رفضٌ اقتصاديٌّ وسخريةٌ من «المقايضة الكبرى».. طرح حسن هيكل بشأن الديون وقناة السويس يفتح جدلًا حول التفريط والخيانة

- ‎فيتقارير

بين الرفض الصريح، والسخرية، والتحذير الاقتصادي، والدعوة إلى النقاش العلمي، تكشف قضية المقايضة والديون عن فجوة واضحة بين المنظور المحاسبي للدين والمنظور السياسي والسيادي للأصول.

 

والتطور الأحدث، المتمثل في تراجع هيكل عن إدراج قناة السويس، قد يخفف جانبًا من الاعتراضات، لكنه لا يحسم السؤال الاقتصادي الأساسي: هل تستطيع «المقايضة الكبرى» أن تخفض الدين الحقيقي وتكلفته على الاقتصاد، أم أنها ستنقل الدين والأصول من خانة إلى أخرى دون أن تختفي المشكلة؟

 

وكان هيكل قد طرح تصورًا يقوم على نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة إلى البنك المركزي، مقابل نقل ما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية إلى البنك المركزي، مستندًا إلى تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» لدى بنك الاستثمار القومي.

 

لكن ذكر قناة السويس باعتبارها أحد الأصول التي يمكن أن تدخل في المعادلة فجّر موجة واسعة من الاعتراض، خصوصًا أن المعارضين رأوا أن هناك فارقًا جوهريًا بين استخدام أراضٍ أو أصول غير مستغلة في تسوية مديونية جهة حكومية وبين إدخال مرفق استراتيجي مثل قناة السويس في نقاش الديون.

 

وبينما ينظر حسن هيكل إلى المسألة من منظور إعادة ترتيب الأصول والالتزامات وتخفيف ضغط فوائد الدين على الموازنة، رأى منتقدوه أن القناة لا ينبغي أن تدخل أصلًا في معادلة مالية، حتى لو كان الحديث عن نقل ملكيتها بين مؤسسات حكومية.

 

جاء موقف المحامي عمرو عبد السلام أكثر حدة، إذ اعتبر أن مجرد طرح فكرة مقايضة قناة السويس بالديون يتجاوز النقاش الاقتصادي إلى قضية سيادية. وقال عبد السلام، إن الدعوة لبيع قناة السويس مقابل تسديد الديون تمثل، بحسب تعبيره، «خيانة»، وطالب بمحاسبة من يطرح مثل هذا التصور.

 

ونقلت القاهرة 24 @cairo24_ موقفه، في منشور جاء فيه أن الدعوة لبيع قناة السويس مقابل تسديد الديون خيانة، مع المطالبة بإقالة ومحاكمة من يطرحها إذا كان يشغل موقعًا استشاريًا لدى الحكومة.

 

ويمثل هذا الموقف أقصى درجات الرفض السياسي للمقترح، إذ لا يدخل صاحبه في تفاصيل جدوى نقل الدين من وزارة المالية إلى البنك المركزي، بل يعتبر أن إدخال قناة السويس نفسها في المقايضة أمر مرفوض قبل مناقشة أي حسابات مالية.

 

 

أما الخبير الاقتصادي ومدير أحد البنوك السابق الدكتور مدحت نافع، فاختار السخرية للتعبير عن موقفه. وقال في تعليق له: «مش ح ينفع نبيع قناة السويس لكن ممكن قوي نبيع قناة دي إم سي».

 

السخرية هنا تحمل موقفًا اقتصاديًا وسياسيًا في الوقت نفسه؛ فمدحت نافع يضع قناة السويس في مرتبة لا يصح معها التعامل معها كأصل يمكن إدخاله ببساطة في صفقة تسوية ديون، بينما يستخدم «قناة دي إم سي» للمفارقة بين أصل سيادي استراتيجي وقناة إعلامية تجارية.

 

ليست سيارة أو شقة للبيع

 

من الأصوات التي تناولت القضية بصورة مباشرة أيضًا الاقتصادية علياء المهدي، التي انتقدت إدخال قناة السويس في مقترح مبادلة الأصول بالديون. وجاء عنوان التغطية التي تناولت موقفها معبرًا عن جوهر اعتراضها: «ليست سيارة أو شقة للبيع».

 

ووجهة النظر هنا تضع التركيز على طبيعة الأصل، وليس فقط على طريقة نقله قانونيًا؛ فالقناة، وفق هذا التصور، ليست أصلًا تجاريًا عاديًا يمكن تقييمه ثم استخدامه في تسوية التزامات مالية.

 

 

ودخل المهندس الاستشاري والناشط السياسي ممدوح حمزة على خط الأزمة بموقف أكثر تصعيدًا، إذ دعا إلى وضع حسن هيكل في «عزلة كاملة» وقطع التعامل معه، بحسب ما نقلته تقارير عن تصريحاته.

 

ويأتي موقف حمزة في إطار الانتقادات الحادة التي تجاوزت مناقشة آلية المقايضة إلى الاعتراض على صاحب المقترح نفسه وطريقة طرحه لقضية تتعلق بأصول الدولة.

 

 

واختار الباحث جمال فندي @JamalFandy زاوية أكثر هدوءًا، معتبرًا أن حسن هيكل يخلط بين الرأي والمعلومة، وأن طرحه الاقتصادي يحتاج إلى كثير من المراجعة.

 

وكتب: «القضايا السيادية الكبرى لا تُناقش بالانطباعات وإنما بالمعرفة الدقيقة».

