إنصاف متأخر لضحايا «السلام 98».. القضاء الإيطالي رد الاعتبار بعد خذلان المحاكم المصرية

- ‎فيتقارير

قضت محكمة جنوة الإيطالية بإلزام شركة التصنيف والاعتماد الإيطالية "رينا" (RINA) بدفع تعويضات مالية تقدر بـ 60 مليون يورو لصالح ضحايا العبارة المصرية "السلام 98". وجاء هذا الحكم التاريخي ليحمل الشركتين الإيطاليتين المسئولية الكاملة عن الإهمال والقصور في منح شهادات السلامة البحرية لعبارة متهالكة، وذلك بعد انضمام نحو 700 من أسر الضحايا والناجين إلى هذه الدعوى الدولية التي استمرت لسنوات طويلة.

يمثل هذا الحكم تحولاً جذرياً في مسار القضية، إذ جاء لينتزع العدالة للضحايا من المحاكم الدولية بعد أن عجز القضاء المصري عن إنصافهم طوال عقدين من الزمن، وأغلق ملف الكارثة محلياً دون محاسبة حقيقية للمتورطين.

 

كيف خذل القضاء المصري أهالي الضحايا؟

في الوقت الذي كانت فيه عائلات الضحايا تنتظر قصاصاً عادلاً، سلكت القضية في المحاكم المصرية مساراً صادماً أثار إحباطاً حقوقياً واسعاً، واعتُبر تكريساً لسياسة الإفلات من العقاب:

براءة أولية وتكييف القضية كـ "جنحة"

وفي مفاجأة مدوية، حصل مالك السفينة البرلماني ورجل الأعمال المقرب من السلطة "ممدوح إسماعيل" على حكم بالبراءة في محكمة أول درجة. والأغرب من ذلك أن القضية كُيفت قانونياً ووُصفت كـ"جنحة" إهمال، على الرغم من ثبوت علمه المسبق بعيوب السفينة، وثبوت تواصل القبطان معه هاتفياً فور اندلاع الحريق ورفض ممدوح إسماعيل عودة العبارة إلى الميناء وأمره لها بمواصلة الإبحار.

فرض التسويات وشراء الصمت

واستغلت إدارة الشركة نفوذها لفرض تسوية مالية مجحفة قدرها 300 ألف جنيه مصري فقط لكل أسرة ضحية مقابل التنازل القانوني الكامل عن الحقوق المدنية والجنائية. وتحت وطأة الحاجة والضغوط النفسية والمعيشية، وافقت غالبية الأسر على التنازل.
 

تهريب المتهمين وسقوط الدعوى

بالتزامن مع المحاكمات، تمكن ممدوح إسماعيل وأبناؤه من مغادرة البلاد والهروب إلى العاصمة البريطانية لندن. ورغم صدور حكم لاحق غيابي بحبسه 7 سنوات، إلا أن محكمة جنح مستأنف الغردقة أسدلت الستار محلياً على القضية عام 2014 بصدور حكم يقضي بانقضاء الدعوى المدنية تماماً، مما أدى إلى ضياع حقوق الضحايا وإغلاق باب التقاضي داخل مصر بشكل نهائي.

 

الدكتور محمد عبد الحليم "أيوب العصر"

وسط هذا الخذلان القانوني المحلي، برزت قصة الطبيب المصري الدكتور محمد عبد الحليم (مواليد 1952)، كأيقونة للصمود الحقوقي في هذه القضية. فقد الطبيب في ليلة واحدة زوجته وأبناءه الأربعة (فاطمة، آلاء، نورهان، وعبد الرحمن)، ولم يتمكن حتى من العثور على جثامينهم أو أشلائهم.

ورفض الدكتور محمد كل العروض المالية والتسويات التي طرحتها الشركة للتنازل، وقال للمحامين بصلابة: "رجعولي ولادي وأنا أديكوا كل اللي حيلتي".

وعلى مدار 13 عاماً متواصلة (من 2007 وحتى 2020)، كان الطبيب يسافر مئات الكيلومترات لحضور جلسات المحاكم في الغردقة رفضاً لغلق الملف. ولم يقطع عادته في الذهاب إلى البحر ليرمي خمس وردات حمراء؛ وردة لزوجته وأربعة لأبنائه، حتى بعد إصابته بجلطة دماغية مقعدة عام 2017.

 

القضاء الإيطالي يصحح المسار

أمام انسداد أفق العدالة في مصر، تحرك المحامون والحقوقيون لملاحقة الأطراف الدولية المتواطئة التي منحت العبارة المتهالكة "شهادات صلاحية بحرية" غير حقيقية. ورُفعت القضية في إيطاليا عام 2007 ضد شركة "رينا" الإيطالية المسئولة عن تصنيف السفينة.

حاولت الشركة الإيطالية مراراً التملص من المسئولية عبر الدفع بالحصانة السيادية، والادعاء بعدم اختصاص المحاكم الإيطالية بنظر قضية وقعت لركاب مصريين وفي مياه إقليمية خارجية. إلا أن القضاء الإيطالي انتصر للإنسانية وأقر باختصاصه وبحق الأهالي في ملاحقة الشركات المتورطة على أراضيه.

رحل الدكتور محمد عبد الحليم عن عالمنا عام 2021 قبل أن يكحل عينيه برؤية هذا اليوم. ولكن بعد سنوات من رحيله، جاء حكم محكمة جنوة التاريخي بمثابة إدانة صارخة ليس فقط للشركة الإيطالية، بل لكل من ساهم في طمس الحقيقة محلياً وتخاذل عسكرياً وسياسياً وقضائياً عن إنقاذ وإعطاء الحقوق لأهالي الغرقى.

