شهدت الساحة السياسية والإعلامية والحقوقية في مصر خلال الفترة الأخيرة موجة متصاعدة من النقاشات المحمومة والسجالات المكثفة حول ملف التعديلات الدستورية المرتقبة. وحجج وطروحات متداولة عبر المنصات المحلية تدعو صراحة لضرورة فتح المدد الرئاسية أو تمديد حكم المنقلب السفاح ،عبد الفتاح السيسي لما بعد عام 2030 استناداً إلى دوافع الاستقرار، وبين قراءات حقوقية وسياسية نقدية تُرصد في هذه التحركات تمهيداً مبكراً لتهيئة البيئة العامة للقبول بتعديل النصوص الدستورية المنظمة لنظام الحكم والسلطة.
ومن ذلك ما كتبه "عماد عنان" تحت عنوان "تعديل الدستور في مصر.. جس نبض أم تمهيد لما بعد 2030؟"، فكك الكاتب المسار التاريخي والزمني لتصاعد المطالب بتعديل الدستور، مبيناً أنها بدأت في يونيو 2025 بطلب المستشار فرج حافظ الدري توسيع صلاحيات مجلس الشيوخ، ثم دعوة محمد الباز وعبد السند يمامة في يوليو 2025، مروراً بحديث عدلي حسين في فبراير 2026، وصولاً إلى تصريحات النائب ياسر قورة الصريحة في يونيو 2026.
واستعرض المقال الحجج والمبررات التي يستند إليها المؤيدون للتعديل، مثل التهديدات الإقليمية، واستكمال المشروعات القومية الكبرى، والتخلص من التركة التشريعية لعام 2012. في المقابل، توقف المقال عند المحاذير المذكورة في المادة 226 والمادة 140 من الدستور، موضحا أن سيناريوهات التعديل في حال تبنيه رسمياً تتوزع بين تمديد الولاية الحالية، أو فتح ولايات جديدة ممتدة حتى عام 2036، أو تصفير عداد الفترات الرئاسية عبر نص انتقالي جديد مماثل لسيناريو تعديلات 2019.
حركة انتقال
والمطالبة بتعديل الدستور؛ لم تعد إذا حبيسة منصات التواصل الاجتماعي أو برامج التوك شو، بل امتدت لتصل إلى أروقة الهيئات البرلمانية، ومجلس الشيوخ، والندوات الثقافية والرسمية.
وفي تصريحات صحفية قال السياسي الانقلابي و"نائب" برلمان العسكر السابق د.عماد جاد تحت عنوان واضح صريح: "لا يجوز تعديل الدستور لمد فترة رئاسية جديدة.. والبرلمان الحالي انعكاس لرأس المال فقط"!
وظهرت دعوات تزامنت مع ذلك منها دعوة المستشار خالد القاضي (رئيس محكمة الاستئناف) خلال ندوة أقيمت بمكتبة الإسكندرية بعنوان "التطورات التشريعية في الجمهورية الجديدة" إلى إعداد دستور جديد بالكامل للبلاد عبر حوار مجتمعي متأنٍ، مستنداً إلى حجة أن دستور 2014 الحالي صيغ في ظروف استثنائية أملتها المرحلة التي أعقبت حكم جماعة "الإخوان" بحسب زعمه.
تصريحات "النائب" ياسر قورة (عضو شيوخ العسكر ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بالمجلس)، وفيها دعا بصراحة إلى إجراء تعديل دستوري يتيح استمرار السيسي لمدة 10 سنوات إضافية (بما يعنيه ذلك من منح ولاية جديدة ورابعة للبلاد)، مبرراً طرحه بالمخاطر الجيوسياسية والتحديات الإقليمية التي تحيط بمصر والحاجة للحفاظ على استقرار الحكم.!
