بعد حبس مواطن بسبب أغنية تطالب المنقلب بالرحيل.. حملة إلكترونية لتمديد حكم السيسي حتى 2050.!!

- ‎فيتقارير

في مشهد يعكس التباين بين حملات التأييد الإلكتروني للسلطة والملاحقة الأمنية لأصوات معارضة، أطلق موقع إلكتروني مجهول القائمين عليه حملة توقيعات تدعو إلى تمديد المنقلب السفيه حكم عبد الفتاح السيسي حتى عام 2050، بالتزامن مع احتجاز مواطن وحبسه احتياطيًا على خلفية نشر أغنية عبر موقع «يوتيوب» تطالب الرئيس بالرحيل، وفقًا لما وثقته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان.

وتعيد الحملة الجديدة إلى الأذهان حملات التأييد التي سبقت الانتخابات الرئاسية وتعديلات الدستور خلال السنوات الماضية، بدءًا من حملة «كمل جميلك» عام 2014، مرورًا بحملة «عشان تبنيها» عام 2017، وصولًا إلى تعديلات 2019 الدستورية التي سمحت للسيسي بالاستمرار في الحكم حتى عام 2030.

لكن الدعوة الجديدة تتجاوز الإطار الدستوري القائم، إذ تستهدف بقاء الرئيس في السلطة لعشرين عامًا إضافية بعد انتهاء ولايته الحالية، بينما تكشف واقعة حبس المواطن محمد عيسى إبراهيم علي عن المخاطر التي قد تواجه التعبير المعارض، وفقًا لما أوردته المنظمة الحقوقية.

 

موقع مجهول يدعو إلى استمرار الحكم حتى 2050

بحسب بيانات تتبع نطاقات المواقع الإلكترونية، أُطلق موقع الحملة «sisi2050.com» في 19 سبتمبر الماضي. ويعرّف القائمون عليه المبادرة بأنها "مدنية مستقلة" لجمع التأييدات وتقديمها إلى مجلسي النواب والشيوخ، مع التأكيد أنها لا تتبع جهة حكومية، دون الكشف عن هويات المسئولين عنها.

وتبرر الحملة دعوتها بما تصفه بأنه "تحديات غير مسبوقة واستهداف مباشر لأمن واستقرار مصر"، معتبرة أن المرحلة الراهنة تتطلب استكمال ما بدأه السيسي من مشروعات وإنجازات، ومواجهة ما تسميه «حربًا مكتملة الأركان» ومخططات لإسقاط الدول.

وتدعو الرسالة المنشورة على الموقع إلى إصدار قانون استثنائي يسمح باستمرار السيسي في الحكم، مستندة إلى ما تصفه بـ"الخطر الوجودي"

غير أن الحملة تستخدم في رسالتها تسميات برلمانية لم تعد قائمة، مثل "مجلس الشعب" و"مجلس الشورى"، بدلًا من مجلسي النواب والشيوخ وفق التسمية الدستورية الحالية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن دقة الصياغة القانونية التي تستند إليها المبادرة.

 

29 ألف مؤيد… أرقام لا تكفي لإثبات حجم التأييد

يعرض الموقع عدادًا يشير إلى تسجيل نحو 29 ألف مؤيد خلال الأسابيع الأولى من إطلاق الحملة، إلى جانب بيانات عن الفئات العمرية والمحافظات، تظهر تصدر الفئة العمرية من 25 إلى 34 عامًا لقائمة المشاركين وفقًا لإحصاءات المنصة.

كما يعرض الموقع توزيعًا للتأييدات بحسب الانتماء الحزبي، يتصدره حزبا «مستقبل وطن» و«حماة الوطن»، بواقع 46 و24 تأييدًا على التوالي، إلى جانب أرقام محدودة منسوبة إلى أحزاب أخرى، بينها «الجبهة الوطنية» و«النور»، وأسماء أحزاب مدنية ومعارضة.

لكن هذه الأرقام لا تمثل دليلًا موثوقًا على انتماء المشاركين إلى الأحزاب المذكورة؛ إذ لا يطلب نموذج التسجيل تقديم بطاقات عضوية أو مستندات تثبت الانتماء الحزبي، ويكتفي بإتاحة كتابة اسم الحزب في خانة اختيارية.

ويطلب النموذج بيانات تشمل الاسم والرقم القومي ورقم الهاتف والبريد الإلكتروني والمحافظة والفئة العمرية، ما يثير بدوره تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع البيانات الشخصية، والجهة المسئولة عن جمعها وحفظها، والضمانات المتاحة لحمايتها.

وفي قسم مخصص للشفافية، يقر القائمون على الحملة بصعوبة التحقق الكامل من هوية المشاركين، موضحين أن النظام يمنع تكرار استخدام البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف، لكنه لا يضمن أن كل تسجيل يعود إلى شخص مختلف فعليًا.

