القاهرة أمام حسابات معقدة بين الدفاع عن السعودية ومخاطر استهداف قناة السويس ومنشآت الطاقة، وتحذيرات من تكرار تجربة الاستنزاف في اليمن
ركز تحليل لموقع (ميدل إيست آي) البريطاني على التداعيات المحتملة لأي مشاركة مصرية مباشرة في الحرب، في ضوء تعهد عبد الفتاح السيسي بالدفاع عن السعودية إذا طُلب منه ذلك، والالتزام الذي أعلنه مجلس الدفاع الوطني المصري بتقديم الدعم الضروري والممكن للمملكة.
قناة السويس وسوميد ومنشآت الطاقة في دائرة المخاطر
يضع التحليل المنشآت المرتبطة بالملاحة والطاقة في مقدمة المصالح المصرية التي قد تتعرض للمخاطر إذا دخلت القاهرة في مواجهة مباشرة مع الحوثيين.
ويورد المقال أن السفن المقتربة من قناة السويس، وخط أنابيب سوميد، ومحطات الطاقة ومرافق تخزين الوقود، تمثل أصولاً ينبغي لمصر أن تأخذ احتمال تعرضها للخطر في الحسبان.
ويقول الكاتب: "إن التداعيات قد تتجاوز القوات التي تنشرها القاهرة بمراحل، لتهدد البنية التحتية التي تجني مصر من خلالها العملة الصعبة وتوفر الموارد الحيوية لاقتصادها."
ولا يشترط هذا السيناريو، وفق المقال، استهداف قناة السويس نفسها؛ إذ قد تؤدي التهديدات في جنوب البحر الأحمر إلى ردع حركة الملاحة ورفع تكاليف الشحن والتأمين، ودفع السفن إلى اتخاذ مسارات أطول.
ويشرح التحليل أن الملاحة قد تظل ممكنة من الناحية الفنية، بينما تنتقل حركة السفن التي تمنح القناة قيمتها الاقتصادية إلى طرق بديلة، بما ينعكس على عائداتها.
ويطرح الكاتب سيناريو أكثر خطورة يتمثل في شن هجمات مباشرة على السفن أو البنية التحتية المرتبطة بالقناة، بما قد يؤدي إلى تعليق الملاحة بالكامل.
لكنه يشدد على ضرورة التعامل مع ذلك باعتباره خطراً ينبغي تقييمه، وليس خطة حوثية مؤكدة أو عملية يُتوقع نجاحها حتماً.
هجوم دمياط يثير مخاوف بشأن أمن الملاحة والطاقة
يستشهد المقال بهجوم بطائرات مسيرة ألحق أضراراً بناقلتين في دمياط خلال يوليو/تموز، باعتباره مؤشراً على الاضطرابات التي قد تواجهها مصر في حال اتساع التهديدات البحرية.
ويؤكد الكاتب أن المسؤولية عن الهجوم لا تزال غير واضحة، ولذلك لا يمكن الجزم بأنه كان رسالة من الحوثيين.
ومع ذلك، يرى أن الحادث يوضح كيف يمكن للهجمات في المياه المصرية أن تهدد الشحن البحري وصادرات الطاقة والثقة في البنية التحتية البحرية.
ويحذر من أن التورط المصري المباشر قد يوسع نطاق المخاطر ليشمل خط سوميد والمنشآت المرتبطة بالطاقة، بما فيها المحطات ومرافق تخزين الوقود.
تجربة السعودية وحدود الحماية الأمريكية
يتناول التحليل تجربة السعودية مع الهجمات التي طالت المطارات والبنية التحتية للطاقة، معتبراً أنها تكشف عن حدود ما يمكن أن توفره الأسلحة المتطورة والعلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة من حماية.
ويشير إلى أن واشنطن قدمت للرياض دعماً استخبارياً ومساعدة في تحديد الأهداف، لكنها لم تستجب لمطالب سعودية بشن ضربات أمريكية.
ويربط الكاتب هذه التجربة بالتساؤلات المحيطة بالتزام مصر الأخير بأمن السعودية، معتبراً أن المخاطر المحتملة تستحق اهتماماً أكبر من لغة التضامن السياسي.
ويقول إن تصريحات السيسي بشأن مغادرة منصبه عام 2030 وتدريب قادة المستقبل عبر الأكاديمية العسكرية حجبت، في تقديره، احتمالاً أكثر إلحاحاً يتمثل في توظيف القوة العسكرية المصرية للدفاع عن السعودية.