وفي الثمانين من عمره، ظهر المستشار عدلي حسين (محافظ القليوبية الأسبق) أمام لجنة الإدارة المحلية بمجلس شيوخ العسكر يدعو لـ "تغيير الدستور شكلاً وموضوعاً"، داعياً للتحلل مما وصفه بآثار دستور 2012 رغم ظهور لجنة الـ50 التي كان عمرو موسى رئيسا لها و"دستور 2014"!!
الأذرع الإعلامية ظهروا أيضا فمحمد الباز دعا لإعادة النظر في القواعد الحاكمة لمدد "الرئاسة"، وطرح عبد السند يمامة (رئيس حزب الوفد السابق) تعديل باب نظام الحكم لتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية.
المخاوف المثارة
وحول استحقاق انتخابات المحليات وتعطل إصدار قانونها لأكثر من 12 عاماً، وتعارض المقترحات الحكومية مع المادة 180 من الدستور والمتعلقة بنسب تمثيل الشباب والمرأة والعمال والفلاحين.
تناول الكاتب طارق سلامة (Tarik Salama): عبر حسابه تحليل الأبعاد والتخريجات السياسية الشائعة التي تُطرح كغطاء لتعديل الدستور، محذراً من فكرة التحول للنظام البرلماني: ".. الكلام ده واضح إن له هدفًا واحدًا: تمهيد الأرض لفكرة تعديل الدستور، بحيث تمتد فترة (…) السيسي، إنما تحت عنوان مخادع اسمه “التحول لنظام برلماني”، وكأننا داخلين على فصل سلطات وتقليل دور الـ(…) سيسي. لكن الحقيقة إن دي ممكن تبقى مجرد خدعة شكلية. عندنا مثال قريب من الهند بتاع الدكتور مصطفي في باكستان: نظريًا نظام برلماني، وفيه مؤسسات وانتخابات وحكومة، لكن فعليًا الجيش والمخابرات هم أصحاب الكلمة العليا. يعني تغيير شكل النظام على الورق مش معناه بالضرورة تغيير موازين السلطة على الأرض. فالكلام عن “النظام البرلماني” هنا مش بالضرورة إصلاح سياسي، لكنه ممكن يبقى غطاء لإعادة ترتيب السلطة وتمديدها بشكل جديد. باختصار: بيهجص".
https://x.com/tariksalama/status/2072337611323064472
الكتاب المعجزة
من جانب آخر، واصلت منصة "صحيح مصر" دورها في مراجعة وتفنيد السرديات الحكومية والرسمية التي تسعى لتوفير الغطاء الفكري والتشريعي للحقبة الحالية، حيث تناولت بالبحث والتحليل الشواهد والمغالطات الواردة في كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد ومسيرة وطن» (الصادر عن الهيئة الوطنية للصحافة في مجلدين ضخمين يقعان في نحو 900 صفحة)، والمتزامن صدوره مع دعوات تمديد فترات الرئاسة وتحديداً ما ورد في شهادة أستاذ القانون المدني ورئيس جامعة القاهرة محمد سامي عبد الصادق المعنونة بـ «نهاية عصر القوانين الاستثنائية».
وفند التقرير مزاعم تعزيز دور الأجهزة الرقابية والجهاز المركزي للمحاسبات، مشيراً إلى أن مصر حصدت 30 نقطة فقط من أصل 100 في «مؤشر مدركات الفساد لعام 2025» الصادر عن الشفافية الدولية (لتتراجع للمرتبة 130 عالمياً وبفارق نقطتين أسوأ مما كانت عليه قبل عام 2014). كما حصلت على 59 نقطة في مؤشر الرقابة على الموازنة. واستحضر التقرير إصدار القرار بقانون رقم 89 لسنة 2015 الذي منح رئيس الجمهورية سلطة عزل رؤساء الهيئات المستقلة والرقابية، وهو النص الذي استخدم لإعفاء المستشار هشام جنينة عام 2016 من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات عقب تصريحاته الشهيرة عن حجم الفساد، فضلاً عن تقليص الدور الرقابي للجهاز المباشر على صندوق "تحيا مصر".
