رغم وفرة الإنتاج.. الفلاح المصري يدفع ثمن تصدير الأسمدة والبحث عن الدولار

- ‎فيتقارير

 

باع المنقلب عبد الفتاح السيسي حصصا مؤثرة في شركات صناعة الأسمدة للأمارات مقابل 1.3مليار دولار، وبهذه الحصة الحاكمة فرضت الامارات سيطرتها علي قطاع الأسمدة ما ترتب  عليه تخفيض حصة الزراعة المصرية من انتاج  تلك الشركات، وبالتالي تأثرت الزراعة المصرية والمزارع المصري الذي يعاني من ارتفاع الأسعار، وزيادة نسب التضخم نتيجة للسياسات الاقتصادية الفاشلة التي أرهقت المواطن وحملته بديون لم يستفد منها وحرمته من انتاج شركات كان يملكها الشعب المصري بمفرده ويتصرف فيها حسب حاجته الوطنية، والآن يشاركه في أرباحها اخرون ويحمل بمفرده أعباء لا تطاق. 
 

أكد المتخصصون أن مصر تعاني "أزمة مركّبة" بفعل الحرب على رغم قدراتها الإنتاجية الكبيرة في صناعة الأسمدة على المستوى العالمي، فليس مستغرباً لمن ينفق ما يزيد على نصف دخله الشهري على الغذاء أن يكون في مرمى تقلبات أسعاره طوال الوقت، ومع ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعية تبدأ قصة التضخم في نسج سطورها من الحقل إلى المائدة. وتعيش مصر في هذه الأيام، أزمة أسمدة تنذر بتبعات قاسية على معدلات التضخم في البلاد، مع ما تشهده أسعار اليوريا اللازمة لتسميد الأراضي الزراعية من ارتفاع قياسي، تأثراً بأزمة الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية التي أعقبت الحرب في الخليج.
 

أزمة ذات أبعاد عالمية

ارتفع سعر اليوريا في البورصات العالمية بصورة ملحوظة في أبريل الماضي، إذ تجاوزت عقود اليوريا الحبيبية" FOB الشرق الأوسط" حاجز 850 دولاراً للطن "من دون كلفة التعبئة التي تصل إلى 30 دولاراً للطن"، مدفوعة بأزمات العرض والطاقة العالمية والتوترات في المنطقة.
 

وقفزت العقود الآجلة لليوريا فوق مستوى 700 دولار للطن، في أعلى مستوى منذ أكتوبر 2022، وبزيادة تجاوزت 70 في المئة منذ بداية العام الحالي، بفعل الحرب التي قفزت بأسعار الغاز الطبيعي الذي يعد مكوناً رئيساً "يمثل 60 في المئة" في إنتاج هذا النوع من الأسمدة.
 

وقد تبدو مصر في منأى عن الأزمة العالمية إذ يتضاعف تقريباً إنتاجها من الأسمدة الأزوتية عن حجم الاستهلاك المحلي بواقع 2 إلى واحد، مع تموضعها في المركز السادس عالمياً في إنتاج اليوريا، لكنها في المقابل مستورد كبير للطاقة اللازمة للإنتاج.
 

كم سعر اليوريا في مصر؟

سجلت أسعار اليوريا في مصر مستوى يزيد على 40 ألف جنيه (770 دولاراً) للطن، لكن أكثر ما يقلق السوق هو اتساع فجوة السعرين، المحلي والعالمي، الأمر الذي قد يدفع الشركات نحو توجيه حصة أكبر من الإنتاج للتصدير، بغرض الاستفادة من طفرة الأسعار والطلب العالمي الكبير. وتقيّدت تدفقات اليوريا عبر مضيق هرمز الذي أغلقته إيران، ويتعامل مع نحو ثلث شحنات الأسمدة العالمية، إذ توفر دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك السعودية وقطر وعمان، نحو ربع صادرات اليوريا العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق.
 

وتأثرت الإنتاجية في الهند وبنغلاديش بإغلاق المصانع والصيانة في ظل إمدادات محدودة من الغاز الطبيعي المسال، وفي الوقت نفسه، شددت الصين القيود على الصادرات لتأمين الإمدادات المحلية، بينما قلصت روسيا شحنات العناصر الغذائية الرئيسة.
 

