فساد حكومي.. مستشارون ومساعدون بأجور تصل إلى مئات الآلاف و 437.5 مليون جنيه من الموازنة لمناصب الحكومة

- ‎فيتقارير

مخصصات المستشارين ومساعدي ومعاوني الوزراء تقفز من 195.8 مليون جنيه إلى 437.5 مليونًا خلال خمس سنوات.. ونواب يطالبون بحصر شامل للأعداد والأجور ومراجعة جدوى هذه المناصب

في وقت تتصاعد فيه الضغوط المعيشية على المصريين، وتتزايد المطالب بترشيد الإنفاق العام وتوجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية، يفتح ملف المستشارين ومساعدي ومعاوني الوزراء في حكومة الانقلاب  أسئلة متجددة بشأن حجم هذه الفئة، وطبيعة المهام التي تؤديها، والأجور والمكافآت التي تحصل عليها من المال العام.

وتكشف المخصصات المدرجة في الموازنة العامة للدولة عن ارتفاع الإنفاق على هذه المناصب من 195.8 مليون جنيه في العام المالي 2022/2023 إلى 437.5 مليون جنيه في موازنة 2026/2027، بزيادة تتجاوز 123% خلال خمس سنوات، وفقًا للأرقام الواردة في البيانات المتاحة.

وتتوزع مخصصات العام المالي الجديد بين 281.5 مليون جنيه للمستشارين، و156 مليون جنيه لمساعدي ومعاوني الوزراء، فضلًا عن تخصيص 65.1 مليون جنيه لمكافآت الخبراء الوطنيين، بما يوسع نطاق التساؤلات بشأن آليات الاستعانة بالخبرات داخل الجهاز الإداري للدولة، ومعايير تحديد المقابل المالي لكل منصب.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع تداول أرقام عن حصول بعض مساعدي الوزراء على مستحقات شهرية تقترب من ثلث مليون جنيه، في مقابل مطالب برلمانية بالكشف عن الأعداد الفعلية لشاغلي هذه المناصب، وأجورهم، ومدى ارتباطها بمهام واضحة ونتائج قابلة للتقييم.

 

مخصصات تتضاعف خلال خمس سنوات

تظهر الأرقام المتاحة اتجاهًا تصاعديًا في مخصصات المستشارين ومساعدي ومعاوني الوزراء خلال السنوات المالية الأخيرة، فى عمر نظام الانقلاب ، بما يعكس زيادة الأعباء المالية المرتبطة بهذه البنود.

ففي العام المالي 2022/2023، بلغت مخصصات المستشارين 139 مليون جنيه، ومخصصات مساعدي ومعاوني الوزراء 56.8 مليون جنيه، بإجمالي 195.8 مليون جنيه.

وارتفع الإجمالي إلى 258.3 مليون جنيه في 2023/2024، موزعة بين 175 مليون جنيه للمستشارين و83.3 مليونًا لمساعدي ومعاوني الوزراء. ثم بلغ 319.6 مليون جنيه في 2024/2025، منها 223 مليون جنيه للمستشارين و96.6 مليونًا للمساعدين والمعاونين.

وفي موازنة 2025/2026، وصلت المخصصات إلى 351.9 مليون جنيه، بواقع 238 مليون جنيه للمستشارين و113.9 مليونًا لمساعدي ومعاوني الوزراء.

أما في موازنة 2026/2027، فقد ارتفع الإجمالي إلى 437.5 مليون جنيه، موزعة بين 281.5 مليون جنيه للمستشارين و156 مليونًا لمساعدي ومعاوني الوزراء.

وبالمقارنة مع مخصصات 2022/2023، ارتفع الإنفاق المدرج لهذين البندين بنحو 241.7 مليون جنيه، أي ما يزيد على 123%، خلال خمس سنوات.

ولا تكفي هذه الأرقام وحدها لتحديد أسباب الزيادة، أو معرفة ما إذا كانت ناتجة عن ارتفاع أعداد المستشارين والمساعدين، أو تغير مستويات أجورهم، أو التوسع في المهام المسندة إليهم. لكن غياب البيانات التفصيلية المنشورة بشأن الأعداد والأجور وتوزيعها على الوزارات يجعل تقييم كفاءة هذا الإنفاق أكثر صعوبة.

 

أجور شهرية تتجاوز 300 ألف جنيه

تظهر بعض تفاصيل ملف الأجور في وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، حيث تشير المعلومات المتاحة إلى حصول أحد مساعدي الوزير على مستحقات شهرية تبلغ 332 ألف جنيه، فيما يحصل أربعة آخرون على 299 ألفًا و660 جنيهًا شهريًا لكل منهم.