وكشف التفنيد مغالطة ادعاء أن دستور 2014 كان أول من استحدث النص على المجلس القومي لحقوق الإنسان أو أقر منظومة الكرامة الإنسانية، مؤكداً أن دستور 2014 هو مجرد تعديل لدستور 2012 وليس وثيقة جديدة، وأن دستور 2012 كان يحتوي باباً مفصلاً للحقوق والحريات والكرامة الإنسانية (المادتين 31 و34)، وأن المجلس القومي أنشئ بالقانون رقم 94 لسنة 2003 وكان منصوصاً على صلاحياته بالكامل في المادة 80 من دستور 2012.
وأوضح التقرير أنه رغم عدم تمديد حالة الطوارئ رسمياً منذ أكتوبر 2021، فإن التشريعات البديلة كـ «قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015» و«قانون الكيانات الإرهابية رقم 8 لسنة 2015» مكنت الحكومة من صلاحيات استثنائية واسعة (كحظر التجول والإخلاء القسري) تعوض الطوارئ، إضافة لتكريس القضاء العسكري لنظر قضايا المدنيين في الواقع الحيوية بموجب تعديلات القانون 136 لسنة 2014 بعد رفع القيد الزمني عنه عام 2021.
https://x.com/SaheehMasr/status/2077734694989214133
انتقادات حادة
وفي مقابل الدعوات والمبادرات الرسمية وشبه الرسمية، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة نقدية واسعة تُعبر عن مخاوف الشارع والنشطاء من التبعات الاقتصادية والسياسية لأي تعديلات دستورية جديدة.
الناشط محمد عنان (Mohamed 3nan):هاجم الأنباء المتداولة حول التمهيد لإضافة مدد رئاسية جديدة عبر حسابه الشخصي قائلاً: "ولسه فيه هري جاي عن تعديل الدستور وإضافة 2 أو 3 مدد رئاسية جديدة.. كل مدة 6 سنين، يعني داخلين على 18 سنة جديدة من "الجاذبية والتنمية والازدهار وبركات فخامته"، بصراحة.. اللي يموت دلوقتي أحسن من اللي هيعيش الفترة الجاية، طالما فضلت السلبية اللى احنا فيها بالشكل المهبب ده، واللي هيصبر ويتحمل.. هيكفر عن كل ذنوبه، أما اللي مش هيستحمل.. السجون موجودة وكتير وجديدة وكبيرة…!!"
https://x.com/3nan_ma/status/2075975150173106533
وعلق رمضان البدري (RamdanAlbadri): بتهكم وسخرية على المسار المتوقع لإقرار التعديلات وآليات الاستفتاء الشعبي: "طبعا سوف يتم تعديل الدستور.. طبعا سوف يتم فتح مدد الرياسه لاجل غير مسمي.. طبعا الشعب سوف يوافق.. تقولي بمزاجه بالفلوس بالشحن علي عربيات الخضار زي البهايم تقولي بالتزوير قول كما يحلو لك المهم نتيجه الاستفتاء نعم باكتساح.. ماهو الساكت علي التعريض اوسخ من المعرض".
https://x.com/Prince1Ramdan/status/2075928978615857486
وربط حساب (هناك أمل ❌ مافيش أمل): بين الاستحقاقات المحلية المرتقبة وبين مسار التعديل الدستوري قاطعة الطريق على التفسيرات الحكومية: "بيشركهم في اللقطة عشان يمرروا تعديل الدستور.. وفي الحقيقة كمان بيدبسهم في جرايمه رغم انهم دهلات وهو سيد قراره.. وبيقولك بص العصفورة.. هتفضل مركز على انها بقت دولة عسكرية واوكتاجون فيرميلك طعم محليات وحريات فيخطف تعديل الدستور بحجة قانون المحليات.. كيلو بامية القطة العامية".
https://x.com/NewEgypt_/status/2073984797437722818