسبوك الأرقام الرسمية الصادمة ومنها أن:
350,000 طبيب مقيد على الورق، بينما المتبقي الفعلي داخل مصر 95,000 طبيب فقط.
62% من أطباء مصر غادروا البلاد.
4,261 طبيب استقالوا خلال عام 2022 بمعدل 13 طبيباً كل يوم.
7,000 طبيب هاجروا في سنة واحدة فقط.
وتساءل محمد عاطف: "هتختار تبقى عاطف ولا عبد الرحمن؟" في إشارة لمدى قسوة البيئة المحلية مقارنة بالفرص الخارجية المتاحة لمن يمتلكون نفس العقلية والكفاءة.هتختار تبقى عاطف ولا عبد الرحمن؟
الكاتب بصحيفة "الوفد" هشام الهلوتي طرح تساؤلات موضوعية واستقصائية حول جدوى وأولوية مشروع المدينة الطبية على طريق العين السخنة (التابع للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية بتكلفة تقديرية نحو 70 مليار جنيه)، متسائلاً عن مدى ملاءمة موقع يبعد نحو 60 كيلومتراً عن القاهرة لحالات الطوارئ الحرجة كالجلطات والأزمات القلبية، فضلاً عن قدرة المواطنين على تحمل تكاليف الانتقال.
وتمثيلًا للصحافة التحليلية التي تضع المشاريع تحت المجهر الهندسي والطبي واللوجستي، متسائلة عن مدى خدمتها للمواطن البسيط أو اتجاهها نحو أهداف استثمارية أخرى.
الأرقام والإحصائيات
وإجمالي الاستثمارات العامة/الأجنبية في مشروع المدن الطبية في العاصم والعلمين: تترواح بين 5 إلى 5.3 مليار دولار (ما يعادل تقريباً 25 إلى 70 مليار جنيه بحسب تقديرات الطرح المختلفة وتطورات الأسعار).
المدينة الطبية بالعاصمة الإدارية الجديدة:
الاستثمارات: نحو 2.8 مليار دولار.
السعة السريرية المتوقعة والمنشآت: حوالي 1,650 سرير (تضم مستشفى عامًا جامعيًا، أورام، قلب، أطفال، نساء وتوليد، تأهيل، مركز أبحاث، كلية طب وتمريض).
الأهداف: استقطاب أكثر من 3 ملايين سائح علاجي خلال أول 3 سنوات من التشغيل.
المدينة الطبية بمدينة العلمين الجديدة:
الاستثمارات: نحو 2.5 مليار دولار.
السعة السريرية المتوقعة: حوالي 1,400 سرير (تضم مستشفى دوليًا للسياحة العلاجية، تأهيل وطب رياضي، شيخوخة، مركز تجميل، علاج إدمان، وفنادق طبية).
مشروع طريق العين السخنة (التابع للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية):
المساحة: 221 فداناً.
السعة: 18 معهدًا ومستشفى بسعة تتجاوز 4,000 سرير.
السعة والتشغيل
إجمالي الأسرة: من 3,000 إلى 3,200 سرير (بالإضافة إلى مشروع العين السخنة بـ 4,000 سرير).
غرف العمليات: أكثر من 150 غرفة.
العيادات الخارجية: من 500 إلى 700 عيادة.
مراكز التميز (Center of Excellence): من 20 إلى 30 مركزاً.
العمالة المباشرة: من 30,000 إلى 35,000 موظف (متضمنة 6,000 إلى 8,000 طبيب، 12,000 إلى 15,000 ممرض وفني، و10,000 موظف إداري).
العمالة غير المباشرة: من 50,000 إلى 70,000 فرصة عمل.
الإيرادات السنوية المتوقعة: تتراوح بين 2.5 إلى 4 مليارات دولار (بمعدل إشغال 75% إلى 80%).
ومن بين الممولين ؛ البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD): شريك تمويلي وتنموي محتمل، والهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية: الجهة التابع لها مشروع المدينة الطبية على طريق العين السخنة.
وتباينت الآراء بشدة بين مؤيدين يرون أن هذه الصروح تضع مصر على خريطة السياحة العلاجية العالمية وتدعم الاقتصاد، وبين منتقدين يرون أن الأولوية المطلقة لتطوير المستشفيات القائمة.
وتحذيرات مستمرة من نقص الأعداد الفعلية للأطباء والتمريض وأزمات كليات الطب، مقابل طموحات تشغيل صروح طبية ضخمة. وتساؤلات مستمرة حول مدى استفادة المواطن البسيط المشمول بالتأمين الصحي الشامل مقابل الطابع الاستثماري الموجه للأغنياء والسياح العرب والأجانب.