دولة أمنية تعد على الشباب أنفاسهم، فلا يكاد أي شاب ينتهي من كتابة منشور ينتقد فيه بعض السياسات التي تؤثر على حياته حتى يجد قوة أمنية قامت باعتقاله والزج به في سجون العسكر، ونفس هذه الدولة الأمنية تقف عاجزة أمام ظاهرة انتشار الغش في امتحانات الثانوية العامة.
ولم يعد الغش في امتحانات الثانوية العامة مجرد محاولات فردية داخل اللجان، بل تحول إلى سوق إلكتروني مفتوح يُدار عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويستعد بقوة مع اقتراب موسم الامتحانات. فعلى صفحات فيسبوك، لا يحتاج الأمر إلى بحث عميق، بل مجرد بضع نقرات تكفي لرصد مجموعات تحمل أسماء مباشرة مثل “سماعة للثانوية العامة”، حيث تنتشر إعلانات صريحة لبيع أجهزة تُستخدم في الغش داخل اللجان، مع وعود بارتفاع المجاميع وضمان “النجاح”.
أحد المنشورات رُصد داخل مجموعة يعلن: ”سماعات جديدة تيب سي خط نانو.. موجودة داخل نطاق سوهاج فقط، يوجد جروب أدبي من 85 لـ 90 وعلمي من 90 لـ 95″.
وفي مجموعة أخرى، يظهر إعلان أكثر مباشرة:” سماعات غش ثانوية عامة VIP أصلية، الدفع عند الاستلام والمعاينة، توصيل القاهرة والجيزة”. بينما يكتب آخر:” اللي عايز سماعة غش يتواصل، السعر 2900 جنيه”.
المثير أن هذه الإعلانات لا تظهر في فضاءات سرية أو شبكات مظلمة، بل على منصات يستخدمها الملايين يوميًا، في وضح النهار، وبأسلوب يبدو أقرب للتجارة العادية.
سوق علني على منصات عامة
ورغم تشديد الرقابة على الإنترنت، فإن هذه الصفحات تواصل نشاطها بشكل متجدد مع اقتراب الامتحانات، مستفيدة من قلق الطلاب وأولياء الأمور ورغبتهم في تحقيق درجات مرتفعة بأي وسيلة.
وكانت امتحانات العام الماضي 2024/2025 قد شهدت ضبط 54 متهمًا في 47 قضية، إضافة إلى رصد 129 صفحة ومجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي مرتبطة بالغش الإلكتروني، بحسب بيانات رسمية، ورغم هذه الأرقام، لا تزال الظاهرة تعود كل موسم امتحاني بشكل أكثر تطورًا وتنظيمًا.
أداة الغش الأكثر انتشاراً
يقول متخصصون في شئون التعليم إن أدوات الغش الإلكتروني تطورت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت السماعات الدقيقة واحدة من أكثر الوسائل استخدامًا داخل اللجان.
وأكد الصحفي المتخصص في التعليم أحمد حافظ أن هذه السماعات تمثل نحو 80% من أدوات الغش الحديثة، موضحًا أنها لا تعمل بشكل منفرد، بل ترتبط بأجهزة اتصال صغيرة تُعرف بين الطلاب باسم “كروت VIP”، كما تحتوي على شرائح اتصال تتيح التواصل مع أشخاص خارج اللجان لتزويد الطلاب بالإجابات لحظيًا.
ويطرح حافظ تساؤلًا لافتًا: إذا كانت الدولة قد نجحت في تتبع الهواتف المهربة عبر أرقامها التعريفية وتعطيلها، فلماذا لا يتم تطبيق آلية مماثلة على أجهزة الغش التي تعتمد على شرائح اتصال قابلة للتتبع؟
بين الوهم والاحتيال
لا تقتصر الظاهرة على بيع أجهزة فحسب، بل تمتد إلى ما يشبه “تجارة وهم”، تستغل قلق الطلاب وأولياء الأمور. ويحذر مسئولون وخبراء تربويون من الوقوع في فخ هذه الصفحات، التي تروّج لوعود غير واقعية حول القدرة على ضمان النجاح أو تسريب الامتحانات.
وشدد عبد الرءوف علام، رئيس المجلس الأعلى للأمناء والآباء والمعلمين، على أن أغلب هذه الصفحات تمارس النصب الإلكتروني، وتستهدف ابتزاز الطلاب وأولياء الأمور ماليًا دون أي أساس حقيقي.