 

وهذا الموقف لا يرفض بالضرورة مبدأ إعادة هيكلة الدين، لكنه يعترض على الانتقال السريع من فكرة اقتصادية إلى طرح يتضمن أصولًا شديدة الحساسية مثل قناة السويس دون تقديم دراسة تفصيلية للرأي العام.

 

السؤال عن أموال المودعين

 

وقدم مستشار نظم المعلومات مدحت منير @medhatmounir13 اعتراضًا مختلفًا، ركز فيه على طبيعة الدين المحلي. ويرى أن الحكومة تقترض من البنوك المصرية، وأن هذه البنوك تستخدم ودائع المصريين في تمويل جانب من هذه القروض، وبالتالي فإن نقل الدين والأصول إلى البنك المركزي يثير، في رأيه، سؤالًا حول العلاقة بين أموال المواطنين والأصول الحكومية.

 

وذهب في منشوره إلى أن المقايضة قد تعني، بحسب تفسيره، أن المصريين ينقلون إلى البنك المركزي أصلًا يعتقد أنه مملوك لهم بصورة غير مباشرة، ثم يستخدم هذا الأصل في معالجة التزامات نشأت أصلًا من أموال النظام المصرفي.

 

 

وعن مستوى رد الفعل جاء تعليق عصام حامد @Ha95620297Hamed من زاوية سياسية أكثر تشككًا، وكتب أن المواطنين لا يعرفون حقيقة ما يجري بشأن الأصول، وهل هي «انباعت» أم «اتأجرت 100 سنة»، معتبرًا أن طرح حسن هيكل ربما يكون «بلونة» أُلقيت لقياس رد فعل الشارع.

 

 

وجاء اعتراض فاطمة عبدالحميد @FatmaAbdullah83 في صيغة شعبية ساخرة وقاسية، إذ قالت: «اقتراح حسن هيكل فكرني ببؤس الناس الغلابة اللي بتبيع كليتها… الفرق أنه عايز يبيع الكليتين».

 

ويعبر التعليق عن رفض شعبي شديد اللهجة للفكرة، من خلال تشبيه بيع الأصول بمعاناة المواطنين الذين يضطرون إلى التخلي عن ممتلكاتهم تحت ضغط الحاجة.

 

 

ووسط الأصوات الرافضة والساخرة، ظهر موقف مختلف لمحمد علي خير، فهو لم يعلن تأييد المقترح، لكنه اعترض على طريقة مهاجمته، مؤكدًا أنه ليس خبيرًا اقتصاديًا يستطيع الحكم على صحة أو خطأ الفكرة.

 

وقال: "إنه كان يتمنى أن يقرأ ردودًا علمية مؤيدة أو معارضة للمقترح مع توضيح الأسباب، منتقدًا تحول النقاش إلى سباب وشتائم".

 

ويمثل موقفه دعوة إلى نقل النقاش من الهجوم الشخصي إلى اختبار المقترح اقتصاديًا، سواء انتهى ذلك إلى تأييده أو رفضه.

نقل الدين لا يعني اختفاؤه

 

واستعرض تحليل موقع مدى مصر @MadaMasr الطروحات التفصيلية في الجانب النقدي، مستندًا إلى ما نشره الاقتصادي محمد رمضان.

 

وتتمثل نقطة الاعتراض الرئيسية في أن نقل الدين من وزارة المالية إلى البنك المركزي لا يعني اختفاء الالتزام، لأن أصل الدين يظل قائمًا، كما أن الفوائد لا تختفي بمجرد تغيير الجهة التي يظهر الدين في ميزانيتها.

 

ويضيف هذا الاتجاه أن إعادة هيكلة الدين قد تكون ضرورية، لكن نجاحها يحتاج إلى دراسة شاملة لآثارها على البنك المركزي والموازنة والسياسة النقدية وسعر الصرف.

 

وكان من أبرز الساخرين علاء مبارك، الذي هاجم الفكرة من زاوية سيادية بالأساس عبر حسابه على منصة إكس، وكتب: «يا صلاة النبي أحسن؛ كلام غريب من "الخبير الاقتصادي" عن المقايضة الكبرى عن نقل ملكية أصول الدولة من شركات عامة وأراضي وحتى "قناة السويس" مقابل تصفير الدين العام المحلي!».

 

ثم اعتبر أن من يطرح الفكرة يتجاهل أهمية القناة باعتبارها ممرًا عالميًا وشريانًا حيويًا ورمزًا للسيادة الوطنية، مؤكدًا أن التعامل معها كأصل اقتصادي عادي يمكن مقايضته بالدين يمثل مخاطرة كبيرة.

 

وبحسب هذا المنطق، فإن القيمة الاستراتيجية للقناة تجعل التعامل معها مختلفًا عن التعامل مع الأراضي أو الشركات التي يمكن تقييمها وبيعها أو نقل ملكيتها.

لا مقايضة لقناة السويس

 

وفي المقابل، نفت الحكومة وجود أي توجيهات لمقايضة أو رهن أو نقل ملكية قناة السويس مقابل المديونيات، مؤكدة أن تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام تمثل معالجة لحالة محددة، ولا يجوز اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.

 

وبذلك يبقى الجدل قائمًا حول «المقايضة الكبرى» باعتبارها تصورًا اقتصاديًا طرحه حسن هيكل، بينما حسمت الحكومة موقفها من النقطة الأكثر إثارة للجدل، وهي إدخال قناة السويس في مقايضة الديون.