شهدت كواليس ما بعد فوز مصر المستحق على نيوزليندا ب3 أهداف مقابل هدف، إقحاماً سياسياً واضحاً من المدير الفني حسام حسن، الذي نسب التطور الرياضي لعهد عبد الفتاح السيسي، معتبراً رضا "الزعيم" غاية أساسية.
وقوبل هذا التصريح بنقد حقوقي وإعلامي لاذع من منصات مستقلة كشفت زيف هذه الادعاءات، مذكرين بأن الطفرة الكروية الحقيقية صُنعت تاريخياً في عهد حسن شحاتة (إبان حقبة مبارك)، وأن هذا المدح الفج ينطوي تحت ممارسات "إعلام السلطة" لتسييس الإنجازات الرياضية ونسبها للنظام الحاكم.
وتمثل الرياضة لدى البعض أداة شرعنة النظم الحاكمة كونها متنفساً (لا بديل له بظل أوضاع عامة مأزومة) للشعوب للتعبير عن هويتها ومواقفها، يتجلى هذا التوظيف السياسي في استغلال الانتصارات الرياضية كأداة لحشد التأييد الجماهيري وصناعة إنجازات وهمية تُنسب للمشروع السياسي القائم، وهو نمط متكرر في النظم السلطوية التي تسعى لتحويل الفرح الكروي العابر إلى صك غفران لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية المأزومة، وفي المقابل، تظهر مواقف تعيد تعريف الوطنية الفطرية؛ حيث يرى الكاتب قطب العربي أن الخلاف مع النظام لا ينبغي أن ينعكس على بقية مظاهر الحياة، معتبراً الفرح لفوز المنتخب سلوكاً وطنياً عفوياً، خاصة عندما يتزامن مع ممارسات إيمانية واجتماعية تجمع ملايين المصريين.
الوطنية الفطرية والفرح للمنتخب
https://x.com/kotbelaraby/status/1234567890123456789
ومع ذلك، فإن هذا الفضاء لا يخلو من محاولات إقحام البروباجندا السياسية الفجة التي تمارسها الأجهزة الحاكمة عبر وجوهها الرياضية والإعلامية، وهو ما يحول المشهد الرياضي في كثير من الأحيان من حالة قومية جامعة إلى مساحة للاستقطاب السياسي، حيث تصر السلطة على ربط أي تفوق رياضي برضا "الزعيم" ورعايته، مما يجر الرياضة إلى مستنقع التوجيه السياسي المباشر.
كرة القدم والتحولات الاجتماعية
وتقدم كرة القدم مادة خصبة لعلماء الاجتماع لدراسة بنية المجتمع وتحولاته الطبقية. وفي هذا السياق، يطرح الأكاديمي مأمون فندي رؤية تحليلية تدعو طلاب علم الاجتماع السياسي للنظر إلى المنتخب المصري كحالة لدراسة تحولات المجتمع، بعيداً عن الخطط التكتيكية.
وعبر استدعاء مفهوم "رأس المال" للفيلسوف الفرنسي بيير بورديو، يقسم فندي خلفيات اللاعبين إلى أنماط متعددة تكشف كيف فرضت البيئات العادية نفسها بالأداء والموهبة الخالصة، مثل محمد صلاح ومحمود تريزيجيه ومصطفى محمد، في مقابل "رأس المال الرياضي" المعتمد على الأسر الكروية مثل أحمد سيد زيزو ومصطفى شوبير وحمزة عبد الكريم، و"رأس المال الاقتصادي" المتمثل في عمر مرموش الذي أتيحت له فرص تعليمية أفضل، وصولاً إلى "رأس المال المؤسسي والدولي".
وينتهي فندي إلى استنتاج مثير يفيد بأن المنتخب الحالي لا يبدو منتخب أبناء النخبة السياسية أو العسكرية، بل هو منتخب مجتمع يتغير، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الوزن النسبي للموهبة والأسرة والمؤسسة في صناعة لاعب كرة القدم، وكيفية إنقاذ الرياضة من براثن "الواسطة" والتوجه بها نحو الاحتراف الحقيقي.
https://x.com/mamoun1234/status/2068991234567890123
نصائح أبو تريكة والتحول التكتيكي
شهدت مباراة المنتخب المصري الأخيرة أمام نيوزيلندا تحولاً درامياً في الأداء النتيجتي، بعد تقدم نيوزلندا بهدف خلال الشوط الأول ثم الرد في الشوط الثاني بالانتصار، وهو التحول الذي ربطه مراقبون بالقراءة الفنية والنقدية الصارمة التي قدمها النجم الدولي المعتزل محمد أبو تريكة، فخلال الشوط الأول الذي اتسم بالارتباك والعشوائية، انتقد أبو تريكة بمرارة الطريقة التي يلعب بها المنتخب، محذراً من الاعتماد على الكرات الطولية أمام فريق يتميز لاعبوه بالطول الفارع، وداعياً إلى الهدوء والاعتماد على التمريرات الأرضية القصيرة، معتبراً الكرات الثابتة آفة مستمرة في الدفاع والهجوم المصري.