وتضم القائمة أمجد منير، ومحمد عادل عبد الرحمن، وسعيد رمضان عرفة، وشريف يحيى عبد الغني، وعلي عادل فهيم محمد عزب.

وتشير المعلومات الواردة إلى ارتباط محمد عادل عبد الرحمن وشريف يحيى عبد الغني بهيئة الرقابة المالية، فيما عمل سعيد رمضان عرفة بالبورصة المصرية، ثم هيئة الرقابة المالية ووزارة قطاع الأعمال العام، قبل انتقاله إلى مكتب وزير الاستثمار.

وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن الأسس التي تحدد المقابل المالي لشاغلي المناصب الاستشارية والتنفيذية المساعدة، ومدى ارتباط الأجر بطبيعة المسئوليات والخبرات المطلوبة، وما إذا كانت هناك معايير موحدة أو ضوابط معلنة للمقارنة بين الوزارات المختلفة.

ولا تعني هذه الأرقام، في حد ذاتها، أن جميع المستشارين أو المساعدين يحصلون على أجور مماثلة؛ لكنها تبرز أهمية إتاحة بيانات رسمية توضح نطاق المستحقات المالية، وأسس تحديدها، ومصادر صرفها.

 

خريطة واسعة للمناصب داخل الوزارات

لا يقتصر وجود المستشارين والمساعدين والمعاونين على وزارة بعينها، بل تمتد هذه المناصب إلى قطاعات حكومية متعددة، وتشمل تخصصات قانونية ومالية وطبية وتعليمية وتخطيطية، إلى جانب ملفات العلاقات الدولية والتحول الرقمي والتطوير المؤسسي.

ففي وزارة الصحة، يتولى أحمد الجوهري منصب مستشار الوزير للمعاهد الفنية والتعليم الطبي المستمر، ومحمد المنشاوي منصب المستشار القانوني، فيما يتولى أحمد محمد مصطفى مهام مستشار قوائم الانتظار ورئيس العمليات.

وفي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يشغل ياسر رفعت منصب مستشار الوزير للتخطيط والحوكمة وسياسات وتطبيقات البحث العلمي، بينما يتولى عاطف عمر منصب المستشار القانوني.

أما وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، فتضم قائمة المستشارين خالد عبد الحكم، مستشار شئون الامتحانات والمشرف على الإدارة المركزية لشئون الامتحانات، والسفير ياسر عثمان، مستشار العلاقات الدولية والاتفاقيات، والسفير صلاح عبدالصادق، مستشار العلاقات الدولية، إلى جانب أحمد الجوهري، مستشار الوزير، ونيفين حمودة، مستشار العلاقات الاستراتيجية والمشرف على المدارس المصرية اليابانية.

وفي وزارة الزراعة، يشغل اللواء أمجد سعدة منصب مساعد الوزير للشئون المالية والإدارية، ومجدي عبدالله منصب مستشار شئون قطاع مكتب الوزير.

وتضم وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية محمد فتحي صقر، مستشار إعداد الخطة، وأحمد عاشور، مستشار الحسابات القومية، وإسماعيل يوسف، كبير مستشاري الوزير لتنفيذ ومتابعة الخطة، ومعتز يكن، مستشار تمويل البنية الأساسية والتنمية.

كما تشمل القائمة أمجد سعيد، المستشار القانوني لوزارة الكهرباء، وإيهاب عبد العاطي، المستشار القانوني لوزير العمل، ويحيى الروبي، مستشار وزير البترول للشئون القانونية، وحسين الغزاوي، مستشار وزير الصناعة لشئون الطاقة.

وفي وزارة السياحة والآثار، تتولى رنا جوهر منصب مستشار التواصل والعلاقات الخارجية والمشرف العام على الإدارة العامة للعلاقات الدولية والاتفاقيات.

أما على مستوى مساعدي ومعاوني الوزراء، فتضم وزارة الصناعة أيمن البياع، مساعد الوزير للتحول الرقمي، ومحمد سامي، مساعد الوزير للشئون الاستراتيجية، ومحمد زادة، مساعد الوزير للصناعات الاستراتيجية، وأحمد مغاوري، مساعد الوزير للتعاون الدولي، وباسل عرفات، معاون الوزير.

وفي وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ورد اسما محمد عياد، مساعد الوزير للتواصل الإعلامي والمعلومات، وسعيد عرفة، مساعد الوزير.