ومن جانبها قالت عبير أحمد، مؤسس اتحاد أمهات مصر للنهوض بالتعليم، إن ما يحدث يمثل “نصبًا منظمًا”، يقوم على إقناع الطلاب بإمكانية اختراق منظومة الامتحانات مقابل المال. ومع اقتراب الامتحانات، تتحول هذه الصفحات إلى مصدر قلق متزايد للأسر، بين خوف من الفشل ورغبة في النجاح بأي ثمن.
حين يضيع المقعد المستحق
لكن التأثير الحقيقي لا يظهر في الإعلانات أو محاضر الضبط، بل في شعور العدالة المفقودة لدى بعض الطلاب. وفي شهادتها تقول “ياسمين كمال”، إحدى الطالبات: “رفضت الغش واعتمدت على المذاكرة، لكني حصلت على مجموع جيد لم يكفِ للالتحاق بكلية الطب، بينما تمكن آخرون من الوصول بطرق غير عادلة، مضيفة أن الغش لم يعد حالات فردية، بل أصبح ظاهرة تؤثر بشكل مباشر على تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وتروي “فاطمة صابر”، والدة أحد الطلاب، أنها تعرضت لضغوط لشراء سماعة لابنها، لكنها رفضت رغم انتشار الفكرة بين بعض الأسر، مشيرة إلى أن بعض الطلاب أصبحوا يدخرون المال مبكرًا لهذا الغرض.
هذه الشهادات تطرح سؤالًا مؤلمًا: كم طالب مجتهد خسر مكانه لصالح من امتلك وسيلة غش إلكترونية.
البرلمان يدخل على الخط
مع تصاعد الجدل، تحرك عدد من أعضاء ما يُسمى بمجلس النواب لمواجهة الظاهرة. فقد تقدم النائب هاني شحاتة بطلب إحاطة للحكومة، محذرًا من انتشار الغش الإلكتروني وتأثيره على العدالة التعليمية، مطالبًا بخطة وطنية تشمل الرقابة التقنية وملاحقة الصفحات المخالفة وتشديد العقوبات.
ومن جانبه حذر النائب ميشيل الجمل من أن استمرار هذه الظاهرة يهدد سمعة العملية التعليمية، في ظل تطور وسائل الغش بشكل متسارع.
قانون صارم.. وظاهرة مستمرة
وتبدو على الورق، العقوبات رادعة، فالقانون رقم 205 لسنة 2020 يفرض عقوبات قد تصل إلى السجن والغرامة على كل من يُشارك في تسريب أو نشر أسئلة الامتحانات أو المساعدة على الغش، كما قد تصل العقوبات إلى حرمان الطالب من الامتحان واعتباره راسبًا في جميع المواد، ورغم ذلك، تستمر الظاهرة في التوسع، مع تسجيل ضبطيات ومخالفات كل موسم امتحاني
وهنا يبرز السؤال مجدداً: إذا كانت القوانين موجودة والضبطيات مستمرة، لماذا لا يزال الغش الإلكتروني قادراً على العودة كل عام.
شعارات رسمية.. وواقع مغاير!
وتصر حكومة الانقلاب على تصدير مشهد “السيطرة التامة” عبر حزمة إجراءات تبدو في ظاهرها صارمة، لكنها تصطدم بواقع مغاير؛ حيث يتفاخر المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بتزويد 95% من اللجان بكاميرات مراقبة وتطبيق منظومة التفتيش الدقيق ومنع الأجهزة الإلكترونية.
وفي ذات الوقت يخرج وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، ليعد بـ "القضاء الكامل" على الغش الإلكتروني بالتعاون مع وزارة الاتصالات، بينما يستعرض المتحدث باسم الوزارة، شادي زلطه، أرقاماً ضخمة عن تجهيز 613 مجمعاً امتحانيًا لاستقبال 921 ألف طالب وطالبة، ملوحاً بوجود "تدابير سرية" لرصد المخالفات.
سؤال ما قبل الامتحان
بين سوق إلكتروني نشط، ومحاولات ضبط رسمية، وقلق متصاعد داخل البيوت، تبقى الصورة مفتوحة على سؤال واحد: هل تستطيع الإجراءات الحالية إيقاف منظومة غش تتطور كل عام.. أم أن المعركة أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد كاميرا داخل لجنة امتحان؟