محاصيل مرشحة للارتفاع

ويبدو الطلب أيضاً في ارتفاع قبل موسم زراعة الربيع، لا سيما في الاقتصادات الزراعية الكبيرة، مما يجبر الدول على البحث عن الواردات ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. ومع ارتفاع سماد اليوريا والتكهنات بارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي في مصر لم يعد من المستغرب أن يستقبل المستهلكون الموجة التضخمية المقبلة من باب الغذاء بشكل أكبر من غيره، خصوصاً مع اعتماد بلادهم على الخارج في تدبير الطاقة اللازمة للإنتاج.
 

في مطلع أبريل الماضي رفعت الحكومة المصرية أسعار الغاز المورد لمصانع الأسمدة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية، في ظل زيادة الأسعار العالمية، بحسب ما أعلنه آنذاك وزير الصناعة المصري، خالد هاشم، مشيراً إلى أن نسبة الزيادة تصل إلى نحو 21 في المئة مقارنة بالسعر السابق للغاز المورد لمصانع الأسمدة، الذي يراوح ما بين 7 و7.8 دولار لكل مليون وحدة حرارية.
 

خفض الأسمدة المدعمة

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المئة من إجمال الكميات المنتجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع. وقال متعاملون ومتخصصون إن السوق المحلية ليست في منأى عن الأزمة العالمية بفعل ارتفاع أسعار الطاقة التي تُمثل المكون الأكبر في صناعة الأسمدة، وإن استفادت المصانع من الطلب العالمي على إنتاج البلاد من الأسمدة.
 

وتشير التوقعات على ما بدا من الحديث، إلى بقاء الأزمة في السوق المحلية رهن أسعار الطاقة المرتفعة، فإن تراجعت هبطت أسعار الأسمدة محلياً على نحو تدريجي، وسط توصيات بالعمل على تنويع الطاقات، بما يضمن كفاءة أكبر في الإنتاج.
 

سيناريوهان أمام المزارعين

يقول نقيب الفلاحين حسين عبد الرحمن أبو صدام، إن وزارة الزراعة اتفقت مع المصانع على حصة قدرها 37 في المئة من الإنتاج بسعر الكلفة الفعلية لصالح المزارعين في شكل من أشكال الدعم، ومع ذلك تستحوذ السوق الحرة على النسبة الكبرى من الإنتاج في البلاد.
 

وأشار أبو صدام إلى أهمية الأسمدة الأزوتية في تخصيب الأرض الزراعية ودفع قدرتها على إنتاج المحاصيل بكفاءة، لافتاً إلى أن خصوبة التربة تتراجع مع زراعة الأرض أكثر من مرة كل عام، وهو ما يجعل الحاجة إلى التسميد عن طريق اليوريا أمر لا مفر منه، ومن ثم فإن أي تقلبات في أسعار اليوريا ترفع الكلفة الإنتاجية على المزارعين، وتجعلهم أمام خفض هامش الربحية أو خفض الإنتاج.
 

ولم ينف المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي وجود أزمة أسمدة، إذ أكد خلال افتتاح مؤتمر "مصر للطاقة 2026" ، أن أزمة ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب الحرب ستؤثر بشكل حاد في اقتصادات دول العالم، خصوصاً الدول النامية منها, ولم يشر الي اية حلول لها حتي لو نظرية.
 

لا نية لزيادة كمية الأسمدة المدعمة

ومع ذلك، نفى رئيس مجلس الوزراء عزم الحكومة زيادة أسعار الأسمدة المدعومة أو خفض كمياتها بعد تعديل معادلة تسعير الغاز لمصانع الأسمدة في الفترة الأخيرة لتتناسب مع أسعار التصدير المرتفعة.
 

وأقر رئيس غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، شريف الجبلي، بوقوف إغلاق مضيق هرمز خلف الأزمة التي طاولت 30 في المئة من إمدادات السوق العالمية من الأسمدة، مضيفا أن صناعة الأسمدة تعتمد على ما يراوح ما بين 60 و70 في المئة من الغاز كمدخل رئيس للإنتاج، وهو ما يُفسر وجود أكبر مصانع العالم في الدول الخليجية.
 