وتشمل الأسماء الواردة أحمد كمال ومحمد شتا وأحمد أبو الغيط، مساعدي وزير التموين، وعيسى كمال، معاون الوزير للرقابة، وأحمد نبيل، معاون وزير السياحة والآثار للطيران والمتابعة، ومحمد فتحي، معاون وزير النقل للنقل البحري، وعمرو علام، مساعد وزير التعليم العالي للتطوير المؤسسي، وحسام عبد الغفار، مساعد وزير الصحة للتطوير المؤسسي، وهشام فاروق، مساعد وزير الاتصالات للتطوير التكنولوجي.

كما تضم القائمة عبد الله حسن ومحمود أبو العزايم، مساعدي وزير الأوقاف، وهبة عبد المنعم، مساعد وزير التخطيط لشئون التنمية البشرية والاجتماعية، ومحمد دعبيس، مساعد وزير الكهرباء.

وتكشف هذه القائمة عن تنوع واسع في المسميات والتخصصات، لكنها لا تمثل، في غياب حصر رسمي شامل، تعدادًا نهائيًا لجميع شاغلي هذه المناصب في الحكومة، كما لا تتيح وحدها تحديد التكلفة الإجمالية لكل وزارة أو مقارنة الأجور بالمهام الفعلية.

 

نواب يطالبون بحصر شامل ومراجعة الإنفاق

أعاد ملف المستشارين ومساعدي المسئولين طرح تساؤلات داخل البرلمان بشأن اتساع هذه المناصب في مؤسسات الدولة، ومدى الحاجة إلى بعضها، والضوابط المنظمة للاستعانة بأصحاب الخبرات من خارج الهيكل الوظيفي المعتاد.

وقال حسام الخشت، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، إن الملف مطروح منذ سنوات، وإن المسميات الوظيفية شهدت تغيرات بمرور الوقت، من مستشارين إلى مساعدين ومعاونين.

واستشهد بوجود 15 مساعدًا ومعاونًا لرئيس الهيئة العامة للصوامع، معتبرًا أن هذا المثال يطرح تساؤلات بشأن مدى التوسع في إنشاء هذه المناصب داخل الجهات الحكومية.

من جانبها، دعت سولاف درويش، عضو لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إلى إجراء حصر شامل للمستشارين وأجورهم، مشيرة إلى تفاوت كبير في المستحقات المالية بين بعض شاغلي هذه المناصب والعاملين في الجهاز الإداري للدولة.

وقالت إن بعض المستشارين يحصلون، بحسب تقديرها، على 400 ألف جنيه شهريًا، بينما لا تتجاوز رواتب بعض العاملين 5 آلاف جنيه، مضيفة أن اللجنة طلبت في وقت سابق بيانات بشأن الملف دون أن تتلقى استجابة، وفقًا لتصريحاتها.

أما إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، فيرى أن نظام الاستعانة بالمستشارين يحتاج إلى مراجعة شاملة تستهدف ترشيد الإنفاق وتعزيز الشفافية.

وأشار إلى أن غياب البيانات التفصيلية يحول دون تقييم الحاجة الفعلية إلى هذه المناصب، أو معرفة مدى تناسب تكلفتها مع المهام التي يؤديها شاغلوها.

وتتجاوز المطالب البرلمانية، بذلك، مجرد الاعتراض على ارتفاع بعض الأجور؛ إذ تتعلق بضرورة معرفة حجم الجهاز الاستشاري في الدولة، وطبيعة التعاقدات التي تحكم عمل أفراده، ومدى خضوعهم لقواعد معلنة بشأن التعيين والمكافآت وتقييم الأداء.

 

تفاوت الأجور يثير أسئلة العدالة الاجتماعية

على مواقع التواصل الاجتماعي، امتدت المناقشات إلى التساؤل عن جدوى التوسع في الاستعانة بالمستشارين، ومدى تناسب المقابل المالي الذي يحصلون عليه مع أوضاع العاملين في الدولة وأصحاب المعاشات.

واستعاد منير زهران، الذي قال إنه عمل مستشارًا لوزير الخارجية خلال عامي 1999 و2000 بعد بلوغه سن المعاش، تجربته، مشيرًا إلى أنه كان يحصل على مكافأة شهرية قدرها ألف جنيه.

وانتقد عبدالرازق دويك التوسع في الاستعانة بالمستشارين، بينما ربط رجب سليمان بين الإنفاق على هذه المناصب ومستويات المعاشات التي يحصل عليها المواطنون.

واعتبر خالد حسن أن بعض هذه المناصب قد ترتبط بمصالح خاصة أو تقتصر على فئات محددة، فيما أثار محمد زهير تساؤلات بشأن معايير الاختيار، متضمنة تلميحات إلى احتمال استفادة أبناء أو أحفاد مسؤولين من هذه المناصب، وهي مزاعم تحتاج إلى أدلة وبيانات رسمية قبل التحقق منها.