ويضيف أن غموض المهمة المحتملة يكتسب أهمية خاصة في ظل محدودية النقاش العام، مشيراً إلى أن المصريين يُطلب منهم التفكير في التزام عسكري خارجي جديد قبل معرفة أهدافه وحدوده وتكاليفه.
وحذّر تحليل ميدل إيست آي، من مخاطر انخراط مصر المباشر في القتال ضد الحوثيين في اليمن، معتبراً أن القاهرة قد تجد نفسها أمام التزام عسكري تتجاوز تداعياته القوات التي يمكن أن تشارك في العمليات، لتطال البنية التحتية الحيوية ومصادر النقد الأجنبي وأمن الطاقة.
وجاء في عنوان المقال: حرب اليمن: لماذا يمثل تعهد مصر بالدفاع عن السعودية مغامرة محفوفة بالمخاطر؟، فيما لخّص الكاتب شادي إبراهيم فكرته الرئيسية بالقول: إن "واشنطن تحد من انكشافها المباشر، بينما تخاطر القاهرة بالالتزام بقوتها العسكرية دون تحديد أهدافها أو استراتيجية خروج"..
التفويض البرلماني لا يعني بدء العمليات العسكرية
يتوقف المقال عند التطورات المؤسسية في مصر، موضحاً أن السيسي طلب في 17 أكتوبر تفويضاً برلمانياً للتحرك دفاعاً عن السعودية إذا طُلب منه ذلك، فيما تعهد مجلس الدفاع الوطني لاحقاً بتقديم الدعم الضروري والممكن.
ويشدد الكاتب على أن أياً من البيانين لا يثبت دخول قوات مصرية إلى اليمن، وأن المسافة بين الدفاع عن الأراضي السعودية والمشاركة في الحرب داخل اليمن تستوجب التدقيق.
ويشير إلى أن المادة 152 من الدستور المصري تنظم إجراءات إعلان الحرب وإرسال القوات في مهام قتالية خارج الحدود، وتشترط استشارة مجلس الدفاع الوطني والحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، وفق الأحكام الدستورية ذات الصلة.
كما يوضح أن بيان المجلس الصادر عقب اجتماعه في 18 أكتوبر لم يحدد مهمة قتالية بعينها أو جدولاً زمنياً لانتشار القوات، ولذلك لا يمثل وحده قراراً عملياتياً أو دليلاً على استكمال الإجراءات الدستورية.
ويشير المقال إلى أن المجلس، الذي يضم مسؤولين مدنيين وقادة عسكريين ومسؤولي أجهزة استخبارية، يمثل جهة محورية في تقييم تبعات التدخل، لكن سرية مداولاته تحول دون معرفة السيناريوهات التي جرى بحثها والمخاطر التي اعتُبرت مقبولة.
تأجيل التصويت يطيل النقاش بشأن طبيعة الالتزام
يتناول الكاتب تأجيل البرلمان المصري التصويت على الدعم العسكري للسعودية إلى 26 أكتوبر، معتبراً أن هذه الخطوة تطيل النقاش بشأن دور مصر في الصراع اليمني.
ويرى أن التحفظات البرلمانية قد تعكس اختلافاً في تقدير تكاليف المهمة، لكنها لا تثبت، بمفردها، وجود انقسام داخل مجلس الدفاع الوطني أو القيادة العسكرية.
كما يشير إلى أن الخلافات التي ظهرت بين سياسيين وأصوات إعلامية محسوبة على النظام بشأن كيفية الدفاع عن السعودية تثير تساؤلات حول مدى اتساع التوافق داخل المؤسسات المسؤولة عن الالتزام المحتمل.
ويحذر من التعامل مع الإعلانات العلنية للتضامن باعتبارها دليلاً كافياً على وجود توافق مستقر بشأن نطاق التدخل وتكاليفه.
هل تتحمل الجيوش الإقليمية كلفة المواجهة؟
ينتقل المقال إلى البعد الإقليمي، مستعيداً طرحاً سابقاً للكاتب مفاده أن واشنطن وتل أبيب قد تحتفظان بنفوذهما في الصراع، بينما تتحمل الأطراف الإقليمية تكاليف المواجهة.
ويشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح علناً فكرة مطالبة تركيا بالتدخل، وأن واشنطن عرضت على الرياض المساعدة في الاستخبارات وتحديد الأهداف، مع رفضها تنفيذ الضربات التي طلبتها السعودية.