سعر طن الأسمدة المدعم

وبينما تبدو الهند والبرازيل وأفريقيا في أزمة حادة جراء إغلاق المضيق الذي شكَّل ممراً حيوياً لثلث إنتاج العالم من الأسمدة، كما يوضح الجبلي، فإن أوروبا تبدو بعيدة نوعاً ما عن الأزمة بفعل الإمدادات المصرية والجزائرية إلى أسواق اليورو.
 

محلياً، يشير رئيس غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات إلى ارتفاع أسعار الأسمدة الأزوتية بفعل الحرب، فعلى رغم بيع الطن المدعم بـ 6 آلاف جنيه، فإن ذلك لا يمنع أن الطن الحر أصبح سعره ما بين 40 و45 ألف جنيه، بفعل ارتفاع أسعار الغاز.
 

وارتفعت صادرات الأسمدة المصرية بنسبة 20 في المئة خلال عام 2025 لتصل إلى 2.04 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.7 مليار دولار في 2024، مدفوعة بزيادة الطلب العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد، بما عزز تنافسية المنتج المصري في الأسواق الخارجية، بحسب بيانات المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة.
 

التضخم في مصر

ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المئة في مارس الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ 13.4 في المئة في فبراير. وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات للمؤسسة الدولية ببلوغ التضخم في عام 2026 متوسط 13.2 في المئة.
 

وتبدو أزمة الأسمدة التي تعيشها مصر "أزمة مركبة" كما يسميها عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ، إسلام الفيشاوي، إذ تنطوي الأزمة على أزمة طاقة في المقام الأول أدت بدورها إلى أزمة أسمدة باعتبار أن الطاقة جزء ومكون رئيس من مكونات الصناعة.
 

أسباب ارتفاع أسعار اليوريا

ولفت الفيشاوي إلى ما يُشكله مضيق هرمز المغلق من عصب للصناعة، إذ يمر عبره 30 في المئة من الأسمدة إلى أسواق العالم، ومع إغلاق هذا المعبر الحيوي تفقد السوق ثلث حجم التجارة.  وأشار الفيشاوي إلى أن إيران كانت قبل الحرب من الدول الفاعلة في إنتاج الأسمدة، وأن إنتاجها منخفض السعر بفعل العقوبات كان ضابطاً للسوق قبل أن يتأثر بالحرب، بجانب الدول الخليجية ومن بينها قطر التي تمتلك أكبر مصنع لإنتاج الأسمدة في العالم بطاقة 5.5 مليون طن في العام.
 

كل تلك العوامل خلقت أزمة في المعروض ودفعت سعر اليوريا من 400 دولار إلى ما يزيد على 850 دولاراً للطن، بجانب أمور أخرى لا تقل أهمية كإعلان الصين، اللاعب المهم في تلك الصناعة، إيقاف كل صادراتها من الأسمدة.
 

ما مصير الأعلاف؟

لكن حدود الأزمة الحالية في مصر لن تتوقف على ما يبدو عند حدود اليوريا، فتبدو صناعة الأعلاف هي التالية كما يقول الفيشاوي، إذ ستبدأ مصر في موسم الذرة الصيفي الذي يعتمد على السماد الأزوتي بشكل كبير، ومن المعلوم أن الذرة مكون أساس في صناعة الأعلاف وسيؤثر ارتفاعها في اللحوم والدواجن والبيض والألبان.
 

ويعتقد عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ أن مصر بصدد المحافظة على طاقتها الإنتاجية بفعل الاستقرار الذي يعده "رأس مال غير منظور"، مشيراً إلى أن إنتاج البلاد من الأزوت يبلغ 7.5 مليون طن سنوياً و5.5 مليون طن من الأسمدة، داعيا إلى تعظيم الطاقات البديلة وتوسيع الاعتماد على الطاقة النظيفة، الأمر الذي سيبشر في المستقبل بوجود إجراءات حمائية لكل الصناعات المعتمدة على الطاقة، ومن ثم تأمين حاجات المستهلك الأساسية.
 

الأزمة في مصر تكشف هشاشة التوازن بين الإنتاج المحلي والاعتماد على مدخلات خارجية، خصوصاً الطاقة، ومع استمرار الحرب، يبدو أن الغذاء سيظل البوابة الأوسع التي يدخل منها التضخم إلى جيوب المصريين.