كما تساءل ممدوح سامي عن طبيعة المهام التي يؤديها المستشارون، ومدى وضوح دور الجهات الرقابية والبرلمان في متابعة هذا الملف.

وتعكس هذه المناقشات اتساع الفجوة بين الأرقام المتداولة عن مستحقات بعض شاغلي المناصب الاستشارية، وبين ما يتقاضاه قطاع من العاملين في الدولة، لكنها تؤكد أيضًا الحاجة إلى الفصل بين الوقائع الموثقة والانطباعات أو الاتهامات التي لا يمكن حسمها من دون بيانات معلنة.

 

65.1 مليون جنيه لمكافآت الخبراء الوطنيين

إلى جانب مخصصات المستشارين ومساعدي ومعاوني الوزراء، تتضمن موازنة العام المالي 2026/2027 مبلغ 65.1 مليون جنيه لمكافآت الخبراء الوطنيين.

ويطرح هذا البند بدوره أسئلة بشأن طبيعة الخبرات التي تستعين بها الحكومة، ومعايير اختيار أصحابها، والجهات المستفيدة، ومدى ارتباط المكافآت بنتائج محددة أو مهام مؤقتة لا تتوافر داخل الجهاز الإداري للدولة.

فالاستعانة بالخبرات المتخصصة قد تكون ضرورة في بعض الملفات الفنية المعقدة، ولا سيما عندما تحتاج المؤسسات إلى مهارات غير متاحة لديها. لكن هذه الضرورة لا تلغي أهمية الشفافية في تحديد الحاجة إلى الخبراء، والإعلان عن طبيعة مهامهم، وضمان عدم تحول المناصب الاستشارية إلى مسار موازٍ للتوظيف الحكومي، يفتقر إلى وضوح المعايير والمساءلة.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بحجم المخصصات المالية، بل أيضًا بمدى كفاءة الإنفاق العام، وقدرة الجهات الرقابية والبرلمان على متابعة أوجه الصرف، وتحديد ما إذا كانت الأموال المخصصة لهذه المناصب تحقق عائدًا ملموسًا على أداء المؤسسات والخدمات المقدمة للمواطنين.

 

غياب البيانات يحول دون تقييم التكلفة والعائد

تكشف الأرقام المتاحة عن ارتفاع ملحوظ في مخصصات المستشارين ومساعدي ومعاوني الوزراء خلال خمس سنوات، بينما تشير الأمثلة الخاصة بالأجور إلى وجود مستحقات شهرية مرتفعة لبعض شاغلي هذه المناصب. غير أن الصورة الكاملة تظل غير مكتملة في غياب حصر رسمي يوضح العدد الإجمالي، والتوزيع على الوزارات والهيئات، والأجور والمكافآت، وطبيعة التعاقدات، والمهام المسندة إلى كل شخص.

ويحتاج تقييم هذا الملف إلى نشر بيانات قابلة للمراجعة، تشمل أعداد شاغلي المناصب الاستشارية والمساعدة في كل جهة حكومية، والتكلفة السنوية الإجمالية، ومعايير تحديد المقابل المالي، ومدة التعاقد، ومؤشرات قياس الأداء، إلى جانب توضيح أسباب الاستعانة بخبراء من خارج الهياكل الوظيفية القائمة.

كما يتطلب الأمر التمييز بين المستشارين المتفرغين، والخبراء الذين تستعين بهم الدولة لفترات محددة، وأصحاب المهام الفنية المتخصصة، حتى لا تتحول الأرقام الإجمالية إلى أداة للمقارنة غير الدقيقة بين وظائف تختلف طبيعتها ومسؤولياتها.

وفي ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة، تصبح الشفافية بشأن هذه النفقات جزءًا من المساءلة عن المال العام، لا مجرد مطلب إعلامي أو سجال على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالسؤال الأساسي ليس ما إذا كانت الدولة تحتاج إلى مستشارين وخبراء، بل كيف تختارهم، وكم تدفع لهم، وما الذي ينجزونه مقابل هذه الأموال. ومن دون إجابات موثقة عن هذه الأسئلة، ستظل الزيادة في المخصصات المالية وتفاوت الأجور مدخلًا مفتوحًا للشكوك بشأن كفاءة الإنفاق وعدالته، بينما تبقى المطالبة بحصر شامل وبيانات معلنة الخطوة الأولى نحو رقابة حقيقية على هذا الملف.