قال الفريق عبد المنعم التراس، القائد السابق لقوات الدفاع الجوي، في لقاء إعلامي، "إن السيسي كان يريد التوصل إلى حل سلمي للاعتصام حتى ليلة الفض، وإنه كُلّف بالتواصل مع الإخوان المسلمين، وأضاف أنه لم يكن لدى الجيش مانع من ترشح الرئيس محمد مرسي مجددا، لو أعلن عن انتخابات رئاسية مبكرة قبل 30 يونيو 2013، كما تحدث عن تعهد بإخلاء سبيل مرسي إذا جرى الاتفاق على فض الاعتصام".
غير أن هذه الرواية أثارت اعتراضات وتساؤلات من شخصيات شاركت في متابعة الاتصالات خلال فترة الاعتصام، إذ رأى أصحابها أن تفاصيل الشهادة لا تبرئ القيادة العسكرية من المسؤولية، بل تطرح أسئلة بشأن الجهة التي كانت تدير القرار، ومدى جدية المفاوضات المعلنة، والأطراف التي شاركت فيها بالفعل.
وتأتي هذه التصريحات في سياق مسؤولية القيادات العسكرية والأمنية عن فض رابعة العدوية وقتل المعتصمين وحرقهم، وحرق جثثهم وإخفاء بعضها لمداراة الجريمة، حيث أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين، بين 1150 بحسب هيومن رايتس ووتش و7 آلاف بحسب بيانات تحالف دعم الشرعية، وسط مطالبات حقوقية بالتحقيق والمحاسبة، واستمرار الجدل بشأن طبيعة القرار الذي سبق العملية وكيفية تنفيذه.
وفي تصريح سابق يعود إلى 4 نوفمبر 2014، منسوب إلى السيسي بشأن "حرص الجيش على عدم إراقة الدماء"!، في حين سقط أعداد كبيرة من القتلى خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة وما أعقبهما من أحداث، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش "إنها جرائم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية".
رواية التراس تكشف صاحب القرار الحقيقي
وقال الدكتور مراد علي، @mouradaly "إنه كان موجودا في غرفة عمليات رابعة طوال فترة الاعتصام، تعليقا على شهادة التراس، تناول فيه ما اعتبره تناقضا بين محاولة تقديم السيسي باعتباره ساعيا إلى حل سلمي، وبين الرواية التي تشير إلى متابعته الاتصالات قبيل بدء الفض".
وقال علي: "إنه لم يسمع خلال فترة الاعتصام باسم عبد المنعم التراس ضمن الشخصيات التي كانت تتولى التفاوض، موضحا أنه تواصل مع عدد ممن شاركوا في تلك الأحداث وما زالوا خارج السجون، وسألهم عنه، وإن من تحدث إليهم نفوا التواصل معه، بينما لم يكن معظمهم يعرفونه"، بحسب روايته.
وطرح علي سؤالا مباشرا على التراس بشأن هوية الأشخاص الذين تفاوض معهم تحديدا، مطالبا بتقديم دليل على المفاوضات التي قال "إنها استمرت حتى الساعات الأخيرة قبل الفض".
وفيما يتعلق بقرار العملية، قال علي "إن التراس ذكر أن السيسي اتصل به قبل بدء الفض بنحو ساعة، ليستفسر عن نتائج الاتصالات مع المعتصمين". واعتبر أن صحة هذه الرواية تثير تساؤلات بشأن دور وزير الدفاع آنذاك في إدارة العملية ومتابعتها، كما تساءل عن دور النائب العام ورئيس الوزراء حازم الببلاوي والرئيس المؤقت عدلي منصور في إصدار القرار والإشراف عليه.
وأضاف أن رواية التراس، بدلا من أن تنفي مسؤولية السيسي، تقدم قرينة على أن القيادة العسكرية كانت تتابع تفاصيل المشهد حتى اللحظات الأخيرة، وفق تقديره.
وأشار علي كذلك إلى رواية الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية حينها، بشأن التوصل إلى اتفاق مع قيادات الاعتصام، قبل أن يجري الفض، وهي الرواية التي ربطها باستقالة البرادعي من منصبه يوم العملية.
وفي تقييمه لطبيعة الاعتصام، قال علي إن قرار الاعتصام في رابعة يوم 28 يونيو 2013 كان سليما من حيث المبدأ، لكنه وصف اختيار الموقع بأنه خطأ تكتيكي جسيم، بسبب سهولة تطويقه وحساسية موقعه الأمنية، كما أقر بوجود قصور في قراءة المشهد السياسي والعسكري، وقال "إنه لم يتصور أن تصل الأمور إلى هذا المستوى من سفك الدماء".