ويصف القائمون على الموقع الأرقام المعروضة بأنها أقرب إلى "مناشدة رمزية لاستكمال الحكم"، وهو إقرار يضع حدودًا واضحة لما يمكن استنتاجه من عداد التأييدات، ويجعل من غير الممكن اعتبار الأرقام المنشورة قياسًا مستقلًا لحجم التأييد الشعبي لتمديد الحكم حتى 2050.

 

الدستور لا يسمح بتمديد الولاية عبر قانون عادي

تتعارض الدعوة إلى استمرار السيسي في الحكم حتى عام 2050 مع الإطار الدستوري الحالي، الذي يحدد مدة الرئاسة بست سنوات، ويقصر تولي المنصب على مدتين رئاسيتين، وفق المادة 140 من الدستور بعد تعديلها عام 2019.

وقد أتاحت التعديلات الدستورية للسيسي الاستمرار في الحكم لولاية إضافية تنتهي رسميًا عام 2030، باعتبارها استثناءً انتقاليًا مرتبطًا بالرئيس القائم وقت إقرار التعديلات.

وبالتالي، فإن تمديد الحكم إلى ما بعد عام 2030 لا يمكن إقراره بمجرد إصدار قانون عادي أو استثنائي؛ إذ يتطلب تغيير القواعد الدستورية المنظمة لمدة الرئاسة وحدود تولي المنصب، وفق الإجراءات المنصوص عليها في الدستور، بما فيها إجراءات التعديل والاستفتاء الشعبي.

وتثير الحملة، بهذا المعنى، سؤالًا يتجاوز جمع التوقيعات الإلكترونية: هل تمثل الأرقام المنشورة مجرد مبادرة دعائية رمزية، أم أنها محاولة لتهيئة المجال العام لمطلب سياسي يستلزم تغييرًا دستوريًا جديدًا؟

ولا تقدم البيانات المعروضة على الموقع وحدها ما يكفي للإجابة عن هذا السؤال أو إثبات وجود دعم حزبي منظم للحملة.

 

حبس محمد عيسى بعد أغنية تطالب برحيل السيسي

على الجانب الآخر، قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس المواطن محمد عيسى إبراهيم علي احتياطيًا لمدة 15 يومًا، على ذمة القضية رقم 8031 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بعد نشره أغنية عبر «يوتيوب» تطالب برحيل السيسي، وفقًا للجبهة المصرية لحقوق الإنسان. وقالت المنظمة إن قرار الحبس جاء بعد فترة احتجاز وإخفاء قسري استمرت 85 يومًا، بحسب توثيقها للواقعة.

ووفقًا للجبهة، واجه عيسى اتهامات تشمل "إذاعة أخبار وبيانات كاذبة"، و"إساءة استخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي"، و"الترويج لأفكار جماعة إرهابية"

وأوضحت المنظمة أن قوة أمنية ألقت القبض عليه من منزله في 22 يونيو الماضي، واقتادته إلى أحد مقار الأمن الوطني في الإسكندرية، قبل نقله لاحقًا إلى مقر آخر في مدينة الشيخ زايد.

وبحسب روايتها، ظل عيسى محتجزًا بمعزل عن العالم الخارجي، دون عرضه على جهة قضائية، حتى ظهوره أمام نيابة أمن الدولة للتحقيق معه في القضية المتعلقة بمقطع الفيديو الغنائي.

وتثير هذه الوقائع، إذا ثبتت تفاصيلها، مخاوف حقوقية تتعلق بضمانات الحرية الشخصية، وحق المحتجز في معرفة أسباب احتجازه، والعرض على جهة قضائية، فضلًا عن حدود تجريم التعبير السياسي السلمي عبر الإنترنت.

ولم تتضمن المعلومات الواردة في توثيق المنظمة ردًا رسميًا من سلطات الانقلاب  على ادعاءات الإخفاء القسري أو ملابسات القبض على عيسى.

 

تأييد إلكتروني للحكم.. وملاحقة قضائية لصوت معارض

تجمع الواقعتان بين مسارين متباينين في المجال العام المصري: حملة إلكترونية تدعو إلى استمرار السيسي في الحكم حتى 2050، وتعرض أرقامًا غير مستقلة عن حجم التأييد لها، ومواطن يواجه الحبس الاحتياطي بسبب محتوى غنائي ينتقد الرئيس، وفقًا لما أعلنته منظمة حقوقية.

ولا تثبت الأرقام المنشورة على موقع الحملة وجود تأييد شعبي واسع أو منظم لتمديد الحكم، كما أن واقعة الحبس، وفقًا لما أوردته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، تطرح أسئلة بشأن ضمانات حرية التعبير والإجراءات القانونية المتبعة في التعامل مع المعارضين.

وبين الدعوات إلى تمديد الحكم لعقود إضافية والملاحقة الأمنية لمحتوى ينتقد الرئيس، تبقى معايير الشفافية في جمع التأييدات، وحماية البيانات الشخصية، وضمان الحق في التعبير السلمي، عناصر أساسية لتقييم مدى اتساع المجال العام أمام المصريين للتأييد والمعارضة على السواء.