القدرة الشرائية لأدنى أجور العمال -15% خلال سنة ..دراسة: قانون رقم 14 تسبب باعتقال 125 محتجاً

- ‎فيتقارير

جمهورية "الرزق المتآكل": عمال مصر تحت مقصلة التضخم والقوانين العرجاء

رصدت منصة العدالة الاجتماعية على التواصل الاجتماعي وفق التقارير الميدانية مع عام 2026 تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية للأجر الأدنى بنسبة تجاوزت 15% إضافية عن العام السابق، وهو ما وضع الملايين من الأسر العاملة تحت خط الكفاية رغم انتظامهم في العمل، لاسيما مع استمرار موجات التضخم التي جعلت من الزيادات الرسمية في الأجور مجرد أرقام ورقية لا تجد صدى في الأسواق.

وقالت من ورقة بحثية رصدية بعنوان: " بالتزامن مع عيد العمال: الأرقام لا تكذب، والعدالة لا تنتظر "، إنه في عام 2025 الذي سبقه، شهد تطبيق قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 الذي بدأ سريانه في سبتمبر من ذلك العام، مسجلاً حصيلة مقلقة من الانتهاكات المصاحبة للاحتجاجات المطالبة بتنفيذه؛ إذ تم اعتقال 125 محتجاً، من بينهم 93 عاملاً، مع تسجيل إيقاف 126 عاملاً عن العمل وإحالة 53 آخرين للتحقيق أمام جهات نيابية وأمنية، وهو ما يعكس أن عام 2025 كان نقطة التحول من المطالبة بالحقوق إلى الصراع من أجل البقاء في ظل بيئة قانونية جديدة لم توفر الحماية الكافية لمن يمارسون حقهم في الاعتراض السلمي.

انحسار مظلة الحماية الرسمية

وفي ورقتها ، أشارت المنصة إلى أنه بحلول الأول من مايو عام 2026، لم يعد الاحتفال بعيد العمال في مصر مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تحول إلى لحظة كاشفة لواقع اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، حيث تشير إحصاءات منصة العدالة الاجتماعية لهذا العام إلى أن الفجوة المعيشية قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة السياسات المالية المتبعة.

وأكدت أن العامل المصري في عام 2026 لم يعد هو ذلك الفرد الذي يرتدي "الأفرول" في المصانع الحكومية الكبرى فحسب، بل اتسع التعريف ليشمل جيوشاً من التكنولوجيين وسائقي المنصات الرقمية وعاملات المنازل والموظفين في المكاتب المكيفة الذين يشاركون جميعاً في همٍّ واحد وهو تآكل الدخل.

وحسب البيانات المستقرة التي ترصدها المنصة أكدت أن العمالة غير الرسمية لا تزال تشكل العمود الفقري لسوق العمل بنسبة تصل إلى 67% من إجمالي القوى العاملة، وهي نسبة مرشحة للزيادة في ظل انسحاب الدولة من التوظيف المباشر.

واعتبرت أن الكارثة الحقيقية في صفوف الشباب بين سن 15 و24 عاماً، حيث يعمل 91% منهم في القطاع غير الرسمي، مما يعني أن الجيل الجديد من العمالة المصرية ينخرط في سوق العمل بلا عقود قانونية، بلا تأمينات اجتماعية، وبلا أي ضمانات صحية، وهو ما يؤسس لطبقة عاملة هشة تعيش خارج التاريخ القانوني للدولة، وتواجه تقلبات السوق بصدور عارية تماماً من أي سند تشريعي يحمي مستقبلها أو يحفظ كرامتها عند العجز أو الشيخوخة.

تراجع جدوى القنوات الرسمية للتعبير

وعن انسداد أفق التعبير بتجريم الاعتصام والإضراب، أشارت إلى أنه عند تتبع مسار الحراك العمالي في السنوات الأخيرة، فأن عام 2023 سجل ذروة عددية بـ 874 احتجاجاً تحت شعار "محرومون من الشكوى"، بينما بدا عام 2024 هادئاً بشكل مضلل حيث سجل أقل عدد من الاحتجاجات منذ عام 2013، لكن هذا الهدوء لم يكن نتاج رضا وظيفي بل كان نتيجة لتضييق المساحات العامة.

ومع وصولنا إلى عام 2025 وما تلاه في 2026، كشفت التقارير عن تغيّر نوعي بالغ الخطورة، حيث تراجعت الأشكال الرمزية للاحتجاج مثل البيانات والمناشدات لصالح الاحتجاجات الموقعية المباشرة كالاعتصامات والإضرابات داخل مقار العمل، وهو مؤشر سوسيولوجي على فقدان العمال الثقة في قنوات الشكوى الرسمية والمجلس القومي للأجور.

وأشارت إلى تسبب ذلك في واقعة شركة النساجون الشرقيون التي فصلت 70 عاملاً لمجرد تواصلهم عبر مجموعات "فيسبوك"، مما يوضح أن حق التنظيم والتعبير بات محاصراً بالأدوات الأمنية والإدارية في آن واحد.