ونقل علي عن الصحفي ياسر رزق، الذي وصفه بأنه كان مقربا من وزير الدفاع حينها، قوله قبل الفض "إن الجيش لا يمانع في قتل ما بين «عشرة إلى خمسة عشر ألفًا» من المعتصمين مقابل استعادة ما سماه «استقرارًا»"، وأوضح علي أنه لم يصدق ذلك التصريح في حينه، قبل أن يعتبر ما حدث لاحقا دليلا على أن مخاطر العنف لم تكن مستبعدة من حسابات بعض الأطراف.
واختتم علي طرحه بالتأكيد على أن تحديد المسؤوليات يتطلب فتح الملفات كاملة، وعدم الاكتفاء بروايات غير موثقة أو شهادات لا تجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بالقرار والتنفيذ والمحاسبة.
شهادة تدين صاحبها والسيسي
وفي سياق التعليقات على تصريحات التراس، نشر الكاتب الصحفي قطب العربي ردا قال فيه "إن شهادة عضو المجلس العسكري السابق لا تبرئ السيسي، بل تثير تساؤلات عن رفض التواصل مع الإخوان وعن مصير التفاهمات التي جرت خلال الأزمة".
وكتب العربي أن التراس، وفقا لروايته، أشار إلى محاولات من جانب الإخوان للتواصل معه، لكنه رفض لقاءهم، متسائلا عن الجهة التي رفضت التفاهمات التي قال "إنها تمت بمعرفة البرادعي بهدف تخفيف الاعتصام تدريجيا، مقابل الإفراج عن بعض القيادات من السجن".
وأضاف أن هذه التفاصيل تستدعي تحديد الطرف الذي اتجه إلى المواجهة، والطرف الذي كانت لديه القدرة على إيقافها أو منع تحولها إلى عملية دامية.
ونشر العربي تعليقه عبر حسابه على منصة إكس، مرفقا برابط المنشور الأصلي.
https://x.com/kotbelaraby/status/2108894019677745616
الفض وزيارة السيسي إلى روسيا
من جانبه، أثار عبدالحميد قطب مسألة توقيت اتخاذ قرار فض اعتصام رابعة، مشيرا إلى أن العملية جاءت، وفق ما ذكره، بعد يوم واحد من زيارة السيسي إلى روسيا.
وقال قطب: "إن هذا التوقيت يعزز، في تقديره، ما ورد في تقارير عن اتخاذ القرار في موسكو، كما أشار إلى تقارير تتحدث عن مشاركة قوات تابعة لمجموعة فاغنر في عملية الفض".
وتظل هذه الادعاءات المتعلقة بمكان اتخاذ القرار والمشاركة الروسية بحاجة إلى أدلة مستقلة وموثقة تحدد طبيعة الدور المزعوم وأطرافه، في ظل استمرار الجدل بشأن الظروف التي سبقت العملية.
https://x.com/AbdAlhamedkotb/status/2108998339798675623
لا تبرير سياسي أو أمني للقتل الجماعي
وفي موقف منفصل، أكد د. طارق الزمر @drtarekelzomorالقيادي بالجماعة الإسلامية ومدير (مركز حريات للدراسات) إن قرار فض اعتصامي رابعة والنهضة، وما سبقه وما لحق به من أحداث دامية، لا يمكن تبريره بأي ذريعة سياسية أو أمنية، مشددا على أن واجب الدولة حماية المواطنين، لا قتلهم.
وقال الزمر: "إن التفوق التنظيمي والإمكانات الكبيرة التي تمتلكها الدولة مقارنة بالمعتصمين المدنيين تفرض مسؤولية أكبر على مؤسساتها لتجنب إراقة الدماء، وتتيح لها إدارة الموقف عبر التفاوض والوساطة وخفض التوتر".
وأضاف أن استخدام القوة ينبغي أن يخضع لمبادئ الضرورة والتناسب وحماية الحياة، وأن إنهاء الاعتصام لا يمنح السلطات تفويضا بالقتل أو العقاب الجماعي.
وتساءل الزمر عن الجهات التي درست البدائل، وقدرت العواقب، واعترضت على القرار، وكيف أصبح الثمن البشري مقبولا لدى من أصدروا الأوامر، كما دعا إلى كشف موثق لأدوار الجهات الإقليمية التي قال إنها دعمت هذا المسار.