وفي هذا السياق، يطرح الكاتب تساؤلاً بشأن سبب تحمل الجنود والمنشآت المصرية مخاطر قد تختار أطراف أكثر قوة الحد من تعرضها لها.
ويقر المقال بأن السعودية لديها مخاوف أمنية، وأن مصر تمتلك مصالح في حماية الملاحة بالبحر الأحمر، لكنه يرى أن أياً من الاعتبارين لا يجعل شن حملة مصرية داخل اليمن أمراً حتمياً.
ويحذر من أن التدخل قد يخدم مصالح أمريكية وإسرائيلية مرتبطة بإضعاف الحوثيين، بينما ينقل جانباً كبيراً من الاستنزاف الناتج عنه إلى الجيوش الإقليمية.
كما يشير إلى أن مصر بقيت خارج اتفاق الدفاع الذي يربط السعودية وتركيا وباكستان، محذراً من أن القاهرة قد تتحمل أعباء مماثلة عبر التزام منفصل، في الوقت الذي تحتفظ فيه أطراف أخرى بأدوار مساندة.
من القوات الجوية والبحرية إلى احتمال توسيع المهمة
يطرح الكاتب تصوراً افتراضياً لمسار المشاركة المصرية إذا قررت القاهرة الدخول في قتال مباشر، مرجحاً أن تكون القوات الجوية والبحرية الأدوات الأولية، مع احتمال اللجوء إلى تشكيلات برية أو قوات خاصة في حال التصعيد.
ويشير إلى أن الطائرات يمكن أن تدعم عمليات الاعتراض والمراقبة، وأن تنفذ ضربات إذا صدر التفويض اللازم، بينما يمكن للسفن الحربية حماية مسارات محددة ومرافقة حركة الشحن.
لكن المقال يحذر من أن استمرار الهجمات قد يدفع القادة الميدانيين إلى طلب صلاحيات أوسع لاستهداف المواقع، أو الحصول على دعم استخباري أوثق، أو نشر عناصر على الأرض.
وفي هذه الحالة، قد تطرح القوات البرية والقوات الخاصة بوصفها وسائل لمعالجة أوجه القصور في مهمة كان يُفترض أن تبقى محدودة.
ويؤكد الكاتب أن هذا المسار يظل احتمالاً مشروطاً بقرارات سياسية لم تُكشف تفاصيلها، وليس إعلاناً عن خطة مصرية معتمدة.
ذاكرة حرب اليمن وأسئلة الأولويات المصرية
يستحضر التحليل التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، عندما توسع الانتشار المحدود إلى التزام طويل الأمد ترافق مع ارتفاع التكاليف وصعوبة الخروج من الحرب.
ويقول الكاتب إن الظروف الحالية تختلف عن تلك المرحلة، لكن الدرس الذي يراه قائماً هو أن التفوق العسكري لا يعوض غياب هدف سياسي محدد.
كما يحذر من أن استنزاف القدرات المصرية في اليمن قد يثير تساؤلات داخل المؤسسة الدفاعية بشأن الأولويات الاستراتيجية، في وقت تتطلب فيه الحرب في السودان والتطورات في القرن الإفريقي اهتماماً ومتابعة.
ويتطرق المقال إلى ملفات أخرى تشمل سد النهضة الإثيوبي، والحرب في السودان، ومحور فيلادلفيا، واحتمال تهجير الفلسطينيين قسراً إلى سيناء، باعتبارها تحديات ترتبط بالمصالح المصرية المباشرة.
ويطرح الكاتب تساؤلاً بشأن دوافع التفكير في التزام واسع بأمن السعودية، بينما تظل هذه الملفات دون تسوية نهائية.
التداعيات قد تصل إلى الأسر المصرية
يختتم المقال بالتركيز على الأعباء الاقتصادية المحتملة لأي تدخل، محذراً من أن اضطراب الملاحة وتراجع إيرادات النقد الأجنبي وارتفاع فواتير الطاقة والواردات قد تزيد الضغوط التضخمية وتكاليف المعيشة.
ويشير إلى أن المصريين قد يتحملون التكاليف الاقتصادية حتى إذا لم تتطور العمليات إلى حرب برية طويلة الأمد.
ويخلص الكاتب إلى أن القرار العسكري، حتى لو بدأ بتحريك الطائرات والسفن الحربية خارج البلاد، لن تبقى نتائجه محصورة في الميدان، بل قد تمتد إلى الاقتصاد والأسر المصرية.
رابط المقال: Yemen war: Why Egypt's vow to defend Saudi Arabia is a risky gamble