ومن ذلك تدوينة عبد الرحمن مطر حول تأثير نصائح أبو تريكة الفنية في الشوط الثاني
https://x.com/AbdElrahma41413/status/2068887393529168262
وقد تجسدت هذه النصائح حرفياً في أداء الشوط الثاني، مما أدى إلى تغيير المعادلة تماماً لصالح مصر وتحقيق الفوز، يبرز هذا التفاعل قيمة أبو تريكة الفنية والإنسانية، ويفند في الوقت ذاته اتهامات التخوين الموجهة إليه؛ حيث أظهر حرصاً بالغاً على مصلحة المنتخب وتوجيه اللاعبين الشباب، كإرساله رسالة للاعب حمزة عبد الكريم يطالبه فيها باتباع توجيهات محمد صلاح، مما يعكس حجم التقدير والاحترام المتبادل بين الكبار، بعيداً عن قصص الخلافات المفتعلة على منصات التواصل الاجتماعي.
وتغريدة الشناوي حول علاقة التقدير المتبادل بين أبو تريكة ومحمد صلاح
https://x.com/shno74/status/2068901746651324813
هواجس النحس وسفر الفنانين
ويرتبط الوجدان الجمعي المصري ببعض الهواجس والطقوس التشاؤمية فيما يتعلق بظهور النخب الفنية والإعلامية التابعة للسلطة في المحافل الرياضية الكبرى؛ إذ يسود خوف عارم بين الجماهير من تكرار تجارب سابقة سافر فيها فنانون وإعلاميون لمؤازرة المنتخب، فكانت النتيجة الفشل الرياضي، وهو ما يصفه الشارع بـ "النحس والوبال"، وتوالت الدعوات الشعبية الصارمة والساخرة عبر الفضاء الرقمي التي تطالب الفنانين بعدم السفر هذه المرة منعاً لتكرار تلك التجارب.
ومن المدونين الدكتور محمود هاشم حول أسباب الفوز وعلاقتها بعدم سفر الفنانين
https://x.com/Drmahmoudhashe1/status/2069052685685227711
ثم تدوينة محمد الديب الساخرة في انتظار سفر الفنانين وتخوفهم من ذلك
https://x.com/Sisyphus_2011/status/2069101891468853760
وناشدت ناريمان غراب للفنانين بعدم السفر تشاؤماً من حضورهم:
https://x.com/Nary75/status/2068971057554341989
ويتعدى هذا التوجس الشعبي الجانب الفني ليصل إلى الإعلاميين الرياضيين والسياسيين المحسوبين على النظام، والذين يوصفون في المأثور السياسي والشعبي بـ "إعلاميي التعريض" وعلى رأسهم أحمد موسى؛ نظراً لمنهجيتهم القائمة على النفاق الفج والمبالغة في مدح السلطة التنفيذية وربط أي منجز عام بشخص رئيس النظام، تبلور هذا السلوك بشكل فج في تصريحات المدير الفني للمنتخب حسام حسن عقب الفوز، حيث أقحم اسم عبد الفتاح السيسي مدعياً أن كرة القدم شهدت تطوراً غير مسبوق في عهده، وهو ما قوبل بانتقادات حادة من المنصات المستقلة والكتّاب، مثل الإعلامي أيمن عزام الذي وصف هذه التصريحات بالمسيّسة والمغلوطة، مذكرًا بأن الطفرة الحقيقية والإنجازات التاريخية الكبرى للكرة المصرية صُنعت في عهد حسن شحاتة إبان حقبة مبارك، دون حاجة لهذه المبالغات التي تقلل من الجهد الفني الوطني المخلص المنسوب للاعبين والجماهير والشعب المصري.
وسخر أيمن عزام من تصريحات أحمد موسى وحضور الفنانين
https://x.com/AymanazzamAja/status/2068983928271044689
ونقد الإعلامي عزام لتصريحات حسام حسن ومحاولات تسييس الإنجاز الرياضي.
https://x.com/AymanazzamAja/status/2068990000000000000