وشدد على أن إغلاق الملف لا يتحقق بالإنكار، وإنما بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإنصاف الضحايا ومحاسبة من قرر ونفذ وغطى الانتهاكات.
شهادات الناجين والأطقم الطبية
وتتضمن الروايات المتداولة عن أحداث 14 أغسطس 2013 شهادات لمعتصمين وأطقم طبية تحدثوا عن إطلاق نار كثيف، واقتحام الميدان باستخدام مركبات مدرعة، وإشعال النيران في الخيام، فضلا عن صعوبات واجهت علاج المصابين ونقلهم إلى المستشفيات.
وفي شهادة نشرتها الصحفية شيرين عرفة @shirinarafah ، قال أحد الناجين "إنه كان موجودا في ميدان رابعة منذ بداية الاعتصام وحتى يوم الفض، وإن المعتصمين أجروا استعدادات محدودة تحسبا لاقتحام قوات الأمن، شملت وضع شكائر الرمل وبراميل المياه عند الخيام".
وأضافت الشهادة أن قوات الجيش والشرطة حاصرت الميدان منذ ساعات الفجر، وأن إطلاق النار بدأ قرابة الساعة السابعة إلا ربعا صباحا، قبل دخول المجنزرات والدبابات والسيارات المصفحة، وتجريف الخيام وإشعال النيران فيها.
وتحدثت الشهادة أيضا عن قناصة في مواقع مرتفعة وطائرات مروحية في سماء الميدان، وعن سقوط قتلى ومصابين بأعداد كبيرة، وصعوبة التعامل مع القنابل المسيلة للدموع والاختناق الذي أصاب بعض المعتصمين.
كما نقلت عرفة شهادة طبيبة شاركت في علاج المصابين داخل المستشفى الميداني، تحدثت فيها عن تزايد أعداد القتلى والجرحى، وتعذر وصول بعض المستلزمات الطبية، واضطرار الأطباء إلى اتخاذ قرارات بالغة الصعوبة بشأن فرص إنقاذ المصابين.
وتضمنت الشهادة اتهامات بقتل مصابين داخل المستشفى الميداني وإحراقه لاحقا، إلى جانب إحراق المسجد وخيام المعتصمين، وهي اتهامات تستدعي التحقيق في الوقائع المحددة وتحديد المسؤولية عنها، في ضوء الأدلة والشهادات المتاحة.
وأشارت عرفة إلى تقرير مصور لقناة الجزيرة بعنوان «شهادة على مذبحة رابعة»، تضمن روايات مسعفين عن طبيعة الإصابات التي تعاملوا معها، وما وصفوه من جروح بالغة ناجمة عن إطلاق النار.
وتفاوتت التقديرات المتداولة لأعداد القتلى في أحداث الفض، فيما وثقت منظمات حقوقية سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، كما تحدثت تقارير عن آلاف المصابين. ولا تزال المطالبات بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين جزءا أساسيا من الجدل الحقوقي والسياسي حول تلك الأحداث.
نقطة سوداء في تاريخ الجيش
وفي الذكرى السنوية لأحداث رابعة، نشر الباحث المتخصص في الشأن العسكري محمود جمال في 13 أغسطس 2021 تعليقا انتقد فيه مشاركة قوات الجيش المصري في عمليات فض الاعتصامات، معتبرا أنها شكلت نقطة سوداء في تاريخ المؤسسة العسكرية.
وقال جمال @mahmoud14gamal "إن إطلاق الجيش النار على مواطنين بسبب خلافات سياسية يمثل انحرافا عن الدور الذي يفترض أن تضطلع به المؤسسة العسكرية، مؤكدا أن آثار الأحداث ستظل حاضرة في الذاكرة العامة".
ويعكس هذا الموقف جانبا من الانتقادات الموجهة إلى المجلس العسكري والقيادات التي أدارت المرحلة التي أعقبت الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وهي انتقادات تركز على استخدام القوة ضد المعارضين، وحدود تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، والمسؤولية عن حماية المدنيين.
وتبقى المطالبة بالحقيقة والمحاسبة وإنصاف الضحايا محور المطالبة العامة في أحداث رابعة، في ظل استمرار تقديم روايات معلب في الشؤون المعنوية ومقدمة لجمهور محدد وتناول جديد هدفه إشغال الرأي العام من جديد بقضايا محسومة ومحسوم فاعلها، وتبقى المسؤولية السياسية والعسكرية والأمنية عن واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ مصر الحديث.