فلسفة "الجباية" من جيوب الشغيلة

وعن قضية الأجور الجرح النازف في جسد العدالة الاجتماعية في مصر، وثقت تقارير المنصة فقدان العمال لنحو 28.3% من قيمة أجورهم الحقيقية بين عامي 2013 و2018 نتيجة الارتباط بسياسات صندوق النقد الدولي، وهو النزيف الذي استمر حتى تراجع متوسط الأجر الأسبوعي الحقيقي من 1252 جنيهاً في عام 2019 إلى نحو 705 جنيهات في عام 2023.

وبالنظر إلى واقع عام 2026، نجد أن هذا التدهور قد تعمق، حيث أن الحد الأدنى للأجور الذي تم إقراره في 2025 لم يصمد طويلاً أمام قفزات التضخم التي تجاوزت في بعض الفترات 30%، مما جعل الزيادات التي حصل عليها العمال تتبخر قبل أن تصرف.

والمثير للدهشة هو التواطؤ التشريعي الذي خفض العلاوة الدورية من 7% إلى 3% في القانون الجديد استرضاءً لأصحاب العمل، بدعوى جذب الاستثمارات، وكأن استقطاب رأس المال لا يتم إلا على حساب لقمة عيش العامل، مما أدى إلى اتساع الفجوة ليس فقط بين الأسعار والأجور، بل وبين العاملين في القطاعين العام والخاص، وبين العمال والزميلات من العاملات اللواتي يعانين من تمييز مسكوت عنه في هيكل الرواتب.

قانون العمل الجديد

وبصدور القانون رقم 14 لسنة 2025 ليكون البديل المنتظر لقانون عام 2003، ورغم أنه احتوى على نصوص بدت للوهلة الأولى تقديمة، إلا أن ممارسات عام 2026 أثبتت أن النص القانوني يظل عاجزاً ما لم تتوفر إرادة سياسية وآليات تنفيذية صارمة.

وأوضحت أن قانون السيسي الجديد فتح الباب أمام الإفراط في ساعات العمل تحت مسميات مرنة، وانتقص من بعض المكتسبات المالية بذريعة خفض تكاليف الإنتاج، كما أن معظم الاحتجاجات التي رصدناها في 2025 و2026 كانت تطالب بمجرد "تطبيق القانون"، حيث أن بعض المنشآت لا تزال تمنح عمالها نصف الحد الأدنى المقرر قانوناً.

وفيما يخص حقوق المرأة العاملة، فإن التحسينات التشريعية التي طرأت على إجازات الوضع والحقوق الإنجابية ظلت حبراً على ورق في ظل غياب الرقابة الحقيقية، وما مأساة ابنة العاملة دعاء في شركة "نايل لينين جروب" إلا صرخة في وجه منظومة تدعي حماية المرأة بينما تتركها تواجه مخاطر العمل والفقر في ظروف تفتقر لأدنى معايير الإنسانية، وفق المنصة.

العمل "طريق للموت"

وفي نهاية عام 2025، أطلقت المنصة حملة "صوت العمال في بيئة الخطر" لتدق ناقوس الخطر حول ملف السلامة والصحة المهنية الذي بات يبتلع أرواح العمال في صمت مخيف، فمنذ مطلع 2025 وحتى منتصف 2026، توالت الحوادث الجسيمة من انفجار المصبغة في المحلة الكبرى الذي حصد أرواح 14 عاملاً، إلى حوادث غرق عاملات التراحيل وانفجار الغلايات.

وأشارت إلى أن هذه الحوادث ليست مجرد قضاء وقدر، بل هي نتيجة بنيوية لضعف الرقابة ونقص الكوادر التفتيشية وتداخل الاختصاصات الإدارية التي تسمح للمنشآت المخالفة بالاستمرار في العمل.

واعتبرت الغرامات التي نص عليها قانون العمل الجديد رغم زيادتها، إلا أنها لا تزال تمثل "تكلفة رخيصة" مقارنة بتكلفة تطوير أنظمة السلامة، مما يجعل أصحاب العمل يفضلون دفع الغرامة أو الرشوة على تأمين حياة العامل، بواقع يحول أماكن الإنتاج إلى ساحات للموت المجاني لعمال لا يملكون حتى حق التغطية التأمينية التي تضمن لأسرهم معاشاً يحميهم من ذل الحاجة بعد رحيل العائل.

"الإنسان" قبل "الماكينة"

وخلصت الورقة إلى أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق بمسكنات قانونية أو زيادات اسمية في الأجور، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد الاعتبار للعمل كقيمة إنسانية وليست مجرد ترس في آلة تراكم الأرباح.

وأبانت المطلوب بشكل عاجل هو ربط الأجور والمعاشات بمعدلات التضخم الحقيقية، وإدماج العمالة غير الرسمية في منظومة حماية تتجاوز مجرد التسجيل الورقي إلى التأمين الفعلي، ووقف الملاحقات الأمنية للعمال الذين يمارسون حقهم الدستوري في الاحتجاج.
 

https://www.facebook.com/photo/?fbid=936985262296854&set=a.158949400100448