 

ليلة تحول فيها البحر الأحمر إلى مقبرة جماعية

عشرات الأعوام مرت على غرق العبّارة "السلام 98" في فبراير 2006، التي اختفت على بعد أميال من مدينة الغردقة، حاملة 1415 راكباً و98 من طاقم السفينة، وهي في طريق عودتها إلى مصر قادمة من المملكة العربية السعودية. ونشب حريق في غرفة محرك السفينة وانتشرت النيران بسرعة فائقة، وباءت محاولات طاقم السفينة في إخماد النيران بالفشل.

واندلع الحريق أولاً في جراج السيارات السفلي، فقام الطاقم بضخ مياه الإطفاء بكثافة. وبسبب عيب تصنيعي في السفينة، لم تكن المياه تصرف إلى البحر، بل تجمعت على السطح. وزاد الأمر تعقيداً أن كتالوج تشغيل المضخات كان مكتوباً باللغة الإيطالية ولم يفهمه أحد. أدى ثقل المياه المتجمعة إلى جنوح العبارة يميناً ثم انقلابها وغرقها بالكامل.

وراح ضحية الحادث 1032 راكباً، بالإضافة لعشرات المفقودين، فيما نجا نحو 388 راكباً فقط. ودُفن المئات من مجهولي الهوية في مقابر الصدقة بالغردقة.

 

حماد "الثورة التائهة": كواليس تقاعس الجيش عن الإنقاذ

ورغم مرور كل هذه الأعوام، يظل السؤال الحقوقي والسياسي الأبرز معلقاً في الأذهان دون إجابة رسمية شافية: لماذا تقاعس الجيش المصري ورفض التدخل الفوري لإنقاذ مئات المصريين الغرقى في مياه البحر الأحمر؟

وفي كتابه "الثورة التائهة"، يروي عبد العظيم حماد (رئيس تحرير جريدة الأهرام الحكومية الأسبق) شهادة خطيرة وتاريخية نقلها عن النائب حمدي الطحان (رئيس لجنة النقل والمواصلات في البرلمان وعضو الحزب الحاكم وقتها). تكشف الشهادة كواليس لقاءات لجنة تقصي الحقائق البرلمانية بمسئولي القوات المسلحة خلال إعدادها للتقرير الذي كان الرأي العام ينتظره بشغف.

جرى اللقاء الأول والسرّي يوم 16 فبراير 2006، وضم من الجانب البرلماني كلاً من: حمدي الطحان، ومحمد أبو العينين، والنائب أمين راضي كممثلين للجنة تقصي الحقائق. أما ممثلو القوات المسلحة الذين حضروا اللقاء واستجوبتهم اللجنة حول التقاعس عن الإنقاذ، فقد كانوا على  الترتيب:

اللواء مصطفى السيد: رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة وقتها (ومحافظ أسوان بعد الثورة).

اللواء مختار السعيد: رئيس مركز البحث والإنقاذ بالقوات المسلحة آنذاك.

اللواء ممدوح شاهين: رئيس فرع المؤسسات الدستورية والسياسية بالأمانة العامة لوزارة الدفاع وقتها.

شخص مجهول الهوية: كان يرتدي الملابس المدنية داخل الاجتماع دون تحديد طبيعة دوره.

وتتقاطع هذه الشهادة البرلمانية الموثقة مع الروايات الحقوقية التي أكدت أن عمليات الإنقاذ تأخرت بشكل غير مبرر حتى ظهر اليوم التالي للكارثة، رغم أن بارجة أمريكية كانت متواجدة على مقربة من موقع الغرق وعرضت تقديم المساعدة الفورية، إلا أن القوات البحرية المصرية رفضت التدخل الخارجي وتركت المواطنين لمواجهة الموت لعدة ساعات؛ وتزامن ذلك مع انشغال رأس النظام المصري الأسبق حسني مبارك وعائلته بالاحتفال في الاستاد بفوز المنتخب بكأس أمم أفريقيا، متجاهلين نداءات الاستغاثة المنطلقة من عرض البحر.

 

شهادات حية من قاع الموت

ووثقت سجلات الصندوق الأسود بعد انتشالها تفاصيل مروعة عما جرى داخل السفينة وخارجها خلال ساعات الغرق.

فقد أظهرت تسجيلات السفينة أن طاقم العبارة منع الركاب من ارتداء سترات النجاة (اللايف جاكيت) حتى لا يبثوا "الذعر" بين الناس. وفي الوقت نفسه، فرَّ قبطان العبارة بنفسه مستقلاً قارب إنقاذ وترك الركاب يواجهون الموت وسط صرخات الشهادتين. وعلى بُعد أميال، التقط قبطان عبارة أخرى تُدعى "سانت كاترين" نداءات الاستغاثة، لكنه تخاذل وكسل عن التوجه لإنقاذهم، مما ضاعف أعداد الضحايا.

يروي الناجون ساعات الرعب الطويلة في مياه البحر الأحمر الباردة؛ حيث ظلوا يصارعون الموت لأكثر من 14 ساعة كاملة قبل وصول أي إمدادات إنقاذ، مما أدى إلى تجمد ووفاة المئات وهم متشبثون بقطع الخشب البالية.

https://x.com/aserasorat/status/2111001030078984442

https://x.com/tahoun71/status/1